سورة الأحزاب — الآية ٢٦

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿وأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾، قال: هم بنو قريظة، ظاهروا أبا سفيان وراسلوه، ونكثوا العهد الذي بينهم وبين نبي الله ﷺ، فبينما النبي ﷺ عند زينب بنت جحش يغسل رأسه، وقد غسلتْ شِقَّه، إذ أتاه جبريل، فقال: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكةُ سلاحَها منذ أربعين ليلة، فانهض إلى بني قريظة، فإني قد قطعتُ أوتارَهم، وفتحتُ أبوابهم، وتركتُهم في زلزال وبَلْبال. فاستلأم رسول الله ﷺ، ثم سلك سكة بني غنم، فاتبعه الناس، وقد عصَب حاجبَه الترابُ، فأتاهم رسول الله ﷺ، فحاصرهم، وناداهم: «يا إخوة القردة». فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فَحّاشًا. فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكان بينهم وبين قومه حِلْف، فرجَوا أن تأخذه فيهم هوادة، فأومأ إليهم أبو لبابة؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ الآية [الأنفال:٢٧]. فحكم فيهم أن تُقتل مقاتِلَتُهم، وأن تُسبى ذراريهم، وأن أعقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فقال قومه وعشيرته: آثرتَ المهاجرين بالأعقار علينا! فقال: إنكم كنتم ذوي أعقار، وإن المهاجرين كانوا لا أعقار لهم. فذُكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه كبّر، وقال: «مضى فيكم بحكم الله»

سورة الحشر — الآية ١٦

عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾ الآية، قال: كان راهبٌ مِن بني إسرائيل يعبد الله، فيُحسن عبادته، وكان يُؤتى مِن كلّ أرض، فيُسأل عن الفقه، وكان عالِمًا، وإنّ ثلاثة إخوة لهم أختٌ حسناء مِن أحسن الناس، وإنهم أرادوا أن يُسافروا، وكَبُر عليهم أن يَدَعوها ضائعة، فعَمدوا إلى الرّاهب، فقالوا: إنّا نريد السفر، وإنّا لا نجد أحدًا أوثقَ في أنفسنا ولا آمنَ عندنا منك، فإن رأيتَ جعلنا أُختنا عندك، فإنها شديدة الوَجع، فإن ماتتْ فقُم عليها، وإنْ عاشتْ فأَصلِح إليها حتى نرجع. فقال: أكفيكم -إن شاء الله-. فقام عليها، فداواها حتى برئت، وعاد إليها حُسنها، وإنه اطّلع إليها، فوجدها مُتصنّعة، ولم يزل به الشيطان حتى وقع عليها، فحمَلت، ثم نَدّمه الشيطان، فزيّن له قَتْلها، وقال: إن لم تفعلِ افتَضَحتَ، وعُرف شبهُك في الولد، فلم يكن لك معذرة. فلم يزل به حتى قتَلها، فلمّا قَدم إخوتها سألوه: ما فعلَتْ؟ قال: ماتتْ، فدفنتُها. قالوا: أحسنتَ. فجعلوا يَرون في المنام، ويُخْبَرون: أنّ الرّاهب قتَلها، وأنها تحت شجرة كذا وكذا. وأنهم عَمدوا إلى الشجرة، فوجدوها قد قُتلتْ، فعَمدوا إليه، فأخذوه، فقال الشيطان: أنا الذي زَيّنتُ لك الزِّنا، وزَيّنتُ لك قتْلها، فهل لك أنْ أُنجِيك وتُطيعني؟ قال: نعم. قال: فاسجد لي سجدة واحدة. فسجد له، ثم قُتل، فذلك قول الله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ﴾ الآية

سورة المدثر — الآية ١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، يعني: النبي ﷺ، وذلك أنّ كفار مكة آذَوه، فانطَلق إلى جبل حِراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي إذ سمع مناديًا يقول: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا وإلى السماء، فلم يرَ شيئًا، فمَضى على وجهه، فنُودي الثانية: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا ومن خلفه، فلم يرَ شيئًا إلا السماء، ففَزع، وقال: لعلّ هذا شيطان يدعوني. فمَضى على وجهه، فنودي في قفاه: يا محمد، يا محمد. فنظر خلفه وعن يمينه وعن شماله، ثم نظر إلى السماء، فرأى مثل السرير بين السماء والأرض، وعليه دَرْبوكة قد غَطَّت الأُفُق، وعليه جبريل عليه السلام مثل النور المتوقِّد يتلألأ، حتى كاد أن يَغشى البصر، ففَزع فزعًا شديدًا، ثم وقَع مغشيًّا عليه، ولبث ساعة، ثم أفاق، فقام يمشي -وبه رِعْدة شديدة، ورِجلاه تَصطكّان- راجعًا حتى دخل على خديجة، فدعا بماء، فصَبّه عليه، فقال: دثِّروني. فدَثَّروه بقَطيفة حتى استدفأ، فلمّا أفاق قال: لقد أشفقتُ على نفسي. قالت له خديجة: أبشِر، فواللهِ، لا يسوءُك الله أبدًا؛ لأنك تَصدق الحديث، وتَصِل الرَّحِم، وتَحمل الكَلّ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الخير. فأتاه جبريل عليه السلام وهو مُتَقنِّع بالقَطيفة، فقال: يا أيها المُتَدَثِّر بقَطيفته، المُتَقَنِّع فيها

رجَّح ابنُ جرير (١‏/‏٦٢٣-٦٢٥)، وابنُ عطية (١‏/‏٢٠١-٢٠٢)، وابنُ كثير (١‏/‏٣٩١-٣٩٣) استنادًا إلى النظائر، ولغة العرب، وأقوال السلف ما أفادته الآثار هنا بكون الظن في هذه الآية بمعنى اليقين. وذكر ابنُ عطية أن هذا هو قول الجمهور. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وقوله تعالى: ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٠]، وبما ورد في الحديث: أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: «ألم أزوِّجْك، ألم أكرِمْك، ألم أُسخِّر لك الخيل والإبل، وأَذَرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. فيقول الله تعالى: أفظننت أنك ملاقيَّ؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني». ونقل ابنُ عطية عن المهدوي وغيره قوله: «إنّ الظن هنا يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين». ثم انتقده مستندًا إلى كلام العرب قائلًا: ""وهذا تعسُّفٌ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشكُّ مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر: أظن هذا إنسانًا، وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد كهذه الآية، وكقوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أنَّهُمْ مُواقِعُوها﴾ [الكهف:٥٣]، وكقول دريد بن الصمة:فقلت لهم: ظُنُّوا بألفي مدجَّج سراتُهُمُ بالفارسي المُسَرَّد""

انتَقَدَ ابنُ جرير (٢‏/‏٥٦٦)، وابنُ عطية (١‏/‏٣٥٠) أن يكونَ المراد بقوله: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ العربَ خاصةً، كما قالَ السُّدِّيُّ؛ لمخالفته ظاهر الكتاب، ودلالة الواقع، فقال ابنُ جرير: «هذا قول يَدُلُّ ظاهرُ الكتاب على خِلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنَّهُما دَعَوا اللهَ أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة من الفريقين، فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقًا من ولده بأعيانهم دون غيرهم، إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد». وقال ابنُ عطية: «وهو ضعيف؛ لأنه دَعْوَتُه ظَهَرَتْ في العرب، وفيمن آمن مِن غيرهم». واسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٢‏/‏٩٤) معتمدًا على السّياق على كلام ابن جرير قائلًا: «وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عَداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ الآية، والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قل يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة»

هل في المال حقّ واجب سوى الزكاة؟ في هذه المسألة قولان لأهل العلم، ذكرهما ابنُ جرير (٣‏/‏٨٤-٨٥). وذَهبَ في ظاهر كلامه إلى أنّ فيه حقوقًا تجبُ غير الزكاة استنادًا إلى السياق، وقول أهل التأويل، حيث ذكر أول الآية ﴿وآتى المال على حُبّه﴾، ثم قال: «﴿وآتى الزكاة﴾، فلكلّ مالٍ منهما حكمٌ يخصّه، وكلاهما مذكورٌ في سياق ما أوجبه الله على أهل الإيمان». وقال ابنُ كثير (٢‏/‏١٦٠-١٦١ بتصرف): «قوله: ﴿وآتى الزكاة﴾ يحتمل أن يكون المراد به: زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، ويحتمل أن يكون المراد: زكاة المال، ويكون المذكور في قوله: ﴿وآتى المال على حبه﴾ إنما هو التطوع والبِرُّ والصِّلَة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إنّ في المال حَقًّا سوى الزكاة». وذَهَبَ ابنُ عطية (١‏/‏٤٢١) إلى نحو ما ذكره ابنُ جرير مُسْتَنِدًا إلى السياق، فقال: «وذِكْرُ الزكاة هنا دليلٌ على أنّ ما تقدم ليس بالزكاة المفروضة». وذَهَبَ ابنُ تيمية (١‏/‏٤١٢) إلى أنّ في المال حقوقًا سوى الزكاة، بها كمال البر، استنادًا إلى السياق، فقال: «وهذه الخصالُ المذكورة في الآية قد دلَّت على وجوبها؛ لأنه أخبر أنّ أهلها هم الذين صَدَقوا في قولهم، وهم المتقون، والصِّدق واجب، والإيمان واجب، ففيها إيجاب حقوق سوى الزكاة»

اختُلِف هل القتال في الأشهر الحرم منسوخ أم لا؟ ورجَّح ابنُ جرير (٣‏/‏٦٦٣-٦٦٤) القولَ الأولَ بالنسخ الذي قاله عطاء بن ميسرة، والزهري مستندًا لتظاهر الأخبار عن النبي ﷺ بغزوه في الأشهر الحرم، بما مفاده الآتي: ١- تظاهر الأخبار عن النبي ﷺ أنه غزا هوازن بحنين، وثقيفًا بالطائف، وأرسل أبا عامر إلى أوطاس لحرب مَن بها من المشركين في شوال وبعض ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم، فلو كان القتال فيهنَّ حرامًا كان أبعد الناس من فعله ﷺ. ٢- إجماع أهل السِّيَر على أنّ بَيْعَة الرضوان على قتال قريش كانت في أول ذي القعدة، وهو من الأشهر الحرم. ثم قال (٣‏/‏٦٦٤-٦٦٥): «فإذا ظَنَّ ظانٌّ أنّ النهي عن القتال في الأشهر الحرم كان بعد استحلال النبي ﷺ إيّاهن لِما وصَفْنا مِن حروبه فقد ظنَّ جَهْلًا؛ وذلك أنّ هذه الآية -أعني: قوله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾- في أمر عبد الله بن جحش وأصحابه، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذي قتلوه، فأنزل الله في أمره هذه الآية في آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله ﷺ المدينة وهجرته إليها، وكانت وقعة حنين والطائف في شوال من سنة ثمان من مقدمه المدينة وهجرته إليها، وبينهما من المُدَّة ما لا يخفى على أحد». وانتَقَدَهُ ابنُ عطية (١‏/‏٥٢٢)، فقال بعد ذِكْرِه: «وهذا ضعيف»

اختُلِف في دلالة هذه الآية؛ فقال قوم: إنّه إن طلَّق امرأتَه التطْلِيقةَ الثالثةَ فلا تَحِلُّ له إلا بعد نكاحها زوجًا غيره. وذكر آخرون: أنّها بيانُ ما يلزم مُسَرِّح امرأتِه بعد التطليقتين. والتَّسْرِيحُ: هو الطلقة الثالثة. ورَجَّح ابنُ جرير (٤‏/‏١٦٨) القولَ الثانيَ الذي قال به مجاهد مستندًا إلى السُّنَّة، فقال: «والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أوْلى بالصواب؛ لِلَّذِي ذَكَرْنا عن رسول الله ﷺ في الخبر الذي رويناه عنه أنّه قال -أو سئل فقيل:- هذا قول الله -تعالى ذكره-: ﴿الطلاق مرتان﴾، فأين الثالثة؟ قال: «فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان». فأخبر ﷺ أنّ الثالثة إنما هي قوله: ﴿أو تسريح بإحسان﴾، فإذا كان التسريح بالإحسان هو الثالثة فمعلومٌ أنّ قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ من الدلالة على التطليقة الثالثة بمَعْزِل، وأنّه إنّما هو بيانٌ عن الذي يَحِلُّ لِلْمُسَرِّح بالإحسان إن سَرَّح زوجتَه بعد التطليقتين، والذي يحرم عليه منها، والحال التي يجوز له نكاحها فيها، وإعلام عباده أنّ بعد التسريح على ما وصفتُ لا رجعة للرجل على امرأته». وعلَّق ابنُ عطية (١‏/‏٥٦٦) بعد ذكره لكِلا القولين بقوله: «وقوله تعالى: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ﴾ يحتمل الوجهين: إمّا تركُها تُتِمُّ العِدَّة، وإمّا إرداف الثالثة. ثُمَّ بَيَّن في هذه الآية حكمَ الاحتمال الواحد؛ إذ الاحتمال الثاني قد عُلِم منه أنّه لا حُكْمَ له عليها بعد انقِضاء العِدَّة»

ذَهَبَ ابنُ جرير (٤‏/‏٥١٤-٥١٥) في تأويل الآية إلى قوله: «يعني -تعالى ذِكْرُه- بذلك: ولولا أنّ الله يَدْفَعُ ببعض الناس -وهم: أهل الطاعة له والإيمان به- بَعْضًا -وهم: أهل المعصية لله، والشرك به- كما دَفَعَ عن المُتَخَلِّفِين عن طالوت يوم جالوت مِن أهل الكفر بالله والمعصية له، وقد أعطاهم ما سألوا ربَّهم ابْتِداءً مِن بِعْثَةِ ملِك عليهم لِيُجاهِدوا معه في سبيله بِمَن جاهد معه مِن أهل الإيمان بالله واليقين والصَّبر -جالوت وجنوده-؛ لَفَسَدَتِ الأرض، يعني: لَهَلَك أهلُها بعُقُوبة الله إيّاهم، ففسدت بذلك الأرضُ، ولكنَّ الله ذو مَنٍّ على خَلْقِهِ وتَطَوُّلٍ عليهم بِدَفْعِهِ بِالبَرِّ مِن خَلْقِهِ عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم، وبالمؤمن عن الكافر. وهذه الآيةُ إعْلامٌ مِن الله -تعالى ذِكْرُهُ- أهلَ النِّفاقِ الذين كانوا على عَهْدِ رسول الله ﷺ المُتَخَلِّفين عن مشاهده والجهاد معه للشَّكِّ الذي في نفوسهم، ومَرَضِ قلوبهم، والمشركين وأهل الكُفر منهم، وأَنَّه إنَّما يَدْفَعُ عنهم مُعاجَلَتَهُمُ العقوبةَ على كفرِهم ونفاقِهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله، الذين هم أهلُ البَصائِرِ والجدِّ في أمر الله، وذَوُو اليقين بِإنجاز اللهِ إيّاهُم وعْدَهُ على جهاد أعدائه وأعداءِ رسولِه مِن النصر في العاجل، والفوز بِجنّاته في الآخرة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التَّأويل». واستند في ذلك إلى أقوال السلف

أفادت الآثارُ اختلافَ المفسِّرين في المراد من الشهادة التي نهى الله عن إباء الإجابة إليها؛ فمِن قائل: إنها شهادة الأداء لأمرٍ حصل. ومِن قائلٍ: إنها شهادة تحمُّل. ومِن قائلٍ بكليهما. ورجَّح ابنُ جرير (٥‏/‏١٠٠-١٠٢) أنّ المراد بها شهادة الأداء، وانتَقَدَ القول بكونها شهادة التحمُّل مستندًا إلى دلالة العقل، واللغة، وذلك أنّ: أ) اسم ﴿الشهداء﴾ يُطلق على مَن وقعت منه الشهادة، لا على من دُعِيَ إليها ولم تقع منه بعد؛ إذ لو جاز إطلاقها عليه لم يكن على الأرض أحدٌ له عقل صحيح إلا وهو مستحق أن يقال له: شاهد، بمعنى أنه سيشهدُ، أو أنّه يصلح لأن يشهد. ب) أنّ أل في ﴿الشهداء﴾ للعهد، فالمعنيُّ بالنهي عن ترك الإجابة للشهادة أشخاص معلومون قد عُرِفوا بالشهادة، ولو كان المراد غيرهم لقيل: ولا يأب شاهد إذا ما دُعي. ثم بيَّن ابنُ جرير أنّ من دُعيَ لتحمل الشهادة في موضع ليس به سواه ممن يصلح للشهادة تعيَّن عليه إجابة داعيه، ولكنَّ تعيُّنَ ذلك عليه ليس من هذه الآية. ورجَّح ابن عطية (٢‏/‏١٢٠) ما أفاده قول ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وقول الحسن من طريق معمر، في احتمال الآية لشهادتي التحمل والأداء، وأن ذلك على جهة الندب، وجعل الوجوب خاصًا بما إذا «عُلِمَ أنّ الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة، فواجِبٌ عليه القيامُ بها، لا سيَّما إن كانت محصَّلة وكان الدعاء إلى أدائها؛ لأنها قلادة في العنق، وأمانة تقتضي الأداء»