محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة المدّثر في ١١٢ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٤ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة المدّثر

١١٢ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بسم الله الرحمَن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى :﴿يَأَيّهَا الْمُدّثّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبّكَ فَكَبّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ * وَالرّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبّكَ فَاصْبِرْ﴾.
يقول جلّ ثناؤه : يا أيّها المُدّثّرُ : يا أيها المتدثر بثيابه عند نومه.
وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم يا أيّها المُدّثّرُ قال : كان متدثرا في قطيفة.
وذُكر أن هذه الآية أوّل شيء نزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له : يا أيّها المُدّثّرُ، كما :
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي :«بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السّماءِ فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الّذِي جاءَنِي بِحِرَاءَ جالِسٌ على كُرْسِيّ بَينَ السّماءِ والأرْضِ » قال رسول الله ﷺ :«فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا، وجِئْتُ أهْلي فَقُلْتُ : زَمّلُونِي زَمّلُوني، فدَثّرُونِي » فأنزل الله : يا أيّها المُدّثّرُ قُمْ فأنْذِرْ وَرَبّكَ فَكَبّرْ. . . إلى قوله : وَالرّجْزَ فاهْجُرْ قال : ثم تتابع الوحي.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : حدثنا الأوزاعي، قال : ثني يحيى بن أبي كثير، قال : سألت أبا سلمة : أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال : يا أيّها المُدّثّرُ فقلت : يقولون اقْرأ باسْمِ رَبّكَ الّذي خَلَقَ، فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله : أيّ القرآن أنزل أوّل ؟ فقال : يا أيّها المُدّثّرُ، فقلت يقولون : اقْرأ باسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ فقال : لا أخبرك إلا ما حدثنا النبيّ ﷺ، قال :«جاورت في حِراء فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه » هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو :«فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت : دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ : يا أيّها المُدّثّرُ قُمْ فأنْدِرْ.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال : سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال : نزلت يا أيّها المُدّثّرُ أوّل قال : قلت : إنهم يقولون اقْرأ باسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ، فقال : سألت جابر بن عبد الله، فقال : لا أحدّثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال :«جاوَرْتُ بِحِرَاءً فلمّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِيِني فَلَمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ : دَثّرُونِي وَصبّوا عَليّ ماء بارِدا، فنزلت يا أيّها المُدّثّرُ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال : فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنا، فجعل يعدو إلى شواهق رؤوس الجبال ليتردى منها، فكلما أوفي بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول : إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه فكان النبيّ ﷺ يحدّث عن ذلك، قال :«بَيْنَما أنا أمْشِي يَوْما إذْ رأيْتُ المَلَكَ الّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السّماءِ والأرْضِ، فَجُثِثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ : زَمّلُونِي، فزمّلناه » : أي فدثرناه، فأنزل الله يا أيّها المُدّثّرُ، قُمْ فأنْذِرْ، وَرَبّكَ فَكَبّرْ، وَثِيابَكَ فَطَهّرْ قال الزهري : فكان أوّل شيء أنزل عليه : اقْرأ باسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ. . . حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ.
واختلف أهل التأويل في معنى قوله : يا أيّها المُدّثّرُ، فقال بعضهم : معنى ذلك : يا أيها النائم في ثيابه. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : يا أيّها المُدّثّرُ قال : يا أيها النائم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : يا أيّها المُدّثّرُ يقول : المتدثر في ثيابه.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : يا أيها المتدثر النبوّة وأثقالها. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الأعلى، قال : وسُئل داود عن هذه الاَية : يا أيّها المُدّثّرُ فحدثنا عن عكرمة أنه قال : دثّرت هذا الأمر فقم به.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾
يقول جلّ ثناؤه: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) يأيها المتدثر بثيابه عند نومه.
وذُكر أن نبيّ الله ﷺ قيل له ذلك، وهو متدثر بقطيفة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) قال: كان متدثرا في قطيفة.
وذُكر أن هذه الآية أول شيء نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قيل له: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ).
كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فترة الوحي: " بَيْنا أنا أمْشِي سَمِعْت صَوْتا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رأسِي، فإذَا المَلَك الَّذِي جاءَنِي بحرَاءَ جالِسٌ عَلى كُرْسِي بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَجُثِثْتُ مِنْهُ فَرَقا (١)، وجِئْتُ أهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فدَثَّرُونِي" فأنزل الله (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ..) إلى قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: ثم تتابع الوحي.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا الأوزاعي، قال: ثني
(١) الحديث ١٩٥ - وهذا إسناد صحيح أيضًا. مري بن قطري الكوفي: ذكره ابن حبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٥٧، وقال: "سمع عدي بن حاتم، روى عنه سماك بن حرب، يعد في الكوفيين". و "مري": بضم الميم وتشديد الراء المكسورة مع تشديد الياء. و "قطري" بفتح القاف والطاء وبعد الراء ياء مشددة. وبعضه سيأتي أيضًا بالإسناد نفسه ٢٠٩.
وهذا الحديث عن عدي بن حاتم: أصله قصة مطولة في إسلامه. فرواه -بطوله- أحمد في المسند ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩ عن محمد بن جعفر عن شعبة، بالإسناد السابق ١٩٤.. ورواه الترمذي ٤: ٦٧ من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عباد بن حبيش عن عدي. وقال: "هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وروى شعبة عن سماك بن حرب عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ - الحديث بطوله". وروى بعضه الطيالسي في مسنده: ١٠٤٠ عن عمرو بن ثابت "عمن سمع عدي بن حاتم". وقد تبين لنا من روايات الطبري هنا أن سماك بن حرب سمعه من عباد بن حبيش ومن مري بن قطري، كلاهما عن عدي، وأن سماك بن حرب لم ينفرد بروايته أيضًا، إذ رواه إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي. وأن لم يعرفه الترمذي إلا من حديث سماك - لا ينفي أن يعرفه غيره من وجه آخر. وذكره ابن كثير ١: ٥٤ من رواية أحمد في المسند، وأشار إلى رواية الترمذي، وإلى روايات الطبري هنا، ثم قال: "وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها ". وذكره الحافظ في الإصابة، في ترجمة عدي ٢: ٢٢٩ من رواية أحمد والترمذي. وذكر السيوطي منه ١: ١٦ تفسير الحرفين، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه. وكذلك صنع الشوكاني ١: ١٥.
يحيى بن أبي كثير، قال: سألت أبا سلمة: أيّ القرآن أُنزل أوّل، فقال: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) فقلت: يقولون (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله: أيّ القرآن أنزل أوّل؟ فقال: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، فقلت: يقولون: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) فقال: لا أخبرك إلا ما حدثنا النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: جاورت في حِراء؛ فلما قضيت جواري هبطت، فاستبطنت الوادي، فنوديت، فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي، فلم أر شيئا، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض، فخشيت منه، هكذا قال عثمان بن عمرو، إنما هو: فجثثت منه، ولقيت خديجة، فقلت دثروني، فدثروني، وصبوا عليّ ماءً، فأنزل الله عليّ (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن عليّ بن مبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال سألت أبا سلمة عن أوّل ما نزل من القرآن، قال: نزلت (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) أوّل؛ قال: قلت: إنهم يقولون (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال: "جاوَرْتُ بِحِراء؛ فلمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلمْ أرَ شَيْئا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أرَ شَيْئا، فَرَفَعْتُ رأسي فرأيْتُ شَيْئا، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصبُّوا عَليَّ ماء بارِدًا، فنزلت (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ، قال: فتر الوحي عن رسول الله ﷺ فترة، فحزن حزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رءوس الجبال ليتردّى منها، فكلما أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل عليه السلام فيقول: إنك نبيّ الله، فيسكن جأشه، وتسكن نفسه، فكان النبيّ ﷺ يحدث عن ذلك، قال: "بَيْنَما أنا أَمْشِي يَوْما إذ رأيْتُ المَلَكَ الَّذِي كان يأتِيني بِحرَاءَ على كُرْسِيّ بَينَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجَثَثْتُ مِنْهُ رُعْبا، فَرَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: "زَمِّلُونِي"، فزملناه: أي فدثرناه، فأنزل الله: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّر) قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزل عليه:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) حتى بلغ (مَا لَمْ يَعْلَمْ).
واختلف أهل التأويل في معنى قوله: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، فقال بعضهم: معنى
ذلك: يأيُّها النائم في ثيابه.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) قال: يأيها النائم.
حدثنا بشر، ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) يقول: المتدثر في ثيابه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المتدثر النبوّة وأثقالها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: وسُئل داود عن هذه الآية (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) فحدثنا عن عكرِمة أنه قال: دثِّرت هذا الأمر فقم به.
وقوله: (قُمْ فَأَنْذِرْ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قم من نومك فأنذر عذاب الله قومك الذين أشركوا بالله، وعبدوا غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (قُمْ فَأَنْذِرْ) : أي أنذر عذاب الله ووقائعه في الأمم، وشدّة نقمته.
وقوله: (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) يقول تعالى ذكره: وربك يا محمد فعظم بعبادته، والرغبة إليه في حاجاتك دون غيره من الآلهة والأنداد.
وقوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا تلبس ثيابك على معصية، ولا على غدرة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: أما سمعت قول غَيلان بن سَلَمة:
وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ
لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ (١)
(١) الحديث ١٩٦ - حميد بن مسعدة السامي، شيخ الطبري: هو "السامي" بالسين المهملة، نص على ذلك الحافظ ابن حجر في التقريب. وهو نسبة إلى "سامة بن لؤي بن غالب". ووقع في نسخ الطبري -هنا وفيما يأتي ٢١٠- "الشامي" بالمعجمة، وهو تصحيف. و "الجريري"، بضم الجيم: هو سعيد بن إياس البصري. و "عبد الله بن شقيق العقيلي"، بضم العين وفتح القاف: تابعي كبير ثقة. وهذا الإسناد مرسل، لقول عبد الله بن شقيق: "أن رجلا". وسيأتي مرسلا أيضًا ١٩٧، ١٩٩ ولكنه سيأتي موصولا ١٩٨.
حدثنا أبو كُريب: قال: ثنا مُصْعَب بن سلام، عن الأجلح، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل وأنا جالس فقال: أرأيت قول الله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفيّ:
وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ
لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأجلح، عن عكرِمة، قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: لا تلبسها على غدرة، ولا على فجرة ثم تمثَّل بشعر غيلان بن سلمة هذا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، قال: ثنا سفيان، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن عكرِمة (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: لا تلبس ثيابك على معصية، ألم تسمع قول غيلان بن سَلَمَة الثقفيّ:
وإنّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ
لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتَقَنَّعُ
حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم، ثم قال: نقيّ الثياب في كلام العرب.
حدثنا سعيد بن يحيى، قال: ثنا حفص بن غياث القاضي، عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس، قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: في كلام العرب: نقيّ الثياب.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الذنوب.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الذنوب.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: هي كلمة من العربية كانت العرب تقولها: طهر ثيابك: أي من الذنوب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) يقول: طهرها من المعاصي، فكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث ولم يف بعهد أنه دَنِسَ الثياب، وإذا وفى وأصلح قالوا: مطهَّر الثياب.
حدثنا ابن حميد، قال ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) يقول: لا تلبس ثيابك على معصية.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: من الإثم.
قال ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: من الإثم.
قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن الأجلح، سمع عكرمة قال: لا تلبس ثيابك على معصية.
قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عامر وعطاء قالا من الخطايا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تلبس ثيابك من مكسب غير طيب.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائب، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصلح عملك.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: عملك فأصلح.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن أبي رَزِين في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: عملك فأصلحه، وكان الرجل إذا كان خبيث العمل، قالوا: فلان خبيث الثياب، وإذا كان حسن العمل قالوا: فلان طاهر الثياب.
وقال آخرون في ذلك ما حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عباس بن أبي طالب، قال: ثنا عليّ بن عبد الله بن جعفر، عن أحمد بن موسى بن أبى مريم صاحب اللؤلؤ، قال: أخبرنا ابن عون، عن محمد بن سيرين (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: اغسلها بالماء.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) قال: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره أن يتطهر، ويطهِّر ثيابه.
وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه، والذي قاله ابن عباس، وعكرمة وابن زكريا قول عليه أكثر السلف من أنه عُنِيَ به: جسمك فطهر من الذنوب، والله أعلم بمراده من ذلك.
(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّاء المدينة وعامة قرّاء الكوفة: (والرِّجْزَ) بكسر الراء، وقرأه بعض المكيين والمدنيين (وَالرُّجْزَ) بضم الراء، فمن ضمّ الراء وجهه إلى الأوثان، وقال: معنى الكلام: والأوثان فاهجر عبادتها، واترك خدمتها، ومن كسر الراء وجَّهه إلى العذاب، وقال: معناه: والعذاب فاهجر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهجر.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، والضمّ والكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، ولم نجد أحدًا من متقدّمي أهل التأويل فرّق بين تأويل ذلك، وإنما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكسائيّ.
واختلف أهل التأويل في معنى (الرُّجْزُ) في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) يقول: السخط وهو الأصنام.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: الأوثان.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل - قال أبو جعفر: أحسبه أنا - عن جابرٍ، عن مجاهد وعكرِمة (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: الأوثان.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) : إساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيَّهُ ﷺ أن يجتنبهما ويعتزلهما.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهريّ (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: هي الأوثان.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: الرجز: آلهتهم التي كانوا يعبدون؛ أمره أن يهجرها، فلا يأتيها، ولا يقربها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصية والإثم فاهجر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) قال: الإثم.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) يقول: اهجر المعصية. وقد بيَّنا معنى الرجز فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادتها في هذا الموضع.
وقوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي،
عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تُعط عطية تلتمس بها أفضل منها.
حدثنا أبو حميد الحمصي أحمد بن المُغيرة، قال: ثني أبو حيوة شريح بن يزيد الحضرميّ، قال: ثني أرطاة عن ضمرة بن حبيب وأبي الأحوص في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا، لتُعْطَى أكثر منه.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن عكرِمة، في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتُعْطَى أكثر منه.
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني من سمع عكرِمة يقول: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها.
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال: ثنا فضيل، عن منصور، عن إبراهيم (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط كيما تَزداد.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن مُغيرة، عن إبراهيم، في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتأخذ أكثر منه.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سلمة، عن الضحاك (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه.
قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعطِ لتُعْطَى أكثر منه.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتزداد.
حدثنا أبو كُرَيْبٍ قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي روّاد، عن الضحاك، قال: هو الربا الحلال، كان للنبي ﷺ خاصة.
حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن أبي حجيرة، عن الضحاك، هما رِبَوان: حلال، وحرام؛ فأما الحلال: فالهدايا، والحرام: فالربا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) يقول: لا تعطِ شيئا، إنما بك مجازاة الدنيا ومعارضها.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وَلا تَمْنُنْ
تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط شيئا لتثاب أفضل منه، وقاله أيضا طاوس.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: تعطي مالا مصانعة رجاء أفضل منه من الثواب في الدنيا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: لا تعط لتُعْطى أكثر منه.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تعط لتزداد.
قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: هي للنبيّ ﷺ خاصّة، وللناس عامَّة مُوَسَّع عليهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تمنن عملك على ربك تستكثر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سفيان بن حسين، عن الحسن، في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تمنن عملك تستكثره على ربك.
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا هوذة، قال: ثنا عوف، عن الحسن (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تمنن تستكثر عملك.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا يونس بن نافع أبو غانم، عن أبي سهل كثير بن زياد، عن الحسن (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) يقول: لا تمنن تستكثر عملك الصالح.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا يكثر عملك في عينك، فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تضعف أن تستكثر من الخير. ووجَّهوا معنى قوله: (وَلا تَمْنُنْ) أي لا تضعف، من قولهم: حبل منين: إذا كان ضعيفا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا أبو حميد بن المغيرة الحمصي، قال: ثنا عبد الله بن عمرو، قال: ثنا
محمد بن سلمة، عن خَصِيف عن مجاهد، في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمنن في كلام العرب: تضعف.
وقال آخرون في ذلك: لا تمنن بالنبوّة على الناس، تأخذ عليه منهم أجرًا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) قال: لا تمنن بالنبوّة والقرآن الذي أرسلناك به تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضا من الدنيا.
وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح.
وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهنّ أمر الله نبيه ﷺ بالجدّ في الدعاء إليه، والصبر على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها. وذُكر عن عبد الله بن مسعود أن ذلك في قراءته (ولا تمنن أن (١) تستكثر).
وقوله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) يقول تعالى ذكره: ولربك فاصبر على ما لقيت فيه من المكروه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل على اختلاف فيه بين أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) قال: على ما أوتيت.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) قال: حمل أمرًا عظيما محاربة العرب، ثم العجم من بعد العرب في الله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولربك فاصبر على عطيتك.
(١) الحديث ١٩٨ - بديل، بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة: هو ابن ميسرة العقيلي، وهو تابعي ثقة. وهذه الرواية متصلة بإسناد صحيح. لأن عبد الله بن شقيق صرح فيها بانه أخبره "من سمع النبي ﷺ "، وجهالة الصحابي لا تضر، كما هو معروف. والوصل بذكر الصحابي المبهم - زيادة من الثقة، فهي مقبولة.
وقد ذكر ابن كثير ١: ٥٤ - ٥٥ هذه الرواية الموصولة، ثم أشار إلى الروايات الثلاث المرسلة، ثم قال: " ووقع في رواية عروة تسمية: عبد الله بن عمرو، فالله أعلم". ولكنه لم يذكر من خرج رواية عروة التي يشير إليها. ثم قال ابن كثير: "وقد روى ابن مردويه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر، قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم، قال: اليهود، قلت: الضالين؟ قال: النصارى". وأشار الحافظ في الفتح ٨: ١٢٢ إلى رواية ابن مردويه هذه عن أبي ذر "بإسناد حسن". وذكر أيضًا أن رواية عبد الله بن شقيق الموصولة " أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم" - رواها أحمد. وهذه الروايات أيضًا عند السيوطي ١: ١٦، والشوكاني ١: ١٤ - ١٥. وسيأتي تفسير (الضالين) بهذه الأسانيد ٢١٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٣. وسيأتي في ٢١١ بيان من عروة الذي في الإسناد ١٩٧.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثبت في صحيح البخاري [ من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ](١) عن جابر أنه كان يقول : أول شيء نزل من القرآن :﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾
وخالفه(٢) الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى :﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كما سيأتي [ بيان ](٣) ذلك هناك.
قال البخاري : حدثنا يحيى، حدثنا وَكِيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال :﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت : يقولون :﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلتُ له مثل ما قلتَ لي، فقال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله ﷺ قال :" جاورت بحرَاء، فلما قضيت جواري هبطتُ فنُوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا. فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت : دثروني. وصبوا علي ماء باردا. قال : فدثروني وصبوا علي ماء باردا قال : فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٤)
هكذا ساقه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم(٥) من طريق عُقَيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال : أخبرني جابر بن عبد الله : أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي :" فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجَثَثْتُ(٦) منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت : زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى :﴿فَاهْجُرْ﴾ -
قال أبو سلمة : والرجز : الأوثان - ثم حَميَ الوحيُ وتَتَابع ".
هذا لفظ البخاري(٧) وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله :" فإذا الملك الذي جاءني(٨) بحراء "، وهو جبريل حين أتاه بقوله :﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا. ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا حجاج، حدثنا لَيْث، حدثنا عُقَيل، عن ابن شهاب(٩) قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول : أخبرني جابر بن عبد الله : أنه سمع رسول الله ﷺ يقول :" ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فرفعت بصري قِبَل السماء، فإذا الملك الذي جاءني [ بحراء الآن ](١٠) قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجُثت(١١) منه فَرَقًا، حتى هَوَيت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم : زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل الله :﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثم حمي الوحي [ بعدُ ](١٢) وتتابع ". أخرجاه من حديث الزهري، به(١٣).
وقال الطبراني : حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بشر(١٤) البَجَلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد، سمعت ابن أبي مُلَيْكة يقول : سمعت ابن عباس يقول : إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا. قال : ما تقولون في هذا الرجل ؟ فقال بعضهم : ساحر. وقال بعضهم ليس بساحر. وقال بعضهم : كاهن. وقال بعضهم : ليس بكاهن. وقال بعضهم : شاعر. وقال بعضهم ليس بشاعر. وقال بعضهم :[ بل ](١٥) سحر يُؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي ﷺ فحزنَ وقَنعَ رأسه، وتَدَثَّر، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (١٦).
١ - (١) زيادة من م..
٢ - (٢) في م: "وخالف"..
٣ - (٣) زيادة من م..
٤ - (٤) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢)..
٥ - (٥) صحيح مسلم برقم (١٦١)..
٦ - (٦) في م: "فجثيت"..
٧ - (١) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦)..
٨ - (٢) في م: "الذي كان"..
٩ - (٣) في أ: "ابن هشام"..
١٠ - (٤) زيادة من م، أ، والمسند..
١١ - (٥) في م: "فجثيت"..
١٢ - (٦) زيادة من المسند..
١٣ - (٧) المسند (٣/٣٢٥)، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦)، وصحيح مسلم برقم (١٦١)..
١٤ - (٨) في أ: الحسن بن بشير"..
١٥ - (٩) زيادة من م..
١٦ - (١٠) المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١): "وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو ضعيف"..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾
ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ [مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] (١) عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾
وَخَالَفَهُ (٢) الْجُمْهُورُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ أَوَّلَ الْقُرْآنِ نُزُولًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ كَمَا سَيَأْتِي [بَيَانُ] (٣) ذَلِكَ هُنَاكَ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيع، عَنْ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ؟ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وقلتُ لَهُ مِثْلَ مَا قلتَ لِي، فَقَالَ جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "جَاوَرْتُ بحرَاء، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هبطتُ فنُوديت فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شَمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أَمَامِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي. وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا. قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٤)
هَكَذَا سَاقَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥) مِنْ طَرِيقِ عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بصري قبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجَثَثْتُ (٦) مِنْهُ حَتَّى هَوَيتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلَى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ -
(١) زيادة من م.
(٢) في م: "وخالف".
(٣) زيادة من م.
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٢).
(٥) صحيح مسلم برقم (١٦١).
(٦) في م: "فجثيت".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرُّجْزُ: الْأَوْثَانُ -ثُمَّ حَميَ الوحيُ وتَتَابع".
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ (١) وَهَذَا السِّيَاقُ هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ الْوَحْيُ قَبْلَ هَذَا، لِقَوْلِهِ: "فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي (٢) بِحِرَاءٍ"، وَهُوَ جِبْرِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ، ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا. وَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ نَزَلَ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ هَذِهِ السُّورَةُ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْث، حَدَّثَنَا عُقَيل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ (٣) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يقول: "ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنِّي فَتْرَةً، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سمعتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَل السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي [بِحِرَاءٍ الْآنَ] (٤) قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُثت (٥) مِنْهُ فَرَقًا، حَتَّى هَوَيت إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُمْ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ [بعدُ] (٦) وَتَتَابَعَ". أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بِهِ (٧).
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ السِّمْسَارُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ (٨) البَجَلي، حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكة يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ صَنَعَ لِقُرَيْشٍ طَعَامًا، فَلَمَّا أَكَلُوا. قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَاحِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَاهِنٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِكَاهِنٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: شَاعِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِشَاعِرٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: [بَلْ] (٩) سِحْرٌ يُؤثر. فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُ سِحْرٌ يُؤْثَرُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحزنَ وقَنعَ رَأْسَهُ، وتَدَثَّر، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (١٠).
فَقَوْلُهُ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أَيْ: شَمِّرْ عَنْ سَاقِ الْعَزْمِ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ. وَبِهَذَا حَصَلَ الْإِرْسَالُ، كَمَا حَصَلَ بِالْأَوَّلِ النُّبُوَّةُ.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أَيْ: عَظِّمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ الْأَجْلَحُ الْكِنْدِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾
(١) صحيح البخاري برقم (٤٩٢٦).
(٢) في م: "الذي كان".
(٣) في أ: "ابن هشام".
(٤) زيادة من م، أ، والمسند.
(٥) في م: "فجثيت".
(٦) زيادة من المسند.
(٧) المسند (٣/٣٢٥)، وصحيح البخاري برقم (٤٩٢٦)، وصحيح مسلم برقم (١٦١).
(٨) في أ: الحسن بن بشير".
(٩) زيادة من م.
(١٠) المعجم الكبير للطبراني (١١/١٢٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٣١) :"وفيه إبراهيم بن يزيد الخوري وهو ضعيف".
قَالَ: لَا تَلْبَسْهَا (١) عَلَى مَعْصِيَةٍ وَلَا عَلَى غَدْرَة. ثُمَّ قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثَّقَفِيِّ:
فَإني بِحَمْدِ اللَّهِ لَا ثوبَ فَاجرلبستُ وَلَا مِنْ غَدْرَة أتَقَنَّعُ (٢)
وَقَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [فِي هَذِهِ الْآيَةِ] (٣) ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: نَقِي الثِّيَابِ. وَفِي رِوَايَةٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَطَهِّرْ مِنَ الذُّنُوبِ. وَكَذَا قَالَ إبراهيم، الشعبي، وَعَطَاءٌ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: مِنَ الْإِثْمِ. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ.
وَقَالَ (٤) مُجَاهِدٌ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قَالَ: نَفْسَكَ، لَيْسَ ثِيَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عَمَلَكَ فَأَصْلِحْ، وَكَذَا قَالَ أَبُو رَزِين. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: لَسْتَ بِكَاهِنٍ وَلَا سَاحِرٍ، فَأَعْرِضْ عَمَّا قَالُوا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْهَا مِنَ الْمَعَاصِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي الرَّجُلَ إِذَا نَكَثَ وَلَمْ يَفِ بِعَهْدِ اللَّهِ إِنَّهُ لَمُدنَس (٥) الثِّيَابِ. وَإِذَا وَفَّى وَأَصْلَحَ: إِنَّهُ لَمُطَهَّرُ الثِّيَابِ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ: لَا تَلْبِسْهَا عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ (٦)
إِذَا المرءُ لَمْ يَدْنَس منَ اللُّؤْمِ عِرْضُه... فَكُلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ...
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [يَعْنِي] (٧) لَا تَكُ ثِيَابُكَ الَّتِي تَلْبَسُ مِنْ مَكْسَبٍ غَيْرِ طَائِبٍ، وَيُقَالُ: لَا تَلْبَسْ ثِيَابَكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيِ: اغْسِلْهَا بِالْمَاءِ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ لَا يَتَطَهَّرُونَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ، وَأَنْ يُطَهِّرَ ثِيَابَهُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَدْ تَشْمَلُ الْآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ مَعَ طَهَارَةِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُطْلِقُ الثِّيَابَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
أفاطمَ مَهلا بَعْضَ هَذا التَدَلُّل... وَإن كُنت قَد أزْمَعْت هَجْري فأجْمِلي...
وَإن تَكُ قَد سَ ـاءتك مِنِّي خَليقَةٌفَسُلّي ثِيَابي مِن ثِيَابِكِ تَنْسُلِ (٨)
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَقَلْبَكَ ونيتك فطهر.
(١) في أ: "لا تسلبها".
(٢) البيت في تفسير الطبري (٢٩ظ٩١).
(٣) زيادة من م.
(٤) في م: "وعن".
(٥) في م: "لدنس".
(٦) هو دكين بن رجاء، وانظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢/٦١٢) مستفادًا من حاشية الشعب.
(٧) زيادة من م.
(٨) ديوان امرئ القيس (ص٣٧) مستفادًا من حاشية الشعب.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وخُلقَك فَحسّن.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وَهُوَ الْأَصْنَامُ، فَاهْجُرْ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: إِنَّهَا الْأَوْثَانُ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، وَالضَّحَّاكُ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أَيِ: اتْرُكِ الْمَعْصِيَةَ.
وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الْأَحْزَابِ: ١] ﴿وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الْأَعْرَافِ: ١٤٢].
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تُعْطِ الْعَطِيَّةَ تَلْتَمِسُ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَ: "وَلَا تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ".
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَا تَمْنُنْ بِعَمَلِكَ عَلَى رَبِّكَ تَسْتَكْثِرُهُ. وَكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ خُصَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قَالَ: لَا تَضْعُفْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ مِنَ الْخَيْرِ، قَالَ تَمْنُنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: تَضْعُفُ.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَا تَمْنُنْ بِالنُّبُوَّةِ عَلَى النَّاسِ، تَسْتَكْثِرُهُمْ بِهَا، تَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا مِنَ الدُّنْيَا.
فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، وَالْأَظْهَرُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أَيِ: اجْعَلْ صَبْرَكَ عَلَى أَذَاهُمْ لِوَجْهِ رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: اصْبِرْ عَطِيَّتَكَ لِلَّهِ تَعَالَى (١).
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: ﴿النَّاقُورِ﴾ الصُّورِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَهُوَ كَهَيْئَةِ الْقَرْنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُطَرِّف، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ؟ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا".
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَسْبَاطٍ، بِهِ (٢) وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْب، عَنْ ابْنِ فُضَيْلٍ
(١) في أ: "لله عز وجل".
(٢) المسند (١/٣٢٦)، وقال الحافظ عند تفسير الآية: ١٧٣ من سورة آل عمران: "حديث جيد".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١ - ٧ } ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾
تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله ﷺ، بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بإعلان الدعوة(١)، والصدع بالإنذار، فقال :﴿قُمِ﴾
١ - في ب: بالإعلان بالدعوة..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٧} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
تقدم أن المزمل والمدثر بمعنى واحد، وأن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بالاجتهاد في عبادة الله القاصرة والمتعدية، فتقدم هناك الأمر له بالعبادات الفاضلة القاصرة، والصبر على أذى قومه، وأمره هنا بإعلان الدعوة (١)، والصدع بالإنذار، فقال: ﴿قُمِ﴾ [أي] بجد ونشاط ﴿فَأَنْذِرْ﴾ الناس بالأقوال والأفعال، التي يحصل بها المقصود، وبيان حال المنذر عنه، ليكون ذلك أدعى لتركه، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظمه بالتوحيد، واجعل قصدك في إنذارك وجه الله، وأن يعظمه العباد ويقوموا بعبادته.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات، والمنقصات من شر ورياء، [ونفاق]، وعجب، وتكبر، وغفلة، وغير ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته.
ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، التي قال كثير من العلماء: إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة.
ويحتمل أن المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن [جميع] النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان، التي عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها ومما نسب إليها من قول أو عمل. ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها وأقواله، فيكون أمرا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها (٢)، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ أي: لا تمنن على الناس بما أسديت إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فتتكثر (٣) بتلك المنة، وترى لك [الفضل] عليهم بإحسانك المنة، بل أحسن إلى الناس مهما أمكنك، وانس [عندهم] إحسانك، ولا تطلب أجره إلا من الله تعالى واجعل من أحسنت إليه وغيره على حد سواء.
وقد قيل: إن معنى هذا، لا تعط أحدا شيئا، وأنت تريد أن يكافئك عليه بأكثر منه، فيكون هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ أي: احتسب بصبرك، واقصد به وجه الله تعالى، فامتثل رسول الله ﷺ لأمر ربه، وبادر إليه، فأنذر الناس، وأوضح لهم بالآيات البينات جميع المطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يبعد عن الله (٤) من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس -بعد منة الله- من غير أن يطلب منهم -[٨٩٦]- على ذلك (٥) جزاء ولا شكورا، وصبر لله أكمل صبر، فصبر على طاعة الله، وعن معاصي الله، وعلى أقدار الله المؤلمة (٦)، حتى فاق أولي العزم من المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
(١) في ب: بالإعلان بالدعوة.
(٢) في ب: صغارها وكبارها.
(٣) في ب: فتستكثر.
(٤) في ب: وهجر كل ما يعبد من دون الله وما يبعد منه.
(٥) في ب: أن يطلب عليهم بذلك.
(٦) في ب: وصبر لربه أكمل صبر، فصبر على طاعة الله وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٢ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الْمُدَّثِّرُ
أَصْلُهُ: المُتَدَثِّرُ، وَهُوَ المُتَغَطِّيِ بِثِيَابِهِ.

إعراب الآية ١ من سورة المدّثر

من كتاب: إعراب القرآن

٧٤ شرح إعراب سورة المدّثّر

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة المدثر (٧٤) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)
الأصل المتدثر أدغمت التاء في الدال لأنها من موضع واحد. قال إبراهيم النخعي: كان متدثّرا بقطيفة. وقال عكرمة: أي دثّرت هذا الأمر فقم به.

[سورة المدثر (٧٤) : آية ٢]

قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)
قال قتادة: أي أنذر عذاب الله وقائعه بالأمم. قال أبو جعفر: فالتقدير على قول قتادة فأنذرهم بهذه الأشياء ثم حذف هذا للدلالة.

[سورة المدثر (٧٤) : آية ٣]

وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)
أي عظّمه بعبادته وحده، وهو نصب بكبّر.

[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٤ الى ٥]

وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)
وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) نصب بطهّر وَالرُّجْزَ نصب ب فاهجر ولو كانت في الأفعال الهاء لكان النصب أولى أيضا لأن الأمر بالفعل أولى.

[سورة المدثر (٧٤) : آية ٦]

وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)
وَلا تَمْنُنْ جزم بالنهي، وأظهرت التضعيف لسكون الثاني ولو كان في الكلام لجاز لا تمنّ بفتح النون وكسرها وضمها، وروى حصيف عن مجاهد قال: لا تَمْنُنْ لا تضعف، قال أبو جعفر: ويكون مأخوذا من المنين وهو الضعيف، ويكون التقدير ولا تضعف أن تستكثر من الخير فحذفت «أن» ورفع الفعل، وقال ابن زيد: ولا تمنن على الناس بتأدية الرسالة لتستكثر منهم. قال أبو جعفر: وأولى ما قيل في المعنى والله جلّ وعزّ أعلم- ولا تَمْنُنْ بطاعتك وتأديتك الرسالة تَسْتَكْثِرُ ذلك، وهذا معنى
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١ من سورة المدّثر

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ﴾ [١].
أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم المقرىء، أخبرنا عبد الملك بن الوليد، قال: أخبرني أبي، حدَّثنا الأوْزَاعي، حدَّثنا يحيى بن أبي كثِير، قال: سمعت أبا سَلمةَ، عن جابر، قال:
حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "جَاوَرْتُ بحِرَاء شهراً، فلما قضَيتُ جِوارِي نزلتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادي، فنُودِيتُ فنظرتُ أمَامي وخَلْفي وعن يميني وعن شمالي، فلم أر أحداً. ثم نُوديتُ فرفعتُ رأسي، فإذا هو على العرش في الهواء - يعني جبريلَ عليه السلام - فقلت: دَثِّرُوني دَثِّروني، فصَبُّوا عليَّ ماء، فأنزل الله عز وجل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
رواه [مسلم عن] زُهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٤ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيات

٨ أقوال
١
قال يحيى بن سلّام: قال جابر بن عبد الله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ هذه أول آية نزلت على النبي، والعامّة على أنّ أول ما نَزل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾١٢
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥‏/‏٥٤-.
تعليقات المحققين
  1. ٢في أول آيات القرآن نزولًا قولان، كما في قول يحيى بن سلام. وقد رجح ابنُ عطية (٨/٤٥١) -مستندًا إلى السنة- أن الآيات الأولى من سورة اقرأ هي أول القرآن نزولًا، فقال: «واختلف الناس في أول ما نزل من كتاب الله تعالى؛ فقال جابر بن عبد الله، وأبو سلمة، والنَّخَعي، ومجاهد هو: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ الآيات. وقال الزُّهريّ، والجمهور هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وهذا هو الأصح، وحديث صدر كتاب البخاري نص في ذلك».
٢
قال ابن هشام: حَدَّثني بعض أهل العلم: أنّ أشدّ ما لقي رسول الله ﷺ من قريش أنه خرج يومًا فلم يَلقه أحد من الناس إلا كَذَّبه وآذاه، لا حرٌّ ولا عبدٌ، فرجع رسول الله ﷺ إلى منزله، فتَدثَّر من شدّة ما أصابه؛ فأَنزل الله تعالى عليه: ﴿يا أيها المُدَّثِّر قم فأنذر﴾١
التخريج
  1. ١سيرة ابن هشام ١‏/‏٢٧٤-٢٧٥.
٣
عن يحيى بن أبي كَثِير، قال: سألتُ أبا سَلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نَزَل من القرآن. فقال: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾. قلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. فقال أبو سَلمة: سألتُ جابر بن عبد الله عن ذلك، قلتُ له مثل ما قلتَ، قال جابر: لا أُحدِّثك إلا ما حَدَّثنا رسول الله ﷺ، قال: «جاورتُ بحِراء، فلمّا قَضيتُ جواري هبَطتُ، فنُوديتُ، فنَظرتُ عن يميني، فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ عن شمالي، فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ خلفي، فلم أرَ شيئًا، فرفعتُ رأسي فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثْتُ١ منه رُعبًا، فرجعتُ فقلتُ: دَثِّروني، فدَثَّروني»، فنزلت: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾٢٣
التخريج
  1. ١أي: ذُعرتُ وخِفتُ. يُقال: جُئِث الرجل: إذا فزع. النهاية (جأث).
  2. ٢أخرجه البخاري ٦‏/‏١٦١-١٦٢ (٤٩٢٢- ٤٩٢٤)، ومسلم ١‏/‏١٤٤ (١٦١)، وابن جرير ٢٣‏/‏٤٠٠-٤٠٣، وابن مردويه -كما في التغليق ٤‏/‏٣٥٤-، والثعلبي ١٠‏/‏٦٧-٦٨.
تعليقات المحققين
  1. ٣رجّح ابنُ كثير (١٤/١٧٦) بهذا الأثر أنّ الآيات الأولى من سورة اقرأ هي أول آيات القرآن نزولًا، حيث قال معلقًا على هذا الأثر: «هذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نَزل الوحي قبل هذا؛ لقوله: «فإذا المَلَك الذي جاءني بحِراء». وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق... ﴾، ثم إنه حَصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا». ثم وجّه ما جاء في بعض الروايات عن جابر وتفيد أنّ آيات المُدَّثِّر هي أول آيات القرآن نزولًا بقوله: «ووجه الجمع: أنّ أول شيء نَزل بعد فترة الوحي هذه السورة». وبنحوه قال ابنُ تيمية (٦/٤١٩).
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن أبي مُلَيْكَة-: أنّ الوليد بن المُغيرة صَنع لقريش طعامًا، فلمّا أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم: ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم: ليس بشاعر. وقال بعضهم: سحرٌ يُؤثر. فاجتمع رأيهم على أنه سحرٌ يُؤثر، فبَلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فحَزن، وقنَّع رأسه، وتَدثّر؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ إلى قوله: ﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١١‏/‏١٢٥ (١١٢٥٠). قال الهيثمي في المجمع ٧‏/‏١٣١ (١١٤٤٨): «وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك». وقال السيوطي: «سند ضعيف».
٥
عن إبراهيم النَّخَعي -من طريق المُغيرة- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: كان مُتَدَثِّرًا في قَطيفة، وذُكر أنّ هذه الآية أول شيء نَزل من القرآن على رسول الله ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٤٠٠.
٦
عن محمد ابن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: فَتَر الوحيُ عن رسول الله ﷺ فَتْرةً، فحَزِن حُزنًا، فجعل يعدو إلى شواهق رؤوس الجبال ليَتَردّى منها، فكلّما أوفى بذُروة جبل تبَدّى له جبريل عليه السلام، فيقول: إنّك نبي الله. فيَسكن لذلك جأْشه، وتَرجع إليه نفسه؛ فكان النبي ﷺ يُحدِّث عن ذلك، قال: «فبينما أنا أمشي يومًا إذ رأيتُ المَلَك الذي كان يأتيني بحِراء على كرسي بين السماء والأرض، فجُثِثْتُ١ منه رُعبًا، فرَجعتُ إلى خديجة، فقلتُ: زَمِّلُوني». فزَمَّلناه، أي: فدَثَّرناه؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر قُمْ فَأَنْذِرْ ورَبَّكَ فَكَبِّرْ وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال الزُّهريّ: فكان أول شيء أُنزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾٢٣
التخريج
  1. ١أي: فزعت منه وخفت. وقيل معناه: قلعت من مكاني، من قوله تعالى: ﴿اجتثت من فوق الأرض﴾ [إبراهيم:٢٦]، وقال الحربي: أراد جُئِثت، فجعل مكان الهمزة ثاء. النهاية (جثث).
  2. ٢أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٢٧، وابن جرير ٢٣‏/‏٤٠٣.
تعليقات المحققين
  1. ٣لم يذكر ابن جرير (٢٣/٤٠٠-٤٠٣) غير قول الزُّهريّ، وإبراهيم النَّخَعي.
٧
عن محمد ابن شهاب الزُّهريّ أنه قال:... ويزعم ناسٌ أنّ ﴿يا أيها المُدَّثِّر﴾ أول سورة أُنزِلَتْ عليه، والله أعلم١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٢‏/‏١٤٢.
٨
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، يعني: النبي ﷺ، وذلك أنّ كفار مكة آذَوه، فانطَلق إلى جبل حِراء ليتوارى عنهم، فبينما هو يمشي إذ سمع مناديًا يقول: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا وإلى السماء، فلم يرَ شيئًا، فمَضى على وجهه، فنُودي الثانية: يا محمد. فنظر يمينًا وشمالًا ومن خلفه، فلم يرَ شيئًا إلا السماء، ففَزع، وقال: لعلّ هذا شيطان يدعوني. فمَضى على وجهه، فنودي في قفاه: يا محمد، يا محمد. فنظر خلفه وعن يمينه وعن شماله، ثم نظر إلى السماء، فرأى مثل السرير بين السماء والأرض، وعليه دَرْبوكة١ قد غَطَّت الأُفُق، وعليه جبريل عليه السلام مثل النور المتوقِّد يتلألأ، حتى كاد أن يَغشى البصر، ففَزع فزعًا شديدًا، ثم وقَع مغشيًّا عليه، ولبث ساعة، ثم أفاق، فقام يمشي -وبه رِعْدة شديدة، ورِجلاه تَصطكّان- راجعًا حتى دخل على خديجة، فدعا بماء، فصَبّه عليه، فقال: دثِّروني. فدَثَّروه بقَطيفة حتى استدفأ، فلمّا أفاق قال: لقد أشفقتُ على نفسي. قالت له خديجة: أبشِر، فواللهِ، لا يسوءُك الله أبدًا؛ لأنك تَصدق الحديث، وتَصِل الرَّحِم، وتَحمل الكَلّ، وتَقري الضيف، وتُعين على نوائب الخير. فأتاه جبريل عليه السلام وهو مُتَقنِّع بالقَطيفة، فقال: يا أيها المُتَدَثِّر بقَطيفته، المُتَقَنِّع فيها٢
التخريج
  1. ١دَرْبوكة: في كتاب «تكملة المعاجم العربية» لرينهارت بيتر ٤‏/‏٣١٤: دَرْبوكة: محفَّة، مَحْمَل... دربوكة بالكاف الفارسية، وهي شبه قفص من الخشب تنقل فيه العروس الشابة يوم الزفاف من بيت أهلها إلى بيت الزوجية.
  2. ٢تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٤٨٩-٤٩٠.

تفسير

٦ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: دُثِّرْتَ هذا الأمرَ، فقُم به١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٥٠٦.
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العَوفيّ- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: النائم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٤٠٤ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
٣
عن إبراهيم النَّخَعي-من طريق المغيرة- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: كان مُتَدَثِّرًا في قَطيفة، يعني: شَملة صغيرة الخَمْلِ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٤٠٠، وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٤
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق داود- في قوله: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، أنه قال: دُثِّرْتَ هذا الأمر فقُم به١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٤٠٤.
٥
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾، قال: المُتَدَثِّر في ثيابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٣‏/‏٤٠٤. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعَبد بن حُمَيد، وابن المنذر.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها المُدَّثِّر﴾ يعني: النبي ﷺ... أتاه جبريل عليه السلام وهو مُتَقنِّع بالقَطيفة، فقال: يا أيها المُتَدَثِّر بقَطيفته، المُتَقَنِّع فيها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٤٨٩-٤٩٠.
التفسير بالمأثور لسورة المدّثر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة المدّثر

١٠ وقفات في هذه الآية

  • (المدثر قم فأنذر) تدثر رعبا فأمر بالدعوة لله . الدعوة تورث (الطمأنينة)

    — عقيل الشمري

  • (يا أيها المدثر قم فأنذر) مع أنه تدثر بثيابه رعبا إلا أن الله لم (يمهله) الدعوة لا تحتمل التأخير

    — عقيل الشمري

  • - ( يا أيها المزمّل . قمِ الليل ) ( يا أيها المدثّر . قم فأنذر ) ويسألونك عن الفتور ؟! الحل في الآية الأولى . ويسئلونك عن موت الدعوة ؟! الحل في الآية الثانية .

    — عبد الله المهيلان

  • (يا أيها المزمّل . قمِ الليل ) ( يا أيها المدثّر . قم فأنذر ) الدعوة ستبقى في قائمة الاحتضار ما لم تُحضّرك الملائكة في سجّل قوّام الليل .

    — عبد الله المهيلان

  • ( يا أيها المزمّل . قمِ الليل ) ( يا أيها المدثّر . قم فأنذر ) لن تزول المخاوف النفسية بمثل جرعة ليلية بالسجود ومواجهة دعوية لجماهير الناس .

    — عبد الله المهيلان

  • ( يا أيها المزمّل . قمِ الليل ) ( يا أيها المدثّر . قم فأنذر ) الآية الأولى تصنع توازن نفسي وتزكية في القلب حال تسلل فيروسات شيطانية أثناء الدعوة .. قد يدخلك الكبر أو العجب أو الحسد أثناء الدعوة بقيام الليل يكون هناك جدار مسلّح حول القلب تصد هذه الانقلابات الشيطانية والتقلبات النفسية .

    — عبد الله المهيلان

  • سلسلة مأدبة الله سورة المدثر أية 1

    — عقيل الشمري

  • لماذا هدأ الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم أول البعثة ؟ أول ما تلقى الوحي كان الأمر ثقيلاً عليه . كان بحاجة لأن يهدأ وترتاح نفسه من العبء الثقيل الذي لم يتعوده ، ثم بعد ذلك وخلال هذه الفترة اشتاقت نفسه لحلاوة الوحي التي ذاقها أول الأمر ، فكانت فترة التوقف تهيئة لنفسه لتلقي الوحي بعد ذلك ، فجاء هيناً ليناً عليه .

    — محمد متولي الشعراوي

  • في نداء المرء ومخاطبته بحسب الحالة المتلبِّس بها تلطف وتحبب، فما أحسن أن نتلطف مع أهلينا، ونتحببُ إلى إخواننا بما يسرهم من خطاب.

    — مصحف تدبر المفصل

  • في العلاقات •• أوّلُ شخص تلجأ إليه.في المواقف الصعبة.. لتستظلّ به من قسوة الأيام.. هو غالبا.. أقرب الناس إليك.. لجوؤك إليه دليلُ عُمْقِ العلاقة بينكما ﴿يا أيّها المُدّثر﴾..

    — طارق مقبل

فتاوى متعلقة بالآية ١ من سورة المدّثر

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١ من سورة المدّثر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(1) O you who covers himself [with a garment],[1788]
[1788]- Referring to the Prophet (ﷺ).
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال