اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
هذه الآية دالّة على كيفية تنظيم الله - تعالى - لآدم عليه الصَّلاة والسلام، فيكون ذلك إنعاماً عامًّا على جميع بني آدم، فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامّة التي أوردها.
" إذ " ظرفُ زمانٍ ماض، يخلص المضارع للمضي، وبني لشبهه بالحَرْفِ في الوضع والافتقار، وتليه الجُمَل مطلقاً.
قال المبرد : إذا جاء " إذ " مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] يريد : إذ مكروا، وإذا جاء مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله :﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقد يبقى على مُضِيِّهِ كهذه الآية.
وإذا كانت الجملة فعلية قبح تقديم الاسم، وتأخير الفعل نحو :" إذ زيد قام "، ولا يتصرّف إلا بإضافة الزمن إليه، نحو :" يومئذ " و " حينئذ "، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به أكثر المعربين، فإنهم يقدرون " ذكر وقت كذا "، ولا ظرف مكان، ولا زائداً، ولا حرفاً للتعليل، ولا للمفاجأة خلافاً لمن زعم ذلك.
وقد تحذف الجملة المضاف هو إليها للعلم، ويعوض منها تنوين كقوله :﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] وليس كَسْرته - والحالةُ هذه - كسرة إعراب، ولا تنوينه تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسر لالتقاء السَّاكنين، والتنوين للعوض بدليل وجود الكسر، ولا إضافة ؛ قال الشاعر :[ الوافر ]
وللأخفش أن يقول : أصله :" وأنت حينئذ " فلما حذف المضاف بقي المُضَاف إليه على حاله، ولم يقم مقامه نحو :﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾
[الأنفال: ٦٧] بالجر، إلا أنه ضعيف.
و " قَالَ رَبُّكَ " : جملة فعلية في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها، واعلم أنّ " إذ " فيه تسعة أوجه، أحسنها أنه منصوب ب ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أي : قالوا ذلك القول وَقْتَ قول الله عز وجل إني جاعل في الأرض خليفة، وهذا أسهل الأوجه.
الثاني : أنه منصوب ب " اذكر " مقدراً، وقد تقدم أنه لا يتصرّف، فلا يقع مفعولاً.
الثالث : أنه منصوب ب " خلقكم " المتقدّم في قوله :﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] والواو زائدة. وهذا ليس بشيء لطول الفصل.
الرابع : أنه منصوب ب " قال " بعده، وهذا فاسد ؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف.
الخامس : أنه زائد، ويُعْزَى لأبي عبيدة.
السادس : أنه بمعنى " قد ".
السابع : أنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف تقديره : ابتداء خلقكم وَقْتَ قول ربك.
الثامن : أنه منصوب بفعل لائقٍ تقديره : ابتدأ خلقكم وَقْتَ قوله ذلك.
وهذان ضعيفان، لأن وقت ابتداء الخَلْقِ ليس وقت القول، وأيضاً فإنه لا يتصرف.
التاسع : أنه منصوب ب " أحياكم " مقدراً، وهذا مردودٌ باختلاف الوقتين أيضاً.
و " للملائكة " متعلّق ب " قال " واللاَّم للتبليغ. و " ملائكة " جمع " مَلَك "، واختلف في " ملك " على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمه، هل هي أصلية أو زائدة ؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا.
فقال بعضهم :" ملك " وزنه " فَعَلٌ " من المِلْك، وشذّ جمعه على " فَعَائلة "، فالشذوذ في جمعه فقط.
وقال بعضهم : بل أصله " مَلأْك "، والهمزة فيه زائدة ك " شَمْأَل "، ثم نقلت حركة الهمزة إلى " اللام "، وحذفت الهمزة تخفيفاً، والجمع جاء على أصل الزيادة، فهذان قولان عند هؤلاء.
والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً :
فمنهم من قال : هو مشتقٌّ من " أَلَكَ " أي : أرسل، ففاؤه همزة، وعينه لام ؛ ويدلّ عليه قوله :[ المنسرح ]
وقال الآخر :[ الرمل ]
وقال آخر :[ الرمل ]
فأصل ملك : مألك، ثم قلبت العين إلى موضع " الفاء "، و " الفاء " إلى موضع " العين " على وزن " مَعْفَل " ثم نقلت حركة " الهمزة " إلى " اللام "، وحذفت " الهمزة " تخفيفاً، فيكون وزن ملك :" مَعَلاً " بحذف الفاء.
ومنهم من قال : هو مشتقّ من " لأك " أي : أرسل أيضاً، ففاؤه لام، وعينه همزة، ثم نقلت حركة الهمزة، وحذفت كما تقدّم، ويدلّ على ذلك أنه قد نطق بهذا الأصل قال :[ الطويل ]
ثم جاء الجمع على الأصل، فردّت الهمزة على كلا القولين، فوزن " ملائكة " على هذا القول " مَفَاعلة "، وعلى القول الذي قبله " مَعَافِلَة " بالقَلْب.
وقيل : هو مشتقٌّ من :" لاَكَهُ - يَلُوكُه " إذا " أداره - يديره " ؛ لأن الملك يدير الرسالة في فِيْهِ، فأصل مَلْك : مَلْوَك، فنقلت حركة " الواو " إلى " اللام " الساكنة قبلها، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلب " ألفاً "، فصار : ملاكاً مثل :" مقام "، ثم حذفت الألف تخفيفاً، فوزنه :" مفل " بحذف العين، وأصل " ملائكة " :" ملاوكة "، فقلبت " الواو همزة "، ولكن شرط قلب الواو والياء همزة بعد ألف مفاعل أن تكون زائدة نحو :" عَجَائز " و " رَسَائل "، على أنه قد جاء ذلك في الأصل قليلاً قالوا :" مَصَائب " و " مَنَائِر "، وقرئ شاذًّا :﴿مَعَائِشَ﴾ [الأعراف: ١٠] بالهمز، فهذه خمسة أقوال.
السّادس : قال النضر بن شُمَيْلٍ(٦) : لا اشتقاق ل " الملك " عند العرب " والهاء " في " ملائكة " لتأنيث الجمع، نحو :" صَلاَدمة ".
وقيل : للمُبَالغة ك " عَلاّمة " و " نسَّابة "، وليس بشيء، وقد تحذف هذه الهَاء شذوذاً ؛ قال الشاعر :[ الطويل ]
اختلفوا في ماهيّة الملائكة، وحقيقتهم، والضابط فيه أن يقال : إن المَلاَئكة ذوات قائمة بأنفسها، وهي إما متحيّزة، أو ليست بمتحيّزة، فإن كانت متحيّزة فهاهنا أقوال :
أحدها : أنها أجسام لطيفة هَوَائية تقدر على التشكُّل بأشكال مختلفةٍ مسكنها السماوات، وهذا قول أكثر المسلمين.
الثاني : قول طوائف من عَبَدَةِ الأوثان : أن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسْعَادِ، والإِنْحَاسِ، فَالْمُسْعِدَات منها ملائكة الرَّحمة، والمنحسات منها مَلاَئكة العذاب.
الثالث : قول معظم المَجُوس، والثنوية : وهو أن هذا العَالمَ مركّب من أصلين أزليين، وهما النور والظّلمة، وهُمَا في الحقيقة جَوْهَرَان شَفَّافان مُخْتَاران قادران، متضادا النّفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النُّور فاضل خيّر، نقيّ طيّب الريح، كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويَحْيَا ولا يبلى، وجوهر الظلمة على ضدّ ذلك.
ثم إنَّ جوهر النور لم يزل يولد الأولياء، وهم الملائكة لا على سبيل التَّنَاكح، بل على سبيل تولّد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين على سبيل تولّد السَّفهِ من السفيه لا على سبيل التناكح.
القول الثاني : وهو أنها ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيّزة، ولا بأجسام. فهاهنا قولان :
الأول : قول طوائف من النَّصَارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس النَّاطقة المفارقة لأبدانها على نَعْتِ الصفاء والخيرية، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيةً خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثةً كَدِرَةً فهي الشياطين.
والثاني : قول الفَلاَسفة وهي أنها جَوَاهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيّزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس النَّاطقة البشرية، وأنها أكملُ قوةً منها، وأكثر علماً منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشَّمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إنَّ هذه الجَوَاهر على قسمين : منها ما هي بالنسبة إلى أجْرَام الأَفْلاَك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا عَلَى شَيْءٍ من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة الله، ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هُمُ الملائكة المُقَرَّبُون، ونسبتهم إلى الملائكة الَّذِين يدبرون السَّمَاوات، كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا النَّاطقة، فهذان القِسْمَان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعاً أُخَرَ من الملائكة، وهي الملائكة الأرضية المدبِّرة لأحوال هذا العالم السفليّ، ثم إن المدبرات لهذا العَالَم إن كانت خيرةً فهم الملائكة، وإن كانت شريرةً فهم الشياطين.
قال عليه الصلاة والسلام :" أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ ما فيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ، أو راكع " (٨).
[ وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البَرّ، وهؤلاء كلهم عُشْر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البَحْرِ، وهؤلاء كلّهم عشر ملائكة الأرض الموكّلين بها، وكلّ هؤلاء ملائكة سَمَاء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السَّماءِ الثانية وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السَّماء السَّابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكُرسي نَزْر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السّرادق الواحد من سُرَادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كلّ سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السَّمَاوات والأرضون وما فيها وما بينها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجد، أو راكع ](٩) وقائم، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتَّقديس، ثم كلّ هؤلاء في مُقَابلة الملائكة الذين يَحُومُونَ حول العرش كالقَطْرَةِ في البحر، ولا يعلم عَدَدَهُمْ إلا اللهُ تعالى، ثم مع هؤلاء ملائكة اللَّوْحِ الذين هم أشياع إسرافيل عليه السّلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السَّلام، ولا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، على ما قال :﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
وروي في بعض كتب التَّذكير أنه - عليه الصلاة والسلام - حين عرج به رأى ملائكة في مَوْضِعٍ بمنزلة سوق بعضهم يمشي تُجَاهَ بعض، فسأل رسول الله - ﷺ - إلَى أيْنَ يَذْهَبُونَ ؟ فقال جبريل عليه السَّلام : لا أَدْرِي إِلاّ أنِّي أراهُمْ مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سأل واحداً منهم وقيل له : مذ كم خلقت ؟ فقال : لا أدري غير أن الله - تعالى - يخلق كوكباً في كلّ أربعمائة ألف سنةٍ، فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خَلَقَنِي أربعمائة ألف مرة فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجلّ كماله.
اختلفوا في المَلاَئكة الَّذِين قال لهم :" إنِّي جاعلٌ لهم " كُلّ الملائكة، أو بعضهم ؟ فروى الضَّحَّاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة الذين [ كانوا مُحَاربين ] مع " إبليس " ؛ لأن الله - تعالى - لما أس
" إذ " ظرفُ زمانٍ ماض، يخلص المضارع للمضي، وبني لشبهه بالحَرْفِ في الوضع والافتقار، وتليه الجُمَل مطلقاً.
قال المبرد : إذا جاء " إذ " مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله :﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] يريد : إذ مكروا، وإذا جاء مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله :﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] وقد يبقى على مُضِيِّهِ كهذه الآية.
وإذا كانت الجملة فعلية قبح تقديم الاسم، وتأخير الفعل نحو :" إذ زيد قام "، ولا يتصرّف إلا بإضافة الزمن إليه، نحو :" يومئذ " و " حينئذ "، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به أكثر المعربين، فإنهم يقدرون " ذكر وقت كذا "، ولا ظرف مكان، ولا زائداً، ولا حرفاً للتعليل، ولا للمفاجأة خلافاً لمن زعم ذلك.
وقد تحذف الجملة المضاف هو إليها للعلم، ويعوض منها تنوين كقوله :﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] وليس كَسْرته - والحالةُ هذه - كسرة إعراب، ولا تنوينه تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسر لالتقاء السَّاكنين، والتنوين للعوض بدليل وجود الكسر، ولا إضافة ؛ قال الشاعر :[ الوافر ]
| نَهَيْتُكَ عَنْ طِلاَبِكَ أُمَّ عَمْرٍو | بِعَاقِبَةٍ وَأَنْتَ إِذٍ صَحِيحُ(١) |
[الأنفال: ٦٧] بالجر، إلا أنه ضعيف.
و " قَالَ رَبُّكَ " : جملة فعلية في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها، واعلم أنّ " إذ " فيه تسعة أوجه، أحسنها أنه منصوب ب ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أي : قالوا ذلك القول وَقْتَ قول الله عز وجل إني جاعل في الأرض خليفة، وهذا أسهل الأوجه.
الثاني : أنه منصوب ب " اذكر " مقدراً، وقد تقدم أنه لا يتصرّف، فلا يقع مفعولاً.
الثالث : أنه منصوب ب " خلقكم " المتقدّم في قوله :﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] والواو زائدة. وهذا ليس بشيء لطول الفصل.
الرابع : أنه منصوب ب " قال " بعده، وهذا فاسد ؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف.
الخامس : أنه زائد، ويُعْزَى لأبي عبيدة.
السادس : أنه بمعنى " قد ".
السابع : أنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف تقديره : ابتداء خلقكم وَقْتَ قول ربك.
الثامن : أنه منصوب بفعل لائقٍ تقديره : ابتدأ خلقكم وَقْتَ قوله ذلك.
وهذان ضعيفان، لأن وقت ابتداء الخَلْقِ ليس وقت القول، وأيضاً فإنه لا يتصرف.
التاسع : أنه منصوب ب " أحياكم " مقدراً، وهذا مردودٌ باختلاف الوقتين أيضاً.
و " للملائكة " متعلّق ب " قال " واللاَّم للتبليغ. و " ملائكة " جمع " مَلَك "، واختلف في " ملك " على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمه، هل هي أصلية أو زائدة ؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا.
فقال بعضهم :" ملك " وزنه " فَعَلٌ " من المِلْك، وشذّ جمعه على " فَعَائلة "، فالشذوذ في جمعه فقط.
وقال بعضهم : بل أصله " مَلأْك "، والهمزة فيه زائدة ك " شَمْأَل "، ثم نقلت حركة الهمزة إلى " اللام "، وحذفت الهمزة تخفيفاً، والجمع جاء على أصل الزيادة، فهذان قولان عند هؤلاء.
والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً :
فمنهم من قال : هو مشتقٌّ من " أَلَكَ " أي : أرسل، ففاؤه همزة، وعينه لام ؛ ويدلّ عليه قوله :[ المنسرح ]
| أَبْلِغْ أَبا دَخْتَنُوسَ مَألُكَةً | عَنِ الَّذِي قَدْ يُقَالُ مِلْكَذِب(٢) |
| وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ | بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ(٣) |
| أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَألُكاً | أَنَّه قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي(٤) |
ومنهم من قال : هو مشتقّ من " لأك " أي : أرسل أيضاً، ففاؤه لام، وعينه همزة، ثم نقلت حركة الهمزة، وحذفت كما تقدّم، ويدلّ على ذلك أنه قد نطق بهذا الأصل قال :[ الطويل ]
| فَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لمَلأَكٍ | تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ(٥) |
وقيل : هو مشتقٌّ من :" لاَكَهُ - يَلُوكُه " إذا " أداره - يديره " ؛ لأن الملك يدير الرسالة في فِيْهِ، فأصل مَلْك : مَلْوَك، فنقلت حركة " الواو " إلى " اللام " الساكنة قبلها، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلب " ألفاً "، فصار : ملاكاً مثل :" مقام "، ثم حذفت الألف تخفيفاً، فوزنه :" مفل " بحذف العين، وأصل " ملائكة " :" ملاوكة "، فقلبت " الواو همزة "، ولكن شرط قلب الواو والياء همزة بعد ألف مفاعل أن تكون زائدة نحو :" عَجَائز " و " رَسَائل "، على أنه قد جاء ذلك في الأصل قليلاً قالوا :" مَصَائب " و " مَنَائِر "، وقرئ شاذًّا :﴿مَعَائِشَ﴾ [الأعراف: ١٠] بالهمز، فهذه خمسة أقوال.
السّادس : قال النضر بن شُمَيْلٍ(٦) : لا اشتقاق ل " الملك " عند العرب " والهاء " في " ملائكة " لتأنيث الجمع، نحو :" صَلاَدمة ".
وقيل : للمُبَالغة ك " عَلاّمة " و " نسَّابة "، وليس بشيء، وقد تحذف هذه الهَاء شذوذاً ؛ قال الشاعر :[ الطويل ]
| أَبَا خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ(٧) | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
فصل في ماهية الملائكة
اختلفوا في ماهيّة الملائكة، وحقيقتهم، والضابط فيه أن يقال : إن المَلاَئكة ذوات قائمة بأنفسها، وهي إما متحيّزة، أو ليست بمتحيّزة، فإن كانت متحيّزة فهاهنا أقوال :
أحدها : أنها أجسام لطيفة هَوَائية تقدر على التشكُّل بأشكال مختلفةٍ مسكنها السماوات، وهذا قول أكثر المسلمين.
الثاني : قول طوائف من عَبَدَةِ الأوثان : أن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسْعَادِ، والإِنْحَاسِ، فَالْمُسْعِدَات منها ملائكة الرَّحمة، والمنحسات منها مَلاَئكة العذاب.
الثالث : قول معظم المَجُوس، والثنوية : وهو أن هذا العَالمَ مركّب من أصلين أزليين، وهما النور والظّلمة، وهُمَا في الحقيقة جَوْهَرَان شَفَّافان مُخْتَاران قادران، متضادا النّفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النُّور فاضل خيّر، نقيّ طيّب الريح، كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويَحْيَا ولا يبلى، وجوهر الظلمة على ضدّ ذلك.
ثم إنَّ جوهر النور لم يزل يولد الأولياء، وهم الملائكة لا على سبيل التَّنَاكح، بل على سبيل تولّد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين على سبيل تولّد السَّفهِ من السفيه لا على سبيل التناكح.
القول الثاني : وهو أنها ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيّزة، ولا بأجسام. فهاهنا قولان :
الأول : قول طوائف من النَّصَارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس النَّاطقة المفارقة لأبدانها على نَعْتِ الصفاء والخيرية، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيةً خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثةً كَدِرَةً فهي الشياطين.
والثاني : قول الفَلاَسفة وهي أنها جَوَاهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيّزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس النَّاطقة البشرية، وأنها أكملُ قوةً منها، وأكثر علماً منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشَّمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إنَّ هذه الجَوَاهر على قسمين : منها ما هي بالنسبة إلى أجْرَام الأَفْلاَك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا عَلَى شَيْءٍ من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة الله، ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هُمُ الملائكة المُقَرَّبُون، ونسبتهم إلى الملائكة الَّذِين يدبرون السَّمَاوات، كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا النَّاطقة، فهذان القِسْمَان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعاً أُخَرَ من الملائكة، وهي الملائكة الأرضية المدبِّرة لأحوال هذا العالم السفليّ، ثم إن المدبرات لهذا العَالَم إن كانت خيرةً فهم الملائكة، وإن كانت شريرةً فهم الشياطين.
فصل في شرح كثرتهم
قال عليه الصلاة والسلام :" أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ ما فيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ، أو راكع " (٨).
[ وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البَرّ، وهؤلاء كلهم عُشْر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البَحْرِ، وهؤلاء كلّهم عشر ملائكة الأرض الموكّلين بها، وكلّ هؤلاء ملائكة سَمَاء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السَّماءِ الثانية وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السَّماء السَّابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكُرسي نَزْر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السّرادق الواحد من سُرَادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كلّ سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السَّمَاوات والأرضون وما فيها وما بينها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجد، أو راكع ](٩) وقائم، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتَّقديس، ثم كلّ هؤلاء في مُقَابلة الملائكة الذين يَحُومُونَ حول العرش كالقَطْرَةِ في البحر، ولا يعلم عَدَدَهُمْ إلا اللهُ تعالى، ثم مع هؤلاء ملائكة اللَّوْحِ الذين هم أشياع إسرافيل عليه السّلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السَّلام، ولا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، على ما قال :﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
وروي في بعض كتب التَّذكير أنه - عليه الصلاة والسلام - حين عرج به رأى ملائكة في مَوْضِعٍ بمنزلة سوق بعضهم يمشي تُجَاهَ بعض، فسأل رسول الله - ﷺ - إلَى أيْنَ يَذْهَبُونَ ؟ فقال جبريل عليه السَّلام : لا أَدْرِي إِلاّ أنِّي أراهُمْ مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سأل واحداً منهم وقيل له : مذ كم خلقت ؟ فقال : لا أدري غير أن الله - تعالى - يخلق كوكباً في كلّ أربعمائة ألف سنةٍ، فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خَلَقَنِي أربعمائة ألف مرة فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجلّ كماله.
فصل فيمن قيل له من الملائكة :" إني جاعل "
اختلفوا في المَلاَئكة الَّذِين قال لهم :" إنِّي جاعلٌ لهم " كُلّ الملائكة، أو بعضهم ؟ فروى الضَّحَّاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة الذين [ كانوا مُحَاربين ] مع " إبليس " ؛ لأن الله - تعالى - لما أس
١ - ينظر البيت في ديوان الهذليين: (١/٦٨)، ابن يعيش: (٣/٢٩)، (٩/٣١)، الخصائص: (٢/٣٧٦)، مغني اللبيب: (١/٨٦)، الجنى الداني: (١٨٧)، شرح الأشموني: (١/٥٦)، خزانة الأدب: (٦/٥٣٩، ٥٤٣، ٥٤٤)، اللسان: شلل، الدر المصون: (١/١٧٤)..
٢ - ينظر الخصائص: (١/٣١١) (٣/٣٧٥) الأمالي الشجرية: (١/٩٧، ٣٨٦)، المفصل: (٨/٣٥)، (٩/١٠٠، ١١٦)، اللسان ألك، الدر المصون: (١/١٧٥)..
٣ - ينظر ديوان لبيد: (١٧٨)، الخصائص: (٣/٢٧٥)، المنصف: (٢/١١٤)، التبيان: (١/٤٦)، مجمع البيان: (١/١٥٩)، ابن الجوزي: (١/٥٨)، القرطبي: (١/٢٦٢)، الطبري: (١/٤٤٦)، اللسان: ألك، الدر المصون: (١/١٧٥)..
٤ - البيت لعدي بن زيد ينظر ديوانه: ص ٩٣، خزانة الأدب: ٨/٥١٣، الاشتقاق: ص ٢٦، والأغاني: ٢/٩٤، شرح شواهد المغني: ٢/٦٥٨، الشعر والشعراء: ١/٢٣٥، والمنصف: ٢/١٠٤، جمهرة اللغة ص ٩٨٢، الممتع في التصريف: ١/١١٩، المحتسب: ١/٤٤، مجمع البيان: ١/١٥٩، الزجاج: ١/٨٠، القرطبي: ١/٢٦٢، الطبري: ١/٤٢٦، الدر المصون: ١/١٧٥..
٥ - تقدم..
٦ - النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن: أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة، ولد بـ"مرو" (من بلاد خراسان) سنة ١٢٢هـ من مصنفاته: "الصفات" كبير، في صفات الإنسان والبيوت والجبال والإبل والغنم والطير والكواكب والزروع، و"كتاب السلاح" و"المعاني" و"غريب الحديث" و"الأنواء". وتوفي بـ "مرو" سنة ٢٠٣هـ.
ينظر الأعلام: ٣٣٨، وفيات الأعيان: ٢/١٦١، غاية النهاية: ٢/٣٤١..
٧ - لم نهتد إلى قائله ولا إلى تمامه، وينظر المنصف: ٢/١٠٣، والبحر المحيط: ١/٢٨٤، الدرر: (١/٢٥١)، الدر المصون: (١/١٧٦)..
٨ - أخرجه الترمذي في السنن (٤/٤٨١ - ٤٨٢) كتاب الزهد (٣٧) باب (٩) قول النبي ﷺ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا حديث رقم (٢٣١٢) وقال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وابن ماجه في السنن ٢/١٤٠٢ كتاب الزهد (٣٧) باب الحزن والبكاء (١٩) حديث رقم ٤١٩٠ - وأحمد في المسند (٥/١٧٢، ١٧٣) وذكره المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/٥٣٦..
٩ - سقط في أ..
٢ - ينظر الخصائص: (١/٣١١) (٣/٣٧٥) الأمالي الشجرية: (١/٩٧، ٣٨٦)، المفصل: (٨/٣٥)، (٩/١٠٠، ١١٦)، اللسان ألك، الدر المصون: (١/١٧٥)..
٣ - ينظر ديوان لبيد: (١٧٨)، الخصائص: (٣/٢٧٥)، المنصف: (٢/١١٤)، التبيان: (١/٤٦)، مجمع البيان: (١/١٥٩)، ابن الجوزي: (١/٥٨)، القرطبي: (١/٢٦٢)، الطبري: (١/٤٤٦)، اللسان: ألك، الدر المصون: (١/١٧٥)..
٤ - البيت لعدي بن زيد ينظر ديوانه: ص ٩٣، خزانة الأدب: ٨/٥١٣، الاشتقاق: ص ٢٦، والأغاني: ٢/٩٤، شرح شواهد المغني: ٢/٦٥٨، الشعر والشعراء: ١/٢٣٥، والمنصف: ٢/١٠٤، جمهرة اللغة ص ٩٨٢، الممتع في التصريف: ١/١١٩، المحتسب: ١/٤٤، مجمع البيان: ١/١٥٩، الزجاج: ١/٨٠، القرطبي: ١/٢٦٢، الطبري: ١/٤٢٦، الدر المصون: ١/١٧٥..
٥ - تقدم..
٦ - النضر بن شميل بن خرشة بن يزيد المازني التميمي، أبو الحسن: أحد الأعلام بمعرفة أيام العرب ورواية الحديث وفقه اللغة، ولد بـ"مرو" (من بلاد خراسان) سنة ١٢٢هـ من مصنفاته: "الصفات" كبير، في صفات الإنسان والبيوت والجبال والإبل والغنم والطير والكواكب والزروع، و"كتاب السلاح" و"المعاني" و"غريب الحديث" و"الأنواء". وتوفي بـ "مرو" سنة ٢٠٣هـ.
ينظر الأعلام: ٣٣٨، وفيات الأعيان: ٢/١٦١، غاية النهاية: ٢/٣٤١..
٧ - لم نهتد إلى قائله ولا إلى تمامه، وينظر المنصف: ٢/١٠٣، والبحر المحيط: ١/٢٨٤، الدرر: (١/٢٥١)، الدر المصون: (١/١٧٦)..
٨ - أخرجه الترمذي في السنن (٤/٤٨١ - ٤٨٢) كتاب الزهد (٣٧) باب (٩) قول النبي ﷺ لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا حديث رقم (٢٣١٢) وقال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وابن ماجه في السنن ٢/١٤٠٢ كتاب الزهد (٣٧) باب الحزن والبكاء (١٩) حديث رقم ٤١٩٠ - وأحمد في المسند (٥/١٧٢، ١٧٣) وذكره المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير ١/٥٣٦..
٩ - سقط في أ..