البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿يا أيها المدَّثِّر﴾ أي : المتدثر، أُدغمت التاء في الدال، أي : المتلفّف في ثيابه، من الدِّثار، وهو كلُّ ما كان من الثياب فوق الشعار، والشعار : الثوب الذي يلي الجسد. قيل : هي أول سورة نزلت(١)، والصحيح : أن أول ما نزل :
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِكَ. . .﴾ [العلق: ١] إلى قوله :﴿. . . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، ثم فتر الوحي نحو سنتين، فحزن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حتى جعل يأتي شواهق الجبال، فيريد أن يتردَّى منها، فأتاه جبريلُ عليه السلام، وقال : إنك نبي الله، فرجع إلى خديجة، فقال : دثِّروني وصُبوا عليَّ ماءً بارداً، فنزل :﴿يا أيها المُدَّثر﴾، وقيل : سمع من قريش ما كرهه، فاغتم، فتغطّى بثوبه متفكراً، كما يفعل المغتم، فأمر ألاّ يدع إنذارهم وإن آذوه، فقال :﴿قُمْ فأنذر﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يا أيها المتدثر بالعلوم والأسرار والمعارف ؛ قُم فأنذر الناسَ، والخطاب للداعي الأكبر صلى الله عليه وسلم، ويتوجه لخليفته في كل زمان، وهو مَن وجَّهه الله لتذكير العباد، ليحيي به الدين في أول كل عصر، كما في الأثر(١).
قال الورتجبي : يا أيها المدثر، أي : يا أيها الغريق في قَلزوم القِدم، قُم لدعوى محبتي، وأنذر أحبائي عن الاشتغال بغيري، وأَظْهِر جواهر حقائب بحر غيبي للمقبلين إلينا. ثم قال على قوله :( وربك فَكَبِّر )، عن الحُسيْن : عَظِّم قدره عن احتياجه إليك في الدعوة إليه، فإنَّ إجابة دعوتك ممن سبقت له الهداية مني. هـ. قال القشيري : كبِّر ربك عن احتياجه إلى تكبير أحد، فإنَّ كبرياءه ذاتيٌّ له، قائم بنفسه، لا بغيره من المكبِّرين. هـ. والمتبادر أنه أمَرَ الداعي بتعظيم الله وإجلاله دون غيره من سائر المنذرين، فلا تمنعه جلالة أحد من العظماء والمتكبرين عن التصدَّي لإنذاره وتذكيره.
وقوله تعالى :﴿وثيابك فطهِّر﴾ أي : نَزّه ثياب إيمانك وعرفانك عن لوث الطمع في الخلق، وخصوصاً عند الدعوة، فلا تسأل عليه أجراً، ولا تؤمّل في جانبه عوضاً، فتُحرم بركة إنذارك، ويقلّ الانتفاع به. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : رأيت النبيَّ صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال : يا علي، طَهِّر ثيابك من الدنس، تَحْظَ بمدد الله في كل نَفَس، فقلتُ : وما ثيابي يا رسول الله ؟ فقال : إنَّ الله كساك حُلة المعرفة، ثم حُلة المحبة، ثم حُلة التوحيد، ثم حُلة الإيمان، ثم حُلة الإسلام، فمَن عرف الله صَغُر لديه كل شيء، ومَن أحبّ الله هان عليه كل شيء، ومَن وحّد الله لم يشرك به شيئاً، ومَن آمن بالله أَمِن من كل شيء، ومَن أسلم لله قلّما يعصيه، وإن عصاه اعتذر إليه، وإذا اعتذر إليه قَبِل عُذره. قال : ففهمتُ حينئذ قوله تعالى :﴿وثيابك فَطَهّر﴾. هـ. والرُّجز : كلُّ ما يشغل عن الله، فيُهجر اشتغالاً بالله، ولا تمنن ببذل مُهجتك على ربك، مستكثراً لذلك، فإنَّ قيمة وجودك لا تُساوي عُشر العشر من عظمة وجوده، الذي يمنحك بدلاً من وجودك الذي أعطيته، أو : ولا تمنن عليه بوجودك تطلب وجوده، فإنَّ وجوده إنما يُنال بكرمه، لا بشيء من العلل، ولربك فاصبر، أي : ولأجل الوصول إلى ربك فاصبر على مشاق السير، أو : ولربك فاصبر على إذاية الخلق في حال الدعوة. قال الورتجبي : ولربك فاصبر في بذل وجودك في جريان تقديره، أو مع ربك، وفي ربك، حين انكشف لك أنوار أسراره، وخاصيتُكَ في النظر إلى جلاله وجماله، ولا تنزعج، فتسقط عن درجة التمكين. وقال القاسم : ولربك فاصبر تحت القضاء والقدر. هـ. فإذا نُقر في الناقور : نُفخ في صور الفناء، فتندك السموات والأرض، بإظهار ما فيها من الأسرار، فتُطوى عن نظر العارف، فيفنى مَن لم يكن، ويبقى مَن لم يزل، فذلك يوم عسير على الكافرين بطريق الخصوص ؛ إذ لا تنهدم العوالم لعين البصيرة إلاَّ لمَن هدم عوائد نفسه، وخالف هواه. وبالله التوفيق.


١ أخرجه البخاري في التفسير حديث ٤٩٢٢، ومسلم في الإيمان حديث ٢٥٥، ٢٥٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى