السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
ولما ختمت المزمّل بالبشارة لأرباب البصارة بعد ما بدئت بالاجتهاد في الخدمة المهيء للقيام بأعباء الدعوة افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي النذارة فقال تعالى :
﴿يا أيها المدثر﴾ روي عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أوّل ما نزل من القرآن قال :﴿يا أيها المدثر﴾. قلت يقولون ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] قال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ذلك الذي قلت، فقال لي جابر : لا أحدثك إلا مثل ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت عن خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا عليّ ماءً بارداً »، قال : فنزل ﴿يا أيها المدثر﴾ الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة، وفي رواية «فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه »، وفيه : فإذا قاعد على عرش في الهواء يعني جبريل عليه السلام فأخذتني رجفة شديدة » وعن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه :«فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاء لي بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض فَجُئِثْتُ منه رعباً، فقلت : زملوني زملوني فدثروني، فأنزل الله عز وجل :﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله :﴿فاهجر﴾ وفي رواية :«فَجُئِثْتُ منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي » وذكره ثم حمي الوحي وتتابع.
فإن قيل : إنّ هذا الحديث دال على أنّ سورة المدثر أوّل ما نزل، ويعارضه حديث عائشة المخرج في الصحيحين في بدء الوحي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وفيه :«فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال :﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده » الحديث ؟ أجيب : بأنّ الذي عليه العلماء أنّ أوّل ما نزل من القرآن على الإطلاق ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ كما صرّح به في حديث عائشة. ومن قال : إنّ سورة المدثر أوّل ما نزل من القرآن فضعيف، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرّح به في رواية الزهريّ عن أبي سلمة عن جابر، ويدل عليه ما في الحديث وهو يحدّث عن فترة الوحي إلى أن قال :«وأنزل الله تعالى ﴿يا أيها المدثر﴾ »، ويدل عليه قوله أيضاً :«فإذا الملك الذي جاءني بحراء ».
وحاصله : أنّ أوّل ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وأنّ أوّل ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر، وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين.
قوله :«فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض » يريد به السرير الذي يجلس عليه. وقوله :«يحدّث عن فترة الوحي » أي : عن احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول وقوله :«فَجُئِثْتُ منه » روي بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير، وروي بثاءين مثلثتين بعد الجيم ومعناها فرعبت منه وفزعت، وقوله :«حمي الوحي وتتابع » أي : كثر نزوله وازداد بعد فترته من قولهم : حميت الشمس والنار إذا ازداد حرّها. وقوله :«وصبوا عليّ ماءً بارداً » فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصبّ عليه الماء ليسكن فزعه.
وأصل المدّثر المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفئ بها، وأجمعوا على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمي مدّثراً لوجوه :
أحدها : قوله صلى الله عليه وسلم :«دثروني ».
﴿يا أيها المدثر﴾ روي عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أوّل ما نزل من القرآن قال :﴿يا أيها المدثر﴾. قلت يقولون ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] قال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ذلك الذي قلت، فقال لي جابر : لا أحدثك إلا مثل ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«جاورت بحراء شهراً فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت عن خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة فقلت : دثروني وصبوا عليّ ماءً بارداً »، قال : فنزل ﴿يا أيها المدثر﴾ الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة، وفي رواية «فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي وذكر نحوه »، وفيه : فإذا قاعد على عرش في الهواء يعني جبريل عليه السلام فأخذتني رجفة شديدة » وعن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدّث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه :«فبينما أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاء لي بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض فَجُئِثْتُ منه رعباً، فقلت : زملوني زملوني فدثروني، فأنزل الله عز وجل :﴿يا أيها المدثر﴾ إلى قوله :﴿فاهجر﴾ وفي رواية :«فَجُئِثْتُ منه حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي » وذكره ثم حمي الوحي وتتابع.
فإن قيل : إنّ هذا الحديث دال على أنّ سورة المدثر أوّل ما نزل، ويعارضه حديث عائشة المخرج في الصحيحين في بدء الوحي وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وفيه :«فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال :﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: ١] حتى بلغ ﴿ما لم يعلم﴾ [العلق: ٥] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده » الحديث ؟ أجيب : بأنّ الذي عليه العلماء أنّ أوّل ما نزل من القرآن على الإطلاق ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ كما صرّح به في حديث عائشة. ومن قال : إنّ سورة المدثر أوّل ما نزل من القرآن فضعيف، وإنما كان نزولها بعد فترة الوحي كما صرّح به في رواية الزهريّ عن أبي سلمة عن جابر، ويدل عليه ما في الحديث وهو يحدّث عن فترة الوحي إلى أن قال :«وأنزل الله تعالى ﴿يا أيها المدثر﴾ »، ويدل عليه قوله أيضاً :«فإذا الملك الذي جاءني بحراء ».
وحاصله : أنّ أوّل ما نزل من القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ﴿اقرأ باسم ربك﴾ وأنّ أوّل ما نزل بعد فترة الوحي سورة المدثر، وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين.
قوله :«فإذا هو قاعد على عرش بين السماء والأرض » يريد به السرير الذي يجلس عليه. وقوله :«يحدّث عن فترة الوحي » أي : عن احتباسه وعدم تتابعه وتواليه في النزول وقوله :«فَجُئِثْتُ منه » روي بجيم مضمومة ثم همزة مكسورة ثم ثاء مثلثة ساكنة ثم تاء الضمير، وروي بثاءين مثلثتين بعد الجيم ومعناها فرعبت منه وفزعت، وقوله :«حمي الوحي وتتابع » أي : كثر نزوله وازداد بعد فترته من قولهم : حميت الشمس والنار إذا ازداد حرّها. وقوله :«وصبوا عليّ ماءً بارداً » فيه أنه ينبغي لمن فزع أن يصبّ عليه الماء ليسكن فزعه.
وأصل المدّثر المتدثر وهو الذي يتدثر في ثيابه ليستدفئ بها، وأجمعوا على أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما سمي مدّثراً لوجوه :
أحدها : قوله صلى الله عليه وسلم :«دثروني ».