فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قال الواحدي : قال المفسرون : لما بدئ رسول الله ﷺ بالوحي أتاه جبريل، فرآه رسول الله ﷺ على سرير بين السماء والأرض كالنور المتلألئ، ففزع ووقع مغشياً عليه، فلما أفاق دخل على خديجة ودعا بماء فصبه عليه، وقال :«دثروني دثروني »، فدثروه بقطيفة، فقال :﴿يأَيُّهَا المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ومعنى ﴿يأَيُّهَا المدثر﴾ : يا أيها الذي قد تدثر بثيابه : أي تغشى بها، وأصله المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما. وقد قرأ الجمهور بالإدغام، وقرأ أبي :«المتدثر » على الأصل، والدثار : هو ما يلبس فوق الشعار، والشعار : هو الذي يلي الجسد، وقال عكرمة : المعنى : يا أيها المدثر بالنبوّة وأثقالها. قال ابن العربي : وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبياً إذ ذاك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال : إن أوّل ما نزل من القرآن :﴿يأَيُّهَا المدثر﴾ فقال له يحيى بن أبي كثير : يقولون إن أوّل ما نزل ﴿اقرأ باسم رَبّكَ الذي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، قلت له مثل ما قلت، فقال جابر : لا أحدّثنك إلاّ ما حدّثنا رسول الله ﷺ قال :«جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فحثيت منه رعباً، فرجعت فقلت : دثروني فدثروني، فنزلت :﴿يأَيُّهَا المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله :﴿والرجز فاهجر﴾» وسيأتي في سورة اقرأ ما يدل على أنها أوّل سورة أنزلت، والجمع ممكن. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس :﴿يأَيُّهَا المدثر﴾ فقال : دثر هذا الأمر، فقم به. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه ﴿يأَيُّهَا المدثر﴾ قال : النائم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ﴾ قال : لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل ﴿والرجز فاهجر﴾ قال : الأصنام ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ قال : لا تعط تلتمس بها أفضل منها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه أيضاً. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ﴾ قال : من الإثم. قال : وهي في كلام العرب نقيّ الثياب. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ﴾ قال : من الغدر، لا تكن غدّاراً. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وابن مردويه عن عكرمة عنه أيضاً أنه سئل عن قوله ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ﴾ قال : لا تلبسها على غدرة، ثم قال : ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة :
وإني بحمد الله لا ثوب فاجرلبست ولا من غدرة أتقنع
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عنه أيضاً ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ قال : لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه أيضاً :﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ قال : الصور ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ قال : شديد. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً :﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ قال : الوليد بن المغيرة. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً : أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبيّ ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال : يا عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه، فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال : فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له، وأنك كاره له، قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلي، وإنه ليحطم ما تحته ؛ قال : والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال : فدعني حتى أفكر، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت :﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾. وقد أخرج هذا عبد الرزاق عن عكرمة مرسلاً، وكذا أخرجه ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر وغير واحد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن قوله :﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾ قال : غلة شهر بشهر. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس :﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾ قال : ألف دينار. وأخرج هناد عن أبي سعيد الخدري في قوله :﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ قال : هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت، فإذا رفعوها عادت كما كانت. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس :﴿عَنِيداً﴾ قال : جحوداً. وأخرج أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ قال :«الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي وهو كذلك فيه أبداً». قال الترمذي بعد إخراجه : غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن لهيعة عن درّاج. قال ابن كثير : وفيه غرابة ونكارة انتهى، وقد أخرجه جماعة من قول أبي سعيد. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :﴿صَعُوداً﴾ صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وأخرج ابن المنذر عنه قال : جبل في النار. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله :﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ قال : لا تبقي منهم شيئًا، وإذا بدّلوا خلقاً آخر لم تذر أن تعاودهم سبيل العذاب الأوّل. وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً ﴿لَوَّاحَةٌ لّلْبَشَرِ﴾ قال : تلوح الجلد فتحرقه وتغير لونه، فيصير أسود من الليل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿لَوَّاحَةٌ﴾ قال : محرقة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن البراء : أن رهطاً من اليهود سألوا بعض أصحاب النبيّ ﷺ عن خزنة جهنم، فقال : الله ورسوله أعلم، فجاء جبريل، فأخبر النبيّ ﷺ، فنزلت عليه ساعتئذٍ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى