تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٣٠ [ وقوله تعالى :( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) ](١) ؛ قال الشيخ رضي الله عنه :( القول في ما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم عليه السلام من سورة البقرة، والكشف عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأحد منا لإصابة جميع [ ما ](٢) فيه من الحكمة أو القطع على تحقيق شيء، ووجهوا(٣) إليه بالإحاطة. ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبلغه مبلغ علمنا مما يجوز أن يوصف به أهل المحنة، وإن كان تنزيه الملائكة عن كل معنى، فيه وحشة، أولى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله :( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [التحريم: ٦]، وقوله :( وقالوا اتخذ الرحمان ولدا ) إلى قوله :( لا يسبقونه بالقول ) [ الأنبياء : ٢٦ و ٢٧ ] الآية(٤)، وقوله :( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) [النحل: ٥٠] الآية(٥)، وقوله :( لا يستكبرون عن عبادته، ولا يستحسرون ) [الأنبياء: ١٩]، وما جاءت به الآثار عن رسول الله ﷺ من [ وصف ](٦) طاعتهم لله تعالى ومواظبتهم على العبادة وما لا يذكر من أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية. بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين فضلا من أن يبسط اللسان في ملائكة الله، سبحانه، وبالله المعونة والعصمة )(٧).
قال الله تعالى لملائكته :( إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) الآية(٨). زعم قوم أن هذا زلة منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله :( إني جاعل في الأرض خليفة ) بهذا لم يتبع قولهم هذا. ومعلوم عندهم أن يكون هو يعلم ما لا يعلمون، وأيد ذلك بما امتحنهم بالإنباء عن أسماء الأشياء مقرونا بقوله :( إن كنتم صادقين ) [البقرة: ٣١]، ولولا أنه سبق منهم ما(٩) استحقوا عليه [ التوعد ](١٠) لم يكن لذلك الشرط عند القول :( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) [البقرة: ٣١] فائدة ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.
ومنهم من قال : إن قوله :( أتجعل فيها من يفسد فيها ) قول إبليس ؛ هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكورا باسم الجماعة ؛ لأنه جائز خطاب الواحد على إرادة الجماعة وذكر الجماعة على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله تعالى لجملة(١١) ملائكته حين قال :( وإذ قال ربك للملائكة ) الآية قوله :( أنبئوني ) بكذا ؛ وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أن يأمرهم بذلك ؛ وهم لا يعلمون. ولو تكلفوا ذلك للحقهم الكذب في ذلك. ثبت أن ذلك على التوبيخ والتهديد لما فرط منهم.
ويكشف عن ذلك أيضا عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله/ { -أ/ ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ) [البقرة: ٣٣] الآية، ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأديب والتنبيه عن غفلة سبقت منهم لم يكن لذلك كثير معنى ؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل علم(١٢) ما ذكر من الكفرة الأشقياء فضلا عن(١٣) الكرام البررة.
ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ نحو قوله :( واتقوا النار التي أعدت للكافرين ) [آل عمران: ١٣١] وقوله لرسول الله ﷺ :( إذا لأذقناك ضعف الحياة ) [الإسراء: ٧٥] الآية وملائكته(١٤) :( ومن يقل منهم إني إله من دونه ) [ الأنبياء : ٢٩ي. واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة. [ ودليل ](١٥) المحنة ما بينا من الفعل بالأمن والخوف المذكور وما مدحوا بعبادتهم لله تعالى، وما أوعدوا لو ادعوا الألوهية، ولما لم يحتمل أن يحمدوا على العبادة والطاعة في ما كان فعلهم على الخير والشر، ولا تعظم المحنة في ما لا يمكن للمعصية(١٦)، ولا تحتملها البينة ؛ إذ الطاعة هي اتقاء المعصية.
وقال أيضا :( لا يعصون الله ) [التحريم: ٦]، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.
فثبت أن المعاصي منهم ممكنة، ولذلك خطر طاعاتهم وعظم قدر عباداتهم. والممتحن مخوف منه الزلة والهفوة بل المعصية وكل بلاء إلا أن يعصمه الله تعالى، ويحفظه. وذلك من الله إفضال وإحسان لا يستحق قبله، ولا يلزمه أحد من خلقه، فجائز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق وقطع الإياس والحث على الفراغ إلى الله تعالى بالعصمة والمعونة، إذ لم يقم لطاعته أحد، وإن جل قدره، عندما وكل إلى نفسه بما يعلم الله أنه يختار في شيء الخلاف، لا أنه يفزع إليه، ويتضرع إليه.
وعلى ذلك معنى زلات الرسل صلوات الله عليهم.
وزعم قوم أن ذلك منهم ليس بالزلة، بل الله تعالى عصمهم عنها. ولكن قوله :( أتجعل فيها من يفسد فيها ) يخرج على وجهين :
أحدهما : على السؤال بعد أن أعلمهم الله تعالى أنهم يفعلون، فقالوا : كيف يفعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم، وأكرمتهم بأنواع النعم ؟ ونحن إذ خلقتنا نسبحك بذلك، ونقدس لك.
أو كيف تحتمل عقولهم عصيانا مع عظم نعمتك عليهم ؟ ونحن معاشر الملائكة تأبى(١٧) علينا العقول ذلك. فقال الله عز وجل :( إني أعلم ما لا تعلمون ) أي امتحنهم بما ركب فيهم [ من ](١٨) الشهوات التي لغلبتها على أنفسهم [ تعتريهم أنواع ](١٩) الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ لكثرة الأعداء لهم وغلبة الشهوات، فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك. وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه، فأخبر أنه يعلم(٢٠) ما لا يعلمون ؛ إذ بذلك بيان الأولياء والأعداء وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجة أو لمنفعة له ؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه(٢١) في القول الذي أمر به، وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عبرا وعظة، فيكون في عقوبة العصاة ووعيدهم مزجر لغيرهم وموعظة ولغير ذلك من الوجوه.
والثاني(٢٢) : أن يكون المعنى من قوله :( أتجعل فيها ) على الإيجاب، أي أنت تفعل ذلك إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك(٢٣) نفع –جل ثناؤه- من أن يكون فعلك لأحد هذين. وذلك كقوله :( أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ) [النور: ٥٠] الآية على إيجاب ذلك لا على الاستفهام، مع أن الألف زائدة كقوله :( أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ) [القصص: ١٩]، وقوله :( قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) [فصلت: ٩] بمعنى إنكم، وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.
[ وقال قوم ](٢٤) : ومعنى قوله :( إني أعلم ما لا تعلمون ) [ أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أعلمهم ما فيهم من الرسل والأخبار، فهو يعلم ما لا يعلمون ](٢٥) من الأخيار(٢٦) فيهم ؛ ولذلك ذكرهم عند سؤال الإنباء بما أعلمهم من عظم امتنانه على آدم أن جعله بمعنى نبي إلى الملائكة بما علمهم الأسماء، ولم يكن بلغ توهمهم أن في البشر ما يحتاج المخلوقون(٢٧) من النور الذي هو سبب رفع الأستار عن الأشياء وجلاء الأشياء به، ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماء الذي هو أصل الستر والظلمة، فأراهم الله تعالى بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة والعلم بالأشياء الخلقة، ولكن لطف الله وامتنانه. ولا قوة إلا بالله.
وقال قوم : كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب لا من طريق الزلة التي هي العصيان، ولكنهم يعاتبون على أمثال ذلك، وإن لم تبلغ بهم المعصية لعلو شأنهم ولعظم قدرهم، كما قد عاتب الله نبيه ﷺ في أشياء، وإن لم يكن ذلك منه معصية، كقوله :( عفا الله عنك ) [التوبة: ٤٣] الآية وقوله :( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) [النساء: ١٠٧] وقوله :( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ) [الأحزاب: ٣٣] الآية، ولم يكن إثم في ذلك، وقال :( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) الآية [التحريم: ١] [ لأنه من غير أن كان منه عصيان ] ؛ فمثل ذلك أمر الملائكة.
ثم تكلموا في معنى ذلك ؛ فمنهم من يقول : ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله وأنه لا يفضل أحدا عليهم، ومنهم من يقول : ظنوا أنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أو التراب من حيث ذكرت من جوهرهم، (٢٨) أو لعظم عبادتهم لله تعالى وعلمهم بأن في الجن والإنس عصاة. فلهذا امتحنهم بالعلم ثم بالسجود لإظهار علو البشر وشرفه وعظم ما أكرموا [ به ](٢٩) من العلم.
ومنهم من [ قالوا بقوله ](٣٠) ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ).
وقوله تعالى :( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك )(٣١) قيل : بأمرك، وقيل بمعرفتك، وقيل بالثناء عليك ؛ إذ(٣٢) كانوا أضافوا ذلك إلى أنفسهم دون أن يذكروا عظم منة الله عليهم بذلك واختصاصه إياهم بالتوفيق له ؛ إذ كيف ذكروا من نعوت البشر شر ما فيهم دون أن يحمدوا الله بما وفقوا له، أو يدعوا للبشر بالعصمة أو(٣٣) المغفرة بما ابتلوا ؟ ولذلك، والله أعلم، صرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأرض ونصر أولياء الله، ولا قوة إلا بالله.
ومن الناس من أخبر في ذلك أن إبليس سألهم : لو فضل آدم عليهم، وأمروا بالطاعة له ما يصنعون ؟ فأظهر الله عز وجل أنه علم ما كتم إبليس من العصيان، وأظهروا(٣٤) هم من الطاعة ؛ وهذا شيء لا تعلم حقيقته لأن المعاتبة كانت في جملة الملائكة والمخاطبة بالإنباء، وما ألحق به، وأمر بالسجود كان في غيره ؛ ولم يحتمل أن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين، ولكن(٣٥) يحتمل وجوه العتاب الأخيار في ما [ لم ](٣٦) يبلغوا العصيان، والله الموافق.
وقوله(٣٧) تعالى :( أنبئوني بأسماء هؤلاء )(٣٨) ظاهره أمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك في القرآن كثير. وإن كان في الحقيقة أمرا(٣٩) ؛ ففيه دلالة جواز الأمر في ما لا يعلمه المأمور إذا كان يحتمل العلم به إلى ذي العلم به تبين له إذا طلب، و استوجب رتبة التعلم والبحث.
ويحتمل أن يكونوا نبهوا حتى لا يسبق إليهم عند إعلام آدم أن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا، أو أراد أن يريهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم عليه السلام في(٤٠) إفادة ذلك العلم له كما قال عز وجل :( وما تلك بيمينك يا موسى ) [طه: ١٧] ؛ ذكره أولا حاله وحال عصاه ليعلم ما أراه ما(٤١) في يده من آية نبوته، على نبينا وعليه السلام.
وقوله تعالى :( إني جاعل في الأرض خليفة ) قال(٤٢) قوم : يريد به آدم عليه السلام يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجن. وذلك بعيد ؛ لأنهم(٤٣) قالوا :( أتجعل فيها من يفسد فيها ) ولم يكن آدم عليه السلام بالذي [ كان يفسد ](٤٤) في الأرض ( ويسفك الدماء ) بل كان يسبح بحمده، ويقدس له.
ولكن يحتمل أن يريد آدم وولده إلى يوم القيامة : أن يجعل بعضهم خلفاء لبعض كقوله :( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [النمل: ٦٢] [ أو يجعلهم خلفاء ](٤٥) من ذكروا، إن صح الذي قالوا : وجائز أن يكونوا على وجه الأرض إذ هي مخلوقة لهم قرارا ومهادا(٤٦)، وهم جعلوا سكانها وعمارها، أن يكونوا خلفاء في إظهار أحكام الله تعالى ودينه كقوله لداوود عليه السلام ( إنا جعلناك خليفة في الأرض ) فجعله كذلك ليحكم بين أهلها بحكم الله ( ولا تتبع الهوى ) [ص: ٢٦]. وبذلك أمر بنو آدم.
١ - م ن ط م..
٢ - من ط م و ط ع، ، ساقطة من الأصل..
٣ - الواو ساقطة من ط ع..
٤ - في ط ع أدرج الناسخ تتمة الآية بدل كلمة الآية..
٥ - ساقطة من ط ع..
٦ - من ط م و ط ع، ساقطة من الأصل..
٧ - من ط م و ط ع، ، في الأصل: بالمعونة..
٨ - أدرج الناسخ في ط ع تتمة الآية بدل كلمة الآية..
٩ - من ط، في الأصل و ط ع: لما..
١٠ - من ط م و ط ع،: الوعد، ساقطة من الأصل..
١١ - من ط م، في الأصل و ط ع: بجملة..
١٢ -من ط م، في الأصل: يعلم، في ط ع: بعلم..
١٣ - من ط م، في الأصل و ط ع: من..
١٤ - في ط م: ولملائكته..
١٥ - من ط م و ط ع، ساقطة من الأصل..
١٦ - في ط م: المعصية..
١٧ من ط م، في الأصل و ط ع: تأتي..
١٨ - من ط م..
١٩ - من ط م، في الأصل و ط ع: تغيره على..
٢٠ - في ط ع: بعلم يعلم..
٢١ - من ط م، في الأصل و ط ع: يخالف..
٢٢ - في النسخ الثلاث: والوجه الآخر..
٢٣ - من ط م و ط ع، ، في الأصل: يعطيك.
٢٤ - في ط م: وقال/ في الأصل و ط ع: قال..
٢٥ - من ط م..
٢٦ - من ط م، في الأصل و ط ع: الاختيار..
٢٧ - من ط م، في الأصل: المحلون، في ط ع: المخلوق..
٢٨ - من ط م و ط ع، ، في الأصل: جورهم..
٢٩ - من ط ع..
٣٠ - في ط ع: يقول: منهم قالوا بقوله..
٣١ - أدرج المحققان في ط م تفسير قوله تعالى: (إني جاعل في الأرض خليفة) قال قوم... وبذلك أمر بنو آدم. قبل قوله هذا مدعيين أن ترتيب قول الله تعالى يقتضي ذلك..
٣٢ - في ط ع: أن..
٣٣ - في ط م: و..
٣٤ - في ط م: وما أظهروا..
٣٥ - من ط م، في الأصل و ط ع: ولكنه..
٣٦ - من ط م و ط ع، ، ساقطة من الأصل..
٣٧ - الواو ساقطة من الأصل..
٣٨ - أدرج المحققان في ط م تفسير هذا القول بعد تفسير قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها)..
٣٩ - من ط م، في الأصل و ط ع: أمر..
٤٠ - من ط م و ط ع، ، في الأصل: من..
٤١ - من ط م، في الأصل و ط ع: مما.
٤٢ - من ط م و ط ع، في الأصل: وقال..
٤٣ - من ط ع، في الأصل و ط م: كأنهم..
٤٤ - من ط م، في الأصل: كان يفسده، في ط ع: يفسده..
٤٥ - من ط م و ط ع، ، ساقطة من الأصل..
٤٦ - أدرج بعدها في ط م و ط ع: ومعادا..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى