تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
روى البخاري : عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ :« جاورت بحراء فلما قضيت جواري، هبطت فنوديت، عن يميني، فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت : دثروني وصبوا عليَّ ماء بارداً - قال - فدثروني وصبُّوا عليَّ ماء بارداً، قال : فنزلت :﴿ياأيها المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ » وعن أبي سلمة قال : أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدِّث عن فترة الوحي فقال في حديثه :« فبينا أنا أمشي إذْ سمعتُ صوتاً من السماء، فرفعت بصري قَبل السماء، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي فقتل : زملوني، زملوني، فزملوني، فأنزل :﴿ياأيها المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ - إلى - ﴿فاهجر﴾ »، قال أبو سلمة : والرجز : الأوثان، « ثم حمى الوحي وتتابع » وهذا السياق ثقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله :« فإذا الملك الذي كان بحراء »، وهو جبريل حين أتاه بقوله :﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ثم إنه حصل بعد هذه الفترة ثم نزل الملك بعد هذا، كما قال الإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه سلم يقول :« ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري قبَل السماء فإذا الملك الذي جاءني قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض، فجئت أهلي، فقلت لهم : زملوني، زملوني، فزملوني، فأنزل الله تعالى :﴿ياأيها المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * والرجز فاهجر﴾ ثم حمى الوحي وتتابع » وروى الطبراني، عن ابن عباس قال : إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاماً فلما أكلوا منه قال : ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم : ساحر، وقال بعضهم : ليس بساحر، وقال بعضهم : كاهن، وقال بعضهم : ليس بكاهن، وقال بعضهم : شاعر، وقال بعضهم : ليس بشاعر، وقال بعضهم : بل ساحر يؤثر، فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه سلم، فحزن وقنّع رأسه وتدثر، فأنزل الله تعالى :﴿ياأيها المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وقوله تعالى :﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ أي شمر عن ساق العزم وأنذر الناس ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي عظّم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ سئل ابن عباس عن هذه الآية :﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فقال : لا تلبسها على معصية ولا على غدرة، ثم قال : أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي :
فإني بحمد الله لا ثوب فاجرلبست ولا من غدرة أتقنع
وفي رواية عنه : فطهر من الذنوب، وقال مجاهد :﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال : نفسك ليس ثيابه، قال : نفسك ليس ثيابه، وفي رواية عنه : أي عملك فأصلح، وقال قتادة :﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي طهرها من المعاصي، وقال محمد بن سيرين :﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي اغسلها بالماء، وقال ابن زيد : كان المشركون لا يتطهرون، فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه، وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب، فإن العرب تطلب الثياب عليه. وقال سعيد بن جبير ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وقلبك ونيتك فطهر.
وقوله تعالى :﴿والرجز فاهجر﴾ قال ابن عباس : والرجز وهو الأصنام فاهجر، وقال الضحّاك ﴿والرجز فاهجر﴾ : أي اترك المعصية، وعلى كل تقدير، فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك كقوله تعالى :﴿ياأيها النبي اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: ١]. وقوله تعالى :﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾، قال ابن عباس : لا تعط العطية تلتمس أكثر منها، وقال الحسن البصري : لا تمتن بعملك على ربك تستكثره، واختاره ابن جرير، وقال مجاهد : لا تضعف أن تستكثرهم بها تأخذ عليه عوضاً من الدنيا، فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، والله أعلم. وقوله تعالى :﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ أي اجعل صبرك على أذاهم لوجه ربك عزَّ وجلَّ، قال مجاهد. وقال إبراهيم النخعي : اصبر عطيتك لله عزَّ وجلَّ. وقوله تعالى :﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد :﴿الناقور﴾ الصور، قال مجاهد : وهو كهيئة القرن، وفي الحديث :« » كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ « فقال أصحاب رسول الله ﷺ وسلم : فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال :» قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا « »، وقوله تعالى :﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أي شديد، ﴿عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أي غير سهل عليهم، كما قال تعالى :﴿يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨]، وقد روينا عن ( زرارة بن أوفى ) قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى :﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ شهق شهقة، ثم خرّ ميتاً رحمه الله تعالى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى