قال ابن عباس، وعائشة –دخل حديث بعضهما في بعض-: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ، فدبَّت إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي ﷺ وعدة أسنان مِن مشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له: لبيد بن أعصم، ثم دسها في بئر بني زريق، يقال لها: ذَروان، فمرض رسول الله ﷺ، وانتثر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طُبَّ. قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِر. قال: ومن سَحَره؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم طَبَّه؟ قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين هو؟ قال: في جُفِّ طلعةٍ تحت راعوفة في بئر ذروان -والجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر كان يقوم عليه المائح-. فانتبه رسول الله ﷺ مذعورًا، وقال: «يا عائشة، أما شعرت أن الله تعالى أخبرني بدائي». ثم بعث رسول الله ﷺ عليًّا والزبير وعمار بن ياسر، فنَزحوا ماء البئر كأنه نُقاعة الحِنّاء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجُفّ، فإذا فيه مُشاطة رأسه، وأسنانٌ من مشطه، وإذا وتر معقود فيه إحدى عشرة عقدة، مغروزة بالإبَر. فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كلما قرأ آية انحلَّت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خِفَّة، حتى انحلت العقدة الأخيرة، فقام كأنما أُنشِط من عِقال، وجعل جبريل عليه السلام يقول: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من حاسد وعين، والله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرًّا»
اختلف المفسرون في المراد بالذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعوا في خرابها، على قولين: الأول: هم النصارى، والمسجد بيت المقدس. والآخر: هم مشركو العرب، إذ منعوا رسول الله ﷺ من المسجد الحرام. ورجَّحَ ابن جرير (٢/٤٤٤-٤٤٥ بتصرف) القولَ الأولَ بدلالة العقلِ، والتاريخ، فقال: «وأَوْلى التأويلات بتأويل الآية أنه: عنى الله بقوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصر على ذلك، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم إلى بلاده، والدليل على صحة ما قلنا في ذلك قيامُ الحجةِ أن لا مسجد عنى الله عز وجل بقوله: ﴿وسعى في خرابها﴾ إلا أحد المسجدين؛ إما مسجد بيت المقدس، وإما المسجد الحرام، ومعلوم أن مشركي قريش كانوا مشتهرين بعمارة المسجد الحرام، ولم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام -وإن كانوا قد منعوا في بعض الأوقات رسول الله عليه السلام وأصحابه من الصلاة فيه-، فلم يبق إلا أن المراد النصارى، وأن المقصود تخريبهم بيت المقدس». ورجَّحَ ابن كثير (٢/٢٥) القولَ الثاني بدلالة العقل والسّياق، فقال: «الذي يظهر -والله أعلم- القول الثاني، كما قاله ابن زيد، وروي عن ابن عباس -أن المراد بها المشركون؛ لأنهم حالوا بين رسول الله والمسجد الحرام-؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبلُ على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وأيضًا فإنه تعالى لَمّا وجَّه الذم في حق اليهود والنصارى؛ شَرَع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسولَ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام». وانتَقَدَ ابن جرير (٢/٤٤٥) القولَ الثاني بسياق الآيات، فقال: «الآية التي قبل قوله: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذمِّ أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجرِ لقريش ولا لمشركي العرب ذكرٌ، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجه الخبر بقول الله عز وجل: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ إليهم وإلى المسجد الحرام، وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أوْلى بالآيَة أن يوجه تأويلها إليه هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها؛ إذ كان خبرها لخبرهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت». وانتَقَدَ ابنُ كثير (٢/٢٥-٢٦ بتصرف) بدلالة العقل، والتاريخ ما رجَّحه ابن جرير، فقال: «أما اعتماده على أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟! أخرجوا عنها رسول الله وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [الأنفال:٣٤]، وقال تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون* إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ [التوبة:١٧-١٨]، وقال تعالى: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما﴾ [الفتح: ٢٥]، فقال تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله﴾، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟! وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك»
قال ابن تيمية (٣/٢٥٦): «في قوله: ﴿فلم تقتلوهم﴾ الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه مبني على أن الفعل المتولد ليس من فعل الآدمي، بل من فعل الله، والقتل هو الإزهاق وذاك متولد، وهذا قد يقوله من ينفي التولد وهو ضعيف؛ لأنه نفى الرمي أيضًا، وهو فعل مباشر، ولأنه قال: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [البقرة:٥٤]. وقال: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ [النساء:٩٣]، فأثبت القتل. ولأن القتل هو الفعل الصالح للإزهاق، ليس هو الزهوق، بخلاف الإماتة. الثاني: أنه مبني على خلق الأفعال، وهذا قد يقوله كثير من الصوفية، وأظنه مأثورًا عن الجُنَيْد: سلب العبد الفعل نظرًا إلى الحقيقة؛ لأن الله هو خالق كل صانع وصنعته، وهذا ضعيف لوجهين:أحدهما: أنّا وإن قلنا بخلق الفعل، فالعبد لا يُسْلَبُه، بل يضاف الفعل إليه أيضًا، فلا يقال: ما آمنت ولا صليت ولا صمت ولا صدقت ولا علمت، فإن هذا مكابرة؛ إذ أقل أحواله الاتصاف، وهو ثابت. وأيضًا فإن هذا لم يأت في شيء من الأفعال المأمور بها إلا في القتل والرمي ببدر، ولو كان هذا لعموم خلق الله أفعال العباد لم يختص ببدر. الثالث: أن الله سبحانه خرق العادة في ذلك، فصارت رءوس المشركين تطير قبل وصول السلاح إليها بالإشارة، وصارت الجريدة تصير سيفًا يقتل به. وكذلك رمية رسول الله ﷺ أصابت مَن لم يكن في قدرته أن يصيبه، فكان ما وجد من القتل وإصابة الرمية خارجًا عن قدرتهم المعهودة؛ فسلبوه لانتفاء قدرتهم عليه. وهذا أصح، وبه يصح الجمع بين النفي والإثبات ﴿وما رميت﴾ أي: ما أصبت ﴿إذ رميت﴾ إذ طرحت ﴿ولكن الله رمى﴾ أصاب. وهكذا كل ما فعله الله من الأفعال الخارجة عن القدرة المعتادة بسبب ضعيف كإنباع الماء، وغيره من خوارق العادات، أو الأمور الخارجة عن قدرة الفاعل. وهذا ظاهر، فلا حجة فيه لا على الجبر، ولا على نفي التولد». وقال ابنُ القيم (١/٤٣٩): «اعتقد جماعةٌ أن المراد بالآية سلب فعل الرسول عنه، وإضافته إلى الرب تعالى، وجعلوا ذلك أصلًا في الجبر وإبطال نسبة الأفعال إلى العباد، وتحقيق نسبتها إلى الرب وحده، وهذا غلط منهم في فهم القرآن، فلو صح ذلك لوجب طرده في جميع الأعمال، فيقال: ما صليت إذ صليت، وما صمت إذ صمت، وما ضحيت إذ ضحيت، ولا فعلت كل فعل إذ فعلته، ولكن الله فعل ذلك، فإن طردوا ذلك لزمهم في جميع أفعال العباد طاعتهم ومعاصيهم؛ إذ لا فرق، فإن خصوه بالرسول وحده وأفعاله جميعها أو رميه وحده تناقضوا، فهؤلاء لم يوفقوا لفهم ما أريد بالآية. وبعد، فهذه الآية نزلت في شأن رميه المشركين يوم بدر بقبصة من الحصباء، فلم تدع وجه أحد منهم إلا أصابته، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ، فكان منه مبدأ الرمي، وهو الحذف، ومن الله سبحانه وتعالى نهايته، وهو الإيصال، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه، ونفى عنه رمي الإيصال الذي هو نهايته، ونظير هذا قوله في الآية نفسها: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾، ثم قال: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، فأخْبَرَه أنه هو وحده هو الذي تفرد بقتلهم، ولم يكن ذلك بكم أنتم، كما تفرد بإيصال الحصى إلى أعينهم، ولم يكن ذلك من رسوله، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه أقام أسبابًا ظاهرة؛ كدفع المشركين، وتولى دفعهم وإهلاكهم بأسباب باطنة غير الأسباب التي تظهر للناس، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافًا إليه به، وهو خير الناصرين». وبنحوه قال ابنُ جرير (١١/٨٢-٨٣)، وكذا ابنُ عطية (٤/١٥٦-١٥٧). وذكر ابنُ عطية أن قوله: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ يحتمل احتمالات: الأول: أن يكون مرادًا به ما أيضًا ما في قوله: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾. الثاني: أن يريد، وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت حصياتك، ولكن الله رماه، وذكر أنه منصوص في المهدوي وغيره. الثالث: أن يريد: وما أغنيت إذ رميت حصياتك، ولكن الله رمى، أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول في الدعاء: رمى الله لك، أي: أعانك وصنع لك. وذكر أن أبا عبيدة حكاه في كتاب المجاز
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا﴾ يعني: هَلّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ مِمّا سألوا، يعني: في بني إسرائيل، ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء:٩٠] يعني: لن نُصَدِّقك حتى تُخرج لنا نهرًا، فقد أعْيَينا مِن مَيْحِ الدِّلاء مِن زمزم ومِن رءوس الجبال، وإن أبيتَ هذا فلْتَكُن لك خاصَّة ﴿جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ﴾ إلى قوله: ﴿كِسَفًا﴾ حين قال: ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾ [سبأ:٩] يعني: قِطَعًا، ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا، فننظر إليه، ﴿والمَلائِكَةِ قَبِيلًا أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾ يعني: من الذهب ﴿أوْ تَرْقى فِي السَّماءِ﴾ يعني: أو تضع سُلَّمًا فتصعد إلى السماء، ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء:٩٣]، يقول: ولسنا نُصَدِّقُك حتى تأتي بأربعةِ أمْلاكٍ يشهدون أنّ هذا الكتاب مِن رَبِّ العِزَّة. وهذا قولُ عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فأنزل الله في قوله: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ﴾ عيانًا فننظر إليه: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ إذ قالوا ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة:١٠٨]. وأنزل الله فيها: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] لقوله: ﴿كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾. وأنزل الله: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء:٥٩]؛ لِأَنِّي إذا أرسلتُ إلى قومِ آيةٍ ثُمَّ كذَّبوا لم أُناظِرْهم بالعذاب، وإن شئتَ -يا محمد- أعطيتُ قومَك ما سألوا، ثم لم أُناظِرهم بالعذاب. قال: «يا ربِّ، لا». رِقَّةً لقومه: ﴿لَعَلَهُم يَتَّقُونَ﴾. ثم قال: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ وهو قوله: ﴿إنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ﴾ [هود:٣٣]، ﴿فانْتَظِرُواْ﴾ بي الموت، ﴿إنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ بكم العذابَ؛ القتل ببَدْر
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- قال: كان تميمٌ الداريُّ وعديُّ بن بدّاء رجلين نصرانيَّين يَتَّجِرانِ إلى مكةَ في الجاهلية، ويُطيلانِ الإقامةَ بها، فلما هاجَر النبي ﷺ حوَّلا مَتجَرَهما إلى المدينة، فخرَج بُديلُ بن أبي ماريةَ مولى عمرو بن العاصي تاجرًا، حتى قدِم المدينةَ، فخرجُوا جميعًا تجارًا إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريق اشتكى بديلٌ، فكتَب وصيَّتَه بيده، ثم دسَّها في متاعِه، وأوصى إليهما، فلما مات فتَحا متاعَه فأخَذا منه شيئًا، ثم حجزاه كما كان، وقدِما المدينةَ على أهله فدفَعا متاعَه، ففتَح أهلُه متاعَه، فوجدُوا كتابَه وعَهدَه وما خرَج به، وفقدوا شيئًا، فسألوهما عنه، فقالوا: هذا الذي قَبَضنا له ودفَع إلينا. فقالوا لهما: هذا كتابُه بيدِه. قالا: ما كَتَمنا له شيئًا. فترافَعوا إلى النبي ﷺ؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ إلى قوله: ﴿إنا إذا لمن الآثمين﴾. فأمَر رسول الله ﷺ أن يستَحلِفوهما في دُبرِ صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما قبَضنا له غيرَ هذا، ولا كَتَمنا. فمكَثا ما شاءَ الله أن يَمكُثا، ثم ظُهِر معهما على إناءٍ مِن فِضةٍ مَنقوشٍ مُمَوَّهٍ بذَهب، فقال أهلُه: هذا مِن متاعِه. قال: نعم، ولكنا اشتَرَيناه منه، ونَسِينا أن نَذكُرَه حين حلَفنا، فكرِهنا أن نُكَذِّبَ نُفوسَنا. فتَرافَعوا إلى النبي ﷺ؛ فنزَلتِ الآيةُ الأُخرى: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾. فأمَر النبي ﷺ رجلَين من أهل الميت أن يَحلِفا على ما كَتَما وغيَّبا، ويَستَحقّانه، ثم إن تميمًا الداري أسلَم وبايَع النبي ﷺ، وكان يقولُ: صدَق اللهُ ورسوله، أنا أخَذتُ الإناء. ثم قال: يا رسول الله، إنّ الله يُظهِرُك على أهلِ الأرض كلِّها، فَهبْ لي قَريتَين من بيتِ لحم. وهي القريةُ التي وُلِدَ فيها عيسى، فكتَب له بها كتابًا، فلما قدِم عمر الشامَ أتاه تميمٌ بكتابِ رسول الله ﷺ، فقال عمر: أنا حاضرٌ ذلك. فدفَعها إليه
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- قال: إنّ سليمان أُوتِي مُلْكًا، وكان لا يعلم أنّ أحدًا أُوتِي مُلْكًا غيره، فلمّا فقد الهدهد سأله: مِن أين جئتَ؟ ووعده وعيدًا شديدًا بالقتل والعذاب، قال: ﴿جئتك من سبأ بنبأ يقين﴾. قال له سليمان: ما هذا النبأ؟ قال الهدهد: ﴿إني وجدت امرأة﴾ بسبأ ﴿تملكهم، وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم﴾. فلما أخبر الهدهدُ سليمانَ أنّه وجد سلطانًا؛ أنكر أن يكون لأحد في الأرض سلطانٌ غيره، فقال لِمَن عنده من الجن والإنس: ﴿يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين﴾. قال سليمان: أريد أعجل مِن ذلك. ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب﴾ وهو رجل مِن الإنس عنده علم مِن الكتاب فيه اسم الله الأكبر، الذي إذا دُعِي به أجاب: ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾. فدعا بالاسم وهو عنده قائم، فاحتمل العرش احتمالًا حتى وضع بين يدي سليمان، واللهُ صنع ذلك، فلما أتى سليمان بالعرش، وهم مشركون يسجدون للشمس والقمر، أخبره الهدهد بذلك، فكتب معه كتابًا، ثم بعثه إليهم، حتى إذا جاء الهدهد الملكة ألقى إليها الكتاب، ﴿قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم﴾ إلى: ﴿وأتوني مسلمين﴾. فقالت لقومها ما قالت: ﴿وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون﴾. قال: وبَعَثَتْ إليه بوَصائِف ووصفاء، وألبستهم لباسًا واحدًا، حتى لا يُعرَف ذكرٌ مِن أنثى، فقالت: إن زيل بينهم حتى يعرف الذكر من الأنثى ثم رد الهدية فإنه نبيٌّ، وينبغي لنا أن نترك ملكنا، ونتبع دينه، ونلحق به. فرد سليمان الهدية، وزيَّل بينهم، فقال: هؤلاء غلمان، وهؤلاء جوار. وقال: ﴿أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون﴾ إلى آخر الآية
اختُلِف في معنى السر؛ فقال قوم: هو الزِّنا. وقال آخرون: بل معناه: لا تنكحوهنَّ في عِدَّتهن سِرًّا. وقال غيرهم: بل معناه: لا تأخذوا ميثاقهنَّ ألا ينكحن غيركم في عددِهِنَّ. وذهب قومٌ إلى أنّ المعنى: أن يقول لها الرجل: لا تسبقيني بنفسك. ورَجَّح ابنُ جرير (٤/٢٧٨-٢٧٩) القولَ الأول الذي قال به ابن عباس من طريق العوفي، وجابر بن زيد، وأبو مِجْلَز، والحسن، والسدي من طريق سفيان، وقتادة من طريق سعيد، والضحاك، والربيع، مستندًا إلى اللغة، فقال: ""وذلك أنّ العرب تُسَمِّي الجماعَ وغشيانَ الرجلِ المرأةَ: سِرًّا. لأنّ ذلك مما يكون بين الرجال والنساء في خفاء غير ظاهر مُطَّلَعٍ عليه، فسُمِّي لخفائه: سِرًّا. من ذلك قول رؤبة بن العجاج:فعَفَّ عن أسرارها بعد العسق ولم يضعها بين فرك وعشقيعني بذلك: عَفَّ عن غشيانها بعد طول ملازمته ذلك"". وانتَقَدَه ابنُ عطية (١/٥٨٢ بتصرف) مستندًا إلى اللغة، فقال: ""وفي ذلك عندي نظر، وذلك أنّ السِّرَّ في اللغة يقع على الوَطْءِ حلالِه وحرامِه، لكن معنى الكلام وقرينته تَرُدُّ إلى أحد الوجهين، فمن الشواهد قولُ الحُطَيْئَة:ويحرم سِرُّ جارتهم عليهم ويأكل جارُهم أنف القصاعفقرينة هذا البيت تُعْطِي أنّ السِّرَّ أراد به: الوطء حرامًا، وإلا فلو تزوجت الجارة كما يحسن لم يكن في ذلك عارٌ، فقرينة هذا الشعر تعطي أنّه أراد تحريم جماع النساء عمومًا في حرام وحلال حتى ينال ثأره، والآية تعطي النهي عن أن يواعد الرجل المعتدة أن يطأها بعد العدة بوجه التزويج، وأما المواعدة في الزِّنا فمُحَرَّمٌ على المسلم مع مُعْتَدَّةٍ وغيرها«. وذكر أنّ مكيًّا حكى عن ابن جبير أنّه قال: سرًّا: نكاحًا، وعلَّق عليه بقوله:»وهذه عبارة مخلصة"". وأما ابنُ كثير (٢/٣٨٤) فقد ذهب إلى أنّ الآية تَعُمُّ جميعَ ما ذُكِر، مستندًا إلى القرآن، فقال بعد ذِكْرِه لما ورد من أقوال: «وقد يحتمل أن تكون الآيةُ عامَّةً في جميع ذلك؛ ولهذا قال: ﴿إلا أن تقولوا قولا معروفا﴾»
أفادت الآثار اختلاف المفسرين في المخاطب بالنهي في قوله تعالى: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾، وقد حكى ابنُ عطية (٢/١٢٢، ١٢٣) هذا الخلاف مُلَخَّصًا، ووجَّه أقوال المفسرين، فقال: «واختلف الناس في معنى قوله تعالى: ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾، فقال الحسن، وقتادة، وطاووس، وابن زيد، وغيرهم: المعنى: ولا يضارَّ الكاتب بأن يكتب ما لم يُمْل عليه، ولا يضارَّ الشاهد بأن يزيد في الشهادة أو ينقص منها. وقال مثله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، إلا أنهم قالوا: لا يضار الكاتب والشاهد بأن يمتنعا. قال القاضي أبو محمد: ولفظ الضرر يعم هذا والقول الأول، والأصل في ﴿يضار﴾ على هذين القولين: يُضارِر -بكسر الراء-، ثم وقع الإدغام، وفُتحت الراء في الجزم لخفة الفتحة. وقال ابن عباس أيضًا، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وطاووس، وغيرهم: معنى الآية ﴿ولا يضار كاتب ولا شهيد﴾: بأن يؤذيه طالب الكتبة أو الشهادة، فيقول: اكتب لي، أو اشهد لي. في وقتِ عُذْر أو شُغْلٍ للكاتب أو الشاهد، فإذا اعتذرا بعذرهما حرَّج وآذاهما، وقال: خالفْتَ أمر الله. ونحو هذا من القول، ولفظ المضارَّة إذ هو من اثنين يقتضي هذه المعاني كلها، والكاتب والشهيد على القول الأول رفع بفعلهما، وفي القول الثاني رفع على المفعول الذي لم يُسَمَّ فاعله، وأصل: ﴿يضار﴾ على القول الثاني: يُضارَر، بفتح الراء». وبنحو توجيهه وجَّه ابنُ جرير (٥/١١٣-١١٤). ورجَّح ابنُ جرير (٥/١١٧، ١١٨) مستندًا إلى السياق، ولغة العرب، ورسم المصحف: أنّ المخاطَب: المُسْتكْتِب والمُستَشْهِد، وأنهما نُهِيا عن الإضرار بالكاتب أو الشاهد؛ لأنّ الخطاب بالأمر والنهي من أول الآية إلى آخرها خطاب لأهل الحقوق والمكتوب بينهم الكتاب، وما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم جاء بصيغة الغائب غير المخاطب، كقوله تعالى: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾، فتوجيه الكلام إلى ما كان نظيرًا له في سياق الآية أوْلى من توجيهه إلى ما كان مُنْعَدِلًا عنه، ولأنّ النهي لو كان للكاتب والشاهد لقيل: وإن يفْعلا فإنه فسوقٌ بهما؛ لأنهما اثنان""
اختلف في المراد بتغيير خلق الله على أقوال: الأول: هو تغيير دين الله. والثاني: إخصاء البهائم. والثالث: الوشم. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٥٠٢) القول الأول مستندًا إلى القرآن، فقال: «وذلك لدلالة الآية الأخرى على أنّ ذلك معناه، وهي قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾ [الروم:٣٠]». وجعل القول بالخصاء والوشم مندرجًا فيه، فقال: «وإذا كان ذلك معناه دخل في ذلك فِعْلُ كُلِّ ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه ووشره، وغير ذلك من المعاصي، ودخل فيه ترك كل ما أمر الله -جلَّ ثناؤه- به؛ لأن الشيطان لا شكَّ أنه يدعو إلى جميع معاصي الله، وينهى عن جميع طاعته، فذلك معنى أمرِه نصيبَه المفروضَ من عباد الله بتغيير ما خلق الله من دينه». وانتَقَد (٧/٥٠٢) تخصيص التغيير بالخصاء والوشم مستندًا إلى اللغة، ودلالة العقل، فقال: «فلا معنى لتوجيه مَن وجَّه قوله: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ إلى أنه وعد الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض. فإن كان الذي وجَّه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره إنّما فعل ذلك لأن معناه كان عنده أنه عنى تغيير الأجسام؛ فإنّ في قوله -جلَّ ثناؤه- إخبارًا عن قيل الشيطان: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ ما يُنبِئُ أنّ معنى ذلك غير ما ذهب إليه؛ لأنّ تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله، الذي هو أجسام، وقد مضى الخبر عنه أنه وعْد الآمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسرًا، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملًا، إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يترجَم عن المجمل من الكلام بالمفسر، وبالخاص عن العام، دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعام عن الخاص، وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام أولى من توجيهه إلى غيره ما وجد إليه السبيل». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٢٦-٢٧) العموم، فقال: «ومَلاك تفسير هذه الآية: أنّ كل تغيير ضارٌّ فهو في الآية، وكلَّ تغيير نافعٌ فهو مباح»
اختُلِف في معنى: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: أنّه الدوابُّ والأنعام. الثاني: أنه الوحْش. ووجَّه ابنُ جرير (١٤/٣٨) القول الثاني بقوله: «فتأويل ﴿ومَن﴾ في: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ على هذا التأويل بمعنى: ما، وذلك قليلٌ في كلام العرب». ورجَّح مستندًا إلى الأكثر لغة «أن يقال: عنى بقوله: ﴿ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ من العبيد والإماء والدواب والأنعام، فمعنى ذلك: وجعلنا لكم فيها معايش والعبيد والإماء والدواب والأنعام». ثم ذكر (١٤/٣٨-٣٩) احتمالين لموضع ﴿ومَن﴾:الأول: أنّها في موضع نصبٍ عطفًا به على ﴿مَعايِشَ﴾ بمعنى: جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم فيها مَن لستم له برازقين، وعليه بنى المعنى الذي رجَّحه. ووجَّه ابنُ عطية (٥/٢٨١) هذا الاحتمال بقوله: «كأنّ الله تعالى عدَّد النِّعم في المعايش، وهي ما يُؤكَل ويُلبَس، ثم عدَّد النعم في الحيوان والعبيد والضِّياع وغير ذلك مما ينتفع به الناس وليس عليهم رزقهم». ثم زاد وجهَيْن آخرَيْن لموضع النصب: أحدهما: «أن تكون»مَن«معطوفة على موضع الضمير في ﴿لَكُمْ﴾، وذلك أن التقدير: وأَعَشْناكم وأَعَشْنا أُمَمًا غيركم من الحيوان». ثم وجَّهه بقوله: «وكأنّ الآية -على هذا- فيها اعتبار وعرض آية». والآخر: «أن تكون»مَن«منصوبة بإضمار فعل يقتضيه الظاهر، وتقديره: وأَعَشْنا مَن لَسْتُم له برازقين». الثاني: أنها في موضع خفض عطفًا به على الكاف والميم في قوله: ﴿وجَعَلْنا لَكُمْ﴾، بمعنى: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن لستم له برازقين. وبنى ابنُ جرير (١٤/٣٩) عليه توجيهه للقول الثاني بقوله: «وأحسب أنّ منصورًا في قوله: هو الوحش. قصد هذا المعنى، وإيّاه أراد». ثم انتقده مستندًا إلى الأغلب في لغة العرب قائلًا: «وذلك وإن كان له وجْهٌ في كلام العرب، فبعيدٌ قليلٌ؛ لأنها لا تكاد تظاهر على معنًى في حال الخفض، وربما جاء في شعر بعضهم في حال الضرورة». وكذا ابنُ عطية، فقال: «وهذا قلق في النحو؛ لأنّه عطف على الضمير المجرور، وفيه قُبْح، فكأنه قال: ومَن لَسْتُم له برازقين وأنتم تنتفعون به»