جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
تأويل قوله تعالى :﴿هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ مّا فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمّ اسْتَوَىَ إِلَى السّمَآءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعا، لأن الأرض وجميع ما فيها لبني آدم منافع. أما في الدين فدليل على وحدانية ربهم، وأما في الدنيا فمعاش وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه فلذلك قال جل ذكره : هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا. وقوله :«هو » مكنى من اسم الله جل ذكره، عائد على اسمه في قوله : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ. ومعنى خلقه ما خلق جل ثناؤه : إنشاؤه عينه، وإخراجه من حال العدم إلى الوجود. و«ما » بمعنى «الذي ». فمعنى الكلام إذا : كيف تكفرون بالله وقد كنتم نطفا في أصلاب آبائكم، فجعلكم بشرا أحياء، ثم يميتكم، ثم هو محييكم بعد ذلك، وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب، وهو المنعم عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم. و«كيف » بمعنى التعجب والتوبيخ لا بمعنى الاستفهام، كأنه قال : ويحكم كيف تكفرون بالله، كما قال : فأين تذهبون. وحل قوله : وكُنْتُمْ أمْوَاتا فأحْياكُمْ محلّ الحال، وفيه إضمار «قد »، ولكنها حذفت لما في الكلام من الدليل عليها. وذلك أن «فعل » إذا حلت محلّ الحال كان معلوما أنها مقتضية «قد »، كما قال جل ثناؤه : أوْ جاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ بمعنى : قد حصرت صدورهم. وكما تقول للرجل : أصبحت كثرت ماشيتك، تريد : قد كثرت ماشيتك.
وبنحو الذي قلنا في قوله : هوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا كان قتادة يقول :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله : هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا نعم والله سخر لكم ما في الأرض.

القول في تأويل قوله تعالى : ثُم اسْتَوَى إلى السّمَاءِ فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَواتٍ.


قال أبو جعفر : اختلف في تأويل قوله : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ فقال بعضهم : معنى استوى إلى السماء، أقبل عليها، كما تقول : كان فلان مقبلاً على فلان ثم استوى عليّ يشاتمني واستوى إليّ يشاتمني، بمعنى : أقبل عليّ وإليّ يشاتمني. واستشهد على أن الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر :
أقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنا شَرَوْرَى سَوَامِدَ وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضّجُوعِ
فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع، وكان ذلك عنده بمعنى أقبلن. وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ، وإنما معنى قوله :«واستوين من الضجوع » عندي : استوين على الطريق من الضجوع خارجات، بمعنى استقمن عليه.
وقال بعضهم : لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوّل، ولكنه بمعنى فعله، كما تقول : كان الخليفة في أهل العراق يواليهم ثم تحوّل إلى الشام، إنما يريد تحوّل فعله.
وقال بعضهم : قوله ثُمّ اسْتَوَى إلى السّمَاءِ يعني به : استوت، كما قال الشاعر :
أقُولُ لَهُ لَمّا اسْتَوَى في تُرَابِهِ على أيّ دِينٍ قَتّلَ الناسَ مُصْعَبُ
وقال بعضهم : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ : عمد إليها. وقال : بل كل تارك عملاً كان فيه إلى آخره فهو مستو لما عمد ومستو إليه.
وقال بعضهم : الاستواء : هو العلوّ، والعلوّ : هو الارتفاع.
وممن قال ذلك الربيع بن أنس.
حدثت بذلك عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ يقول : ارتفع إلى السماء.
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع في الذي استوى إلى السماء، فقال بعضهم : الذي استوى إلى السماء وعلا عليها : هو خالقها ومنشئها.
وقال بعضهم : بل العالي إليها الدخان الذي جعله الله للأرض سماء.
قال أبو جعفر : الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه : منها انتهاء شباب الرجل وقوّته، فيقال إذا صار كذلك : قد استوى الرجل، ومنها استقامة ما كان فيه أَوَدٌ من الأمور والأسباب، يقال منه : استوى لفلان أمره : إذا استقام له بعد أود. ومنه قول الطرماح بن حكيم :
طالَ على رَسْمٍ مَهْدَدٍ أبَدُهْوعَفا واسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ
يعني : استقام به.
ومنها الإقبال على الشيء بالفعل، كما يقال : استوى فلان على فلان بما يكرهه ويسوءه بعد الإحسان إليه. ومنها الاحتياز والاستيلاء كقولهم : استوى فلان على المملكة، بمعنى احتوى عليها وحازها. ومنها العلوّ والارتفاع، كقول القائل : استوى فلان على سريره، يعني به علوّه عليه.
وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه : ثُمّ اسْتَوَى إلى السماءِ فَسَوّاهُنْ علا عليهنّ وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهنّ سبع سموات.
والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ الذي هو بمعنى العلوّ والارتفاع هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه. فيقال له : زعمت أن تأويل قوله : اسْتَوَى أقْبَلَ، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير، قيل له : فكذلك فقل : علا عليها علوّ ملك وسلطان لا علوّ انتقال وزوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولاً إلا ألزم في الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولاً لقول أهل الحقّ فيه مخالفا، وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إنه شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر : وإن قال لنا قائل : أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء، كان قبل خلق السماء أم بعده ؟ قيل : بعده، وقبل أن يسوّيهنّ سبع سموات، كما قال جل ثناؤه : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّمَاءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيا طَوْعا أوْ كَرْها والاستواء كان بعد أن خلقها دخانا، وقبل أن يسوّيها سبع سموات.
وقال بعضهم : إنما قال استوى إلى السماء ولا سماء، كقول الرجل لاَخر :«اعمل هذا الثوب » وإنما معه غزلٌ. وأما قوله فَسَوّاهُنّ فإنه يعني هيأهنّ وخلقهنّ ودبرهنّ وقوّمهنّ، والتسوية في كلام العرب : التقويم والإصلاح والتوطئة، كما يقال : سوّى فلان لفلان هذا الأمر : إذا قوّمه وأصلحه ووطأه له. فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته : تقويمه إياهن على مشيئته، وتدبيره لهن على إرادته، وتفتيقهن بعد ارتتاقهن كما :
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس : فَسَوّاهُنّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ يقول : سوى خلقهن وهو بكل شيء عليم.
وقال جل ذكره : فَسَوّاهُنّ فأخرج مكنيّهن مخرج مكنى الجمع. وقد قال قبل : ثم استوى إلى السماء فأخرجها على تقدير الواحد. وإنما أخرج مكنيهن مخرج مكنيّ الجمع. لأن السماء جمع واحدها سماوة، فتقدير واحدتها وجمعها إذا تقدير بقرة وبقر، ونخلة ونخل وما أشبه ذلك ولذلك أُنّثَتْ مرة، فقيل : هذه سماء، وذُكّرتْ أخرى فقيل : السماء منفطر به كما يفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحدة غير دخول الهاء وخروجها، فيقال : هذا بقر وهذه بقر، وهذا نخل وهذه نخل، وما أشبه ذلك. وكان بعض أهل العربية يزعم أن السماء واحدة، غير أنها تدلّ على السموات، فقيل : فَسَوّاهُنّ يراد بذلك التي ذكرت، وما دلت عليه من سائر السموات التي لم تذكر معها. قال : وإنما تذكّر إذا ذكّرت وهي مؤنثة، فيقال : السماء منفطر به كما يذكر المؤنث، وكما قال الشاعر :
فَلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهاولا أرْضٌ أبْقَلَ إبْقَالَهَا
وكما قال أعشى بني ثعلبة :
فإمّا تَرَيْ لِمّتِي بُدّلَتْفإنّ الحَوَادِثَ أزْرَى بِهَا
وقال بعضهم : السماء وإن كانت سماء فوق سماء، وأرضا فوق أرض، فهي في التأويل واحدة إن شئت، ثم تكون تلك الواحدة جماعا، كما يقال : ثوب أخلاق وأسمال، وبرمة أعشار للمتكسرة، وبرمة أكسار وأجبار، وأخلاق : أي أن نواحيه أخلاق.
فإن قال لنا قائل : فإنك قد قلت : إن الله جل ثناؤه استوى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسوّيها سبع سموات، ثم سوّاها سبعا بعد استوائه إليها، فكيف زعمت أنها جماع ؟ قيل : إنهنّ كنّ سبعا غير مستويات، فلذلك قال جلّ ذكره : فسوّاهنّ سبعا : كما :
حدثني محمد بن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، قال : قال محمد بن إسحاق : كان أوّل ما خلق الله تبارك وتعالى : النور والظلمة، ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلاً أسود مظلما، وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا، ثم سمك السموات السبع من دخان يقال والله أعلم من دخان الماء حتى استقللن ولم يحبكهن، وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها وأخرج ضحاها، فجرى فيها الليل والنهار، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم، ثم دحي الأرض، وأرساها بالجبال، وقدّر فيها الأقوات، وبثّ فيها ما أراد من الخلق، ففرغ من الأرض وما قدّر فيها من أقواتها في أربعة أيام. ثم استوى إلى السماء وهي دخان كما قال فحبكهن، وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها، وأوحى في كل سماء أمرها، فأكمل خلقهنّ في يومين. ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى في اليوم السابع فوق سمواته، ثم قال للسموات والأرض : ائْتِيا طَوْعا أوْ كَرْها لما أردت بكما، فاطمئنا عليه طوعا أو كرها، قَالتَا : أتَيْنا طائِعِينَ.
فقد أخبر ابن إسحاق أن الله جل ثناؤه استوى إلى السماء بعد خلقه الأرض وما فيها وهنّ سبع من دخان، فسوّاهنّ كما وصف. وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق لأنه أوضح بيانا عن خبر السموات أنهنّ كنّ سبعا من دخان قبل استواء ربنا إليها بتسويتها من غيره، وأحسن شرحا لما أردنا الاستدلال به من أن معنى السماء التي قال الله فيها : ثُمّ اسْتَوَى إلى السّماءِ بمعنى الجمع على ما وصفنا، وأنه إنما قال جل ثناؤه : فسوّاهنّ إذ كانت السماء بمعنى الجمع على ما بينا.
قال أبو جعفر : فإن قال لنا قائل : فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التي ذكرها في قوله : فسَوّاهُنّ إذ كن قد خلقن سبعا قبل تسويته إياهن ؟ وما وجه ذكر خلقهن بعد ذكر خلق الأرض، ألأنها خلقت قبلها، أم بمعنى غير ذلك ؟ قيل : قد ذكرنا ذلك في الخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق، ونزيد ذلك توكيدا بما انضمّ إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم.
فحدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ : هُوَ الّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعا ثُم اسْتَوَى إلى السماء فَسَواهُن سَبْعَ سَمَواتٍ قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماءً، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعل سبع أ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى