البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الاستواء : الاعتدال والاستقامة، استوى العود وغيره : إذا استقام واعتدل، ثم قيل : استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء، والتسوية : التقويم والتعديل.
﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ : مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وهو أنه لما ذكر أن من كان منشئاً لكم بعد العدم ومفنياً لكم بعد الوجود وموجداً لكم ثانية، إما في جنة، وإما إلى نار، كان جديراً أن يعبد ولا يجحد، ويشكر ولا يكفر.
ثم أخذ يذكرهم عظيم إحسانه وجزيل امتنانه من خلق جميع ما في الأرض لهم، وعظيم قدرته وتصرفه في العالم العلوي، وأن العالم العلوي والعالم السفلي بالنسبة إلى قدرته على السواء، وأنه عليم بكل شيء.
ولفظة هو من المضمرات وضع للمفرد المذكر الغائب، وهو كلي في الوضع كسائر المضمرات، جرى في النسبة المخصوصة حالة الاستعمال، فما من مفرد مذكر غائب إلا ويصح أن يطلق عليه هو، ولكن إذا أسند لهذا الاسم شيء تعين.
ومشهور لغات العرب تخفيف الواو مفتوحة، وشددتها همدان، وسكنتها أسد وقيس، وحذف الواو مختص بالشعر.
ولهؤلاء المنسوبين إلى علم الحقائق وإلى التصوف كلام غريب بالنسبة لمعقولنا، رأيت أن أذكره هنا ليقع الذكر فيه.
قالوا : أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام : مظهرات، ومضمرات، ومستترات.
فالمظهرات : أسماء ذات، وأسماء صفات، وهذه كلها مشتقة، وأسماء الذات مشتقة وهي كثيرة، وغير المشتق واحد وهو الله.
وقد قيل : إنه مشتق، والذي ينبغي اعتقاده أنه غير مشتق، بل اسم مرتجل دال على الذات.
وأما المضمرات فأربعة : أنا في مثل :﴿الله لا إله إلا أنا﴾، وأنت في مثل :﴿لا إله إلا أنت سبحانك﴾، وهو في مثل :﴿هو الذي خلق لكم﴾ ونحن في مثل :﴿نحن نقص عليك﴾ قالوا : فإذا تقرر هذا فالله أعظم أسمائه المظهرات الدالة على الذات، ولفظة هو من أعظم أسمائه المظهرات والمضمرات للدلالة على ذاته، لأن أسماءه المشتقة كلها لفظها متضمن جواز الاشتراك لاجتماعهما في الوصف الخاص، ولا يمنع أن يكون أحد الوصفين حقيقة والآخر مجازاً من الاشتراك، وهو اسم من أسماء الله تعالى ينبئ عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة من حيث هو هو.
فلفظة هو توصلك إلى الحق وتقطعك عما سواه، فإنك لا بد أن يشرك مع النظر في معرفة ما يدل عليه الاسم المشتق النظر في معرفة المعنى الذي يشتق منه، وهذا الاسم لأجل دلالته على الذات ينقطع معه النظر إلى ما سواه، اختاره الجلة من المقربين مداراً لذكرهم ومناراً لكل أمرهم فقالوا : يا هو، لأن لفظة هو إشارة بعين المشار إليه بشرط أن لا يحضر هناك شيء سوى ذلك الواحد، والمقربون لا يخطر في عقولهم وأرواحهم موجود آخر سوى الذي دلت عليه إشارته، وهو اسم مركب من حرفين وهما : الهاء والواو، والهاء أصل والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية، والجمع في هما وهم، والأصل حرف واحد يدل على الواحد الفرد.
انتهى ما نقل عن بعض من عاصرناه في هو بالنسبة إلى الله تعالى مقرراً لما ذكروه ومعتقداً لما حبروه.
ولهم في لفظة أنا وأنت وهو كلام غريب جداً بعيد عما تكلم عليها به أهل اللغة والعربية، وحديث هؤلاء المنتمين إلى هذه العلوم لم يفتح لي فيه ببارقة، ولا ألممت فيه إلى الآن بغادية ولا طارقة، نسأل الله تعالى أن ينور بصائرنا بأنوار الهداية، وأن يجنبنا مسالك الغواية، وأن يلهمنا إلى طريق الصواب، وأن يرزقنا اتباع الأمرين النيرين : السنة والكتاب.
ولكم : متعلق بخلق، واللام فيه، قيل : للسبب، أي لأجلكم ولانتفاعكم، وقدر بعضهم لاعتباركم.
وقيل : للتمليك والإباحة، فيكون التمليك خاصاً، وهو تمليك ما ينتفع الخلق به وتدعو الضرورة إليه.
وقيل : للاختصاص، وهو أعم من التمليك، والأحسن حملها على السبب فيكون مفعولاً من أجله لأنه بما في الأرض يحصل الانتفاع الديني والدنيوي.
فالديني : النظر فيه وفيما فيه من عجائب الصنع ولطائف الخلق الدالة على قدرة الصانع وحكمته ومن التذكير بالآخرة والجزاء، وأما الدنيوي : فظاهر، وهو ما فيه من المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمناظر البهية وغير ذلك.
وقد استدل بقوله :﴿خلق لكم﴾، من ذهب إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة، فلكل أحد أن ينتفع بها، وإذا احتمل أن يكون اللام لغير التمليك والإباحة، لم يكن في ذلك دليل على ما ذهبوا إليه.
وقد ذهب قوم إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظر، فلا يقدم على شيء إلا بإذن.
وذهب قوم إلى أن الوقف لنا تعارض عندهم دليل القائلين بالإباحة، ودليل القائلين بالحظر قالوا بالوقف.
وحكى أبو بكر بن فورك عن ابن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع، فلا نازلة إلا وفيها سمع، أو لها تعلق به أثر لها حال تستصحب، وإذا جعلنا اللام للسبب، فليس المعنى أن الله فعل شيئاً لسبب، لكنه لما فعل ما لو فعله غيره لفعله لسبب أطلق عليه لفظ السبب واندرج تحت قوله :﴿ما في الأرض جميعاً﴾، جميع ما كانت الأرض مستقراً له من الحيوان والنبات والمعدن والجبال، وجميع ما كان بواسطة من الحرف والأمور المستنبطة.
واستدل بعضهم بذلك على تحريم الطين، قال : لأنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض.
وقد تقدم قبل هذا الامتنان بجعل الأرض لنا فراشاً، وهنا امتن بخلق ما فيها لنا وانتصب جميعاً على الحال من المخلوق، وهي حال مؤكدة لأن لفظة ما في الأرض عام، ومعنى جميعاً العموم.
فهو مرادف من حيث المعنى للفظة كل كأنه قيل : ما في الأرض كله، ولا تدل على الاجتماع في الزمان، وهذا هو الفارق بين معاً وجميعاً.
وقد تقدم شيء من ذلك عند الكلام على مع، ومن زعم أن المعنى بقوله : ما في الأرض، الأرض وما فيها، فهو بعيد عن مدلول اللفظ، لكنه تفسير معنى من هذا اللفظ، ومن قوله تعالى :﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ فانتظم من هذين الأرض وما فيها خلق الله ذلك لنا.
وقال الزمخشري : إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء، كما تذكر السماء، ويراد بها الجهات العلوية، جاز ذلك، فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية.
وقال بعض المنسوبين للحقائق : خلق لكم ليعد نعمه عليكم، فتقتضي الشكر من نفسك لتطلب المزيد منه.
وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاء في المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فإنه قد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وقبل التوحيد.
وقال ابن عطاء : خلق لكم ليكون الكون كله لك وتكون لله فلا تشتغل بما لك عما أنت له.
وقال بعض البغداديين : أنعم عليك بها، فإن الخلق عبدة النعم لاستيلاء النعم عليهم، فمن ظهر للحضرة أسقط عنه المنعم رؤية النعم.
وقال الثوري : أعلى مقامات أهل الحقائق الانقطاع عن العلائق :﴿ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سموات﴾ : والعطف بثم يقتضي التراخي في الزمان، ولا زمان إذ ذاك، فقيل : أشار بثم إلى التفاوت الحاصل بين خلق السماء والأرض في القدر، وقيل : لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسي والبركة فيها وتقدير الأقوات عطف بثم، إذ بين خلق الأرض والاستواء تراخ يدل على ذلك :﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ الآية.
استوى أهل الحجاز على الفتح، ونجد على الإمالة.
وقرئ في السبعة بهما، وفي الاستواء هنا سبعة أقوال : أحدها : أقبل وعمد إلى خلقها وقصد من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر، وهو استعارة من قولهم : استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء، قال معناه الفراء، واختاره الزمخشري، وبين ما الذي استعير منه.
الثاني : علا وارتفع من غير تكييف ولا تحديد، قاله الربيع بن أنس، والتقدير : علا أمره وسلطانه، واختاره الطبري.
الثالث : أن يكون إلى بمعنى على، أي استوى على السماء، أي تفرد بملكها ولم يجعلها كالأرض ملكاً لخلقه، ومن هذا المعنى قول الشاعر :
ومعنى هذا الاستيلاء كما قال الشاعر :
الرابع : أن المعنى تحول أمره إلى السماء واستقر فيها، والاستواء هو الاستقرار، فيكون ذلك على حذف مضاف، أي ثم استوى أمره إلى السماء، أي استقر لأن أوامره وقضاياه تنزل إلى الأرض من السماء، قاله الحسن البصري.
والخامس : أن المعنى استوى بخلقه واختراعه إلى السماء، قاله ابن كيسان، ويؤول المعنى إلى القول الأول.
السادس : أن المعنى كمل صنعه فيها، كما تقول : استوى الأمر، وهذا ينبو اللفظ عن الدلالة عليه.
السابع : أن الضمير في استوى عائد على الدخان، وهذا بعيد جدًّا يبعده قوله تعالى :﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ واختلاف الضمائر وعوده على غير مذكور، ولا يفسره سياق الكلام.
وهذه التأويلات كلها فرار عما تقرر في العقول من أن الله تعالى يستحيل أن يتصف بالانتقال المعهود في غيره تعالى، وأن يحل فيه حادث أو يحل هو في حادث، وسيأتي الكلام على الاستواء بالنسبة إلى العرش، إن شاء الله تعالى.
ومعنى التسوية : تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وتكميله من قولهم : درهم سواء، أي وازن كامل تام، أو جعلهن سواء من قوله :﴿إذ نسوّيكم بربِّ العالمين﴾ أو تسوية سطوحها بالإملاس.
والضمير في فسوّاهن عائد على السماء على أنها جمع سماوة، أو على أنه اسم جنس فيصدق إطلاقه على الفرد والجمع، ويكون مراداً به هنا الجمع.
قال الزمخشري، والضمير في فسواهن ضمير مبهم.
و ﴿سبع سموات﴾ تفسيره كقولهم : ربه رجلاً، انتهى كلامه.
ومفهومه أنّ هذا الضمير يعود على ما بعده، وهو مفسر به، فهو عائد على غير متقدّم الذكر.
وهذا الذي يفسره ما بعده : منه ما يفسر بجملة، وهو ضمير الشأن أو القصة، وشرطها عند البصريين أن يصرح بجزأيها، ومنه ما يفسر بمفرد، أي غير جملة، وهو الضمير المرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما.
والضمير المجرور بربّ، والضمير المرفوع بأول المتنازعين على مذهب البصريين، والضمير المجعول خبره مفسراً له، والضمير الذي أبدل منه مفسره في إثبات هذا القسم الأخير خلاف، وذلك نحو : ضربتهم قومك، وهذا الذي ذكره الزمخشري ليس واحداً من هذه الضمائر التي سردناها، إلا أن تخيل فيه أن يكون سبع سموات بدلاً منه ومفسراً له، وهو الذي يقتضيه تشبيه الزمخشري له بربه رجلاً، وأنه ضمير مبهم ليس عائداً على شيء قبله، لكن هذا يضعف بكون هذا التقدير يجعله غير مرتبط بما قبله ارتباطاً كلياً، إذ يكون الكلام قد تضمن أنه تعالى استوى على السماء، وأنه سوى سبع سموات عقيب استوائه السماء، فيكون قد أخبر بإخبارين : أحدهما استواؤه إلى السماء والآخر : تسويته سبع سموات.
وظاهر الكلام أن الذي استوى إليه هو بعينه المستوي سبع سموات.
وقد أعرب بعضهم سبع سموات بدلاً من الضمير على أن الضمير عائد على ما قبله، وهو إعراب صحيح، نحو
﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ : مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وهو أنه لما ذكر أن من كان منشئاً لكم بعد العدم ومفنياً لكم بعد الوجود وموجداً لكم ثانية، إما في جنة، وإما إلى نار، كان جديراً أن يعبد ولا يجحد، ويشكر ولا يكفر.
ثم أخذ يذكرهم عظيم إحسانه وجزيل امتنانه من خلق جميع ما في الأرض لهم، وعظيم قدرته وتصرفه في العالم العلوي، وأن العالم العلوي والعالم السفلي بالنسبة إلى قدرته على السواء، وأنه عليم بكل شيء.
ولفظة هو من المضمرات وضع للمفرد المذكر الغائب، وهو كلي في الوضع كسائر المضمرات، جرى في النسبة المخصوصة حالة الاستعمال، فما من مفرد مذكر غائب إلا ويصح أن يطلق عليه هو، ولكن إذا أسند لهذا الاسم شيء تعين.
ومشهور لغات العرب تخفيف الواو مفتوحة، وشددتها همدان، وسكنتها أسد وقيس، وحذف الواو مختص بالشعر.
ولهؤلاء المنسوبين إلى علم الحقائق وإلى التصوف كلام غريب بالنسبة لمعقولنا، رأيت أن أذكره هنا ليقع الذكر فيه.
قالوا : أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام : مظهرات، ومضمرات، ومستترات.
فالمظهرات : أسماء ذات، وأسماء صفات، وهذه كلها مشتقة، وأسماء الذات مشتقة وهي كثيرة، وغير المشتق واحد وهو الله.
وقد قيل : إنه مشتق، والذي ينبغي اعتقاده أنه غير مشتق، بل اسم مرتجل دال على الذات.
وأما المضمرات فأربعة : أنا في مثل :﴿الله لا إله إلا أنا﴾، وأنت في مثل :﴿لا إله إلا أنت سبحانك﴾، وهو في مثل :﴿هو الذي خلق لكم﴾ ونحن في مثل :﴿نحن نقص عليك﴾ قالوا : فإذا تقرر هذا فالله أعظم أسمائه المظهرات الدالة على الذات، ولفظة هو من أعظم أسمائه المظهرات والمضمرات للدلالة على ذاته، لأن أسماءه المشتقة كلها لفظها متضمن جواز الاشتراك لاجتماعهما في الوصف الخاص، ولا يمنع أن يكون أحد الوصفين حقيقة والآخر مجازاً من الاشتراك، وهو اسم من أسماء الله تعالى ينبئ عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة من حيث هو هو.
فلفظة هو توصلك إلى الحق وتقطعك عما سواه، فإنك لا بد أن يشرك مع النظر في معرفة ما يدل عليه الاسم المشتق النظر في معرفة المعنى الذي يشتق منه، وهذا الاسم لأجل دلالته على الذات ينقطع معه النظر إلى ما سواه، اختاره الجلة من المقربين مداراً لذكرهم ومناراً لكل أمرهم فقالوا : يا هو، لأن لفظة هو إشارة بعين المشار إليه بشرط أن لا يحضر هناك شيء سوى ذلك الواحد، والمقربون لا يخطر في عقولهم وأرواحهم موجود آخر سوى الذي دلت عليه إشارته، وهو اسم مركب من حرفين وهما : الهاء والواو، والهاء أصل والواو زائدة بدليل سقوطها في التثنية، والجمع في هما وهم، والأصل حرف واحد يدل على الواحد الفرد.
انتهى ما نقل عن بعض من عاصرناه في هو بالنسبة إلى الله تعالى مقرراً لما ذكروه ومعتقداً لما حبروه.
ولهم في لفظة أنا وأنت وهو كلام غريب جداً بعيد عما تكلم عليها به أهل اللغة والعربية، وحديث هؤلاء المنتمين إلى هذه العلوم لم يفتح لي فيه ببارقة، ولا ألممت فيه إلى الآن بغادية ولا طارقة، نسأل الله تعالى أن ينور بصائرنا بأنوار الهداية، وأن يجنبنا مسالك الغواية، وأن يلهمنا إلى طريق الصواب، وأن يرزقنا اتباع الأمرين النيرين : السنة والكتاب.
ولكم : متعلق بخلق، واللام فيه، قيل : للسبب، أي لأجلكم ولانتفاعكم، وقدر بعضهم لاعتباركم.
وقيل : للتمليك والإباحة، فيكون التمليك خاصاً، وهو تمليك ما ينتفع الخلق به وتدعو الضرورة إليه.
وقيل : للاختصاص، وهو أعم من التمليك، والأحسن حملها على السبب فيكون مفعولاً من أجله لأنه بما في الأرض يحصل الانتفاع الديني والدنيوي.
فالديني : النظر فيه وفيما فيه من عجائب الصنع ولطائف الخلق الدالة على قدرة الصانع وحكمته ومن التذكير بالآخرة والجزاء، وأما الدنيوي : فظاهر، وهو ما فيه من المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمناظر البهية وغير ذلك.
وقد استدل بقوله :﴿خلق لكم﴾، من ذهب إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة، فلكل أحد أن ينتفع بها، وإذا احتمل أن يكون اللام لغير التمليك والإباحة، لم يكن في ذلك دليل على ما ذهبوا إليه.
وقد ذهب قوم إلى أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظر، فلا يقدم على شيء إلا بإذن.
وذهب قوم إلى أن الوقف لنا تعارض عندهم دليل القائلين بالإباحة، ودليل القائلين بالحظر قالوا بالوقف.
وحكى أبو بكر بن فورك عن ابن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع، فلا نازلة إلا وفيها سمع، أو لها تعلق به أثر لها حال تستصحب، وإذا جعلنا اللام للسبب، فليس المعنى أن الله فعل شيئاً لسبب، لكنه لما فعل ما لو فعله غيره لفعله لسبب أطلق عليه لفظ السبب واندرج تحت قوله :﴿ما في الأرض جميعاً﴾، جميع ما كانت الأرض مستقراً له من الحيوان والنبات والمعدن والجبال، وجميع ما كان بواسطة من الحرف والأمور المستنبطة.
واستدل بعضهم بذلك على تحريم الطين، قال : لأنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض.
وقد تقدم قبل هذا الامتنان بجعل الأرض لنا فراشاً، وهنا امتن بخلق ما فيها لنا وانتصب جميعاً على الحال من المخلوق، وهي حال مؤكدة لأن لفظة ما في الأرض عام، ومعنى جميعاً العموم.
فهو مرادف من حيث المعنى للفظة كل كأنه قيل : ما في الأرض كله، ولا تدل على الاجتماع في الزمان، وهذا هو الفارق بين معاً وجميعاً.
وقد تقدم شيء من ذلك عند الكلام على مع، ومن زعم أن المعنى بقوله : ما في الأرض، الأرض وما فيها، فهو بعيد عن مدلول اللفظ، لكنه تفسير معنى من هذا اللفظ، ومن قوله تعالى :﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً﴾ فانتظم من هذين الأرض وما فيها خلق الله ذلك لنا.
وقال الزمخشري : إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء، كما تذكر السماء، ويراد بها الجهات العلوية، جاز ذلك، فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية.
وقال بعض المنسوبين للحقائق : خلق لكم ليعد نعمه عليكم، فتقتضي الشكر من نفسك لتطلب المزيد منه.
وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاء في المعاد، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك، فإنه قد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وقبل التوحيد.
وقال ابن عطاء : خلق لكم ليكون الكون كله لك وتكون لله فلا تشتغل بما لك عما أنت له.
وقال بعض البغداديين : أنعم عليك بها، فإن الخلق عبدة النعم لاستيلاء النعم عليهم، فمن ظهر للحضرة أسقط عنه المنعم رؤية النعم.
وقال الثوري : أعلى مقامات أهل الحقائق الانقطاع عن العلائق :﴿ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سموات﴾ : والعطف بثم يقتضي التراخي في الزمان، ولا زمان إذ ذاك، فقيل : أشار بثم إلى التفاوت الحاصل بين خلق السماء والأرض في القدر، وقيل : لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسي والبركة فيها وتقدير الأقوات عطف بثم، إذ بين خلق الأرض والاستواء تراخ يدل على ذلك :﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ الآية.
استوى أهل الحجاز على الفتح، ونجد على الإمالة.
وقرئ في السبعة بهما، وفي الاستواء هنا سبعة أقوال : أحدها : أقبل وعمد إلى خلقها وقصد من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر، وهو استعارة من قولهم : استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء، قال معناه الفراء، واختاره الزمخشري، وبين ما الذي استعير منه.
الثاني : علا وارتفع من غير تكييف ولا تحديد، قاله الربيع بن أنس، والتقدير : علا أمره وسلطانه، واختاره الطبري.
الثالث : أن يكون إلى بمعنى على، أي استوى على السماء، أي تفرد بملكها ولم يجعلها كالأرض ملكاً لخلقه، ومن هذا المعنى قول الشاعر :
| فلما علونا واستوينا عليهم | تركناهم صرعى لنسر وكاسر |
| قد استوى بشر على العراق | من غير سيف ودم مهراق |
والخامس : أن المعنى استوى بخلقه واختراعه إلى السماء، قاله ابن كيسان، ويؤول المعنى إلى القول الأول.
السادس : أن المعنى كمل صنعه فيها، كما تقول : استوى الأمر، وهذا ينبو اللفظ عن الدلالة عليه.
السابع : أن الضمير في استوى عائد على الدخان، وهذا بعيد جدًّا يبعده قوله تعالى :﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ واختلاف الضمائر وعوده على غير مذكور، ولا يفسره سياق الكلام.
وهذه التأويلات كلها فرار عما تقرر في العقول من أن الله تعالى يستحيل أن يتصف بالانتقال المعهود في غيره تعالى، وأن يحل فيه حادث أو يحل هو في حادث، وسيأتي الكلام على الاستواء بالنسبة إلى العرش، إن شاء الله تعالى.
ومعنى التسوية : تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وتكميله من قولهم : درهم سواء، أي وازن كامل تام، أو جعلهن سواء من قوله :﴿إذ نسوّيكم بربِّ العالمين﴾ أو تسوية سطوحها بالإملاس.
والضمير في فسوّاهن عائد على السماء على أنها جمع سماوة، أو على أنه اسم جنس فيصدق إطلاقه على الفرد والجمع، ويكون مراداً به هنا الجمع.
قال الزمخشري، والضمير في فسواهن ضمير مبهم.
و ﴿سبع سموات﴾ تفسيره كقولهم : ربه رجلاً، انتهى كلامه.
ومفهومه أنّ هذا الضمير يعود على ما بعده، وهو مفسر به، فهو عائد على غير متقدّم الذكر.
وهذا الذي يفسره ما بعده : منه ما يفسر بجملة، وهو ضمير الشأن أو القصة، وشرطها عند البصريين أن يصرح بجزأيها، ومنه ما يفسر بمفرد، أي غير جملة، وهو الضمير المرفوع بنعم وبئس وما جرى مجراهما.
والضمير المجرور بربّ، والضمير المرفوع بأول المتنازعين على مذهب البصريين، والضمير المجعول خبره مفسراً له، والضمير الذي أبدل منه مفسره في إثبات هذا القسم الأخير خلاف، وذلك نحو : ضربتهم قومك، وهذا الذي ذكره الزمخشري ليس واحداً من هذه الضمائر التي سردناها، إلا أن تخيل فيه أن يكون سبع سموات بدلاً منه ومفسراً له، وهو الذي يقتضيه تشبيه الزمخشري له بربه رجلاً، وأنه ضمير مبهم ليس عائداً على شيء قبله، لكن هذا يضعف بكون هذا التقدير يجعله غير مرتبط بما قبله ارتباطاً كلياً، إذ يكون الكلام قد تضمن أنه تعالى استوى على السماء، وأنه سوى سبع سموات عقيب استوائه السماء، فيكون قد أخبر بإخبارين : أحدهما استواؤه إلى السماء والآخر : تسويته سبع سموات.
وظاهر الكلام أن الذي استوى إليه هو بعينه المستوي سبع سموات.
وقد أعرب بعضهم سبع سموات بدلاً من الضمير على أن الضمير عائد على ما قبله، وهو إعراب صحيح، نحو