قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾... وفيه [أي: عمر بن الخطاب] نَزَلَتْ هذه الآية وفي أصحابه، وكانت امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنها بمكة، واسمها: قُرَيبة بنت أبي أُميّة، وهشام بن العاص بن وائل وامرأته هند بنت أبي جهل، وعِياض بن شدّاد الفهريّ وامرأته أُمّ الحكم بنت أبي سفيان، وشمّاس بن عثمان المخزومي وامرأته يَرْبُوع بنت عاتكة، وعمرو بن عبد عمرو وهو ذو اليدين وامرأته هند بنت عبد العُزّى، فتزوّج امرأةَ عمر بن الخطاب أبو سُفيان بن حرب
عن عبد الله بن عباس -من طريق خالد بن عرعرة- أنه سأل كعبًا عن قوله: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّين﴾ الآية. قال: إنّ العبد الكافر يحضره الموت، ويحضره رسل الله، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسَه، فدفعوه إلى ملائكة العذاب، فأرَوه ما شاء الله أن يُروه مِن الشر، ثم هبطوا به إلى الأرض السُّفلى، وهي سِجِّين، وهي آخر سلطان إبليس، فأثبتوا كتابه فيها. وسأله عن: ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم:١٤]. فقال: هي سِدرة نابتة في السماء السابعة، ثم عَلَتْ، فانتهى علمُ الخلائق إلى ما دونها. و﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم:١٥]. قال: جنة الشهداء
عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، إنها كانت أُبينَت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقّان معهما الشيطان، فنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان؛ التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة». قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة، والسابعة، والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين، وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة
قال محمد بن السّائِب الكلبي: نزلت في حيّين من قريش؛ بني عبد مناف وبني قُصي، وبني سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، كان بينهم لحاء، فتعادُّوا السادة والأشراف أيّهم أكثر، فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيّدًا، وأعزّ عزيزًا، وأعظم نفرًا، وأكثر عديدًا. وقال بنو سهم مثل ذلك، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعدّ موتانا. حتى زاروا القبور، فعدّوهم، وقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان. فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات؛ لأنهم كانوا أكثر عددًا في الجاهلية؛ فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية
وجَّه ابنُ تيمية (١/٥٤١) قولَ مجاهد بقوله: «وأراد بالدُّلْسَة: التحليل. ومعنى كلامه -والله أعلم-: إنْ عَلِمَ المُطَلِّقُ الأولُ والزوجةُ أنّ النكاحَ الثانيَ كان على غير دُلْسَةٍ، فحينئذٍ إذا تَزَوَّجها يكون بحيث يُظَنُّ أن يقيم حدود الله من الطلاق الأول والنكاح الذي بعده، ثم الطلاق والنكاح أيضًا. أمّا إذا تزوجها نكاحَ دُلْسَة، وطلَّقها، ثم تراجعا؛ لم يكونا قد ظَنّا أن يُقِيما حدود الله التي هي تحريمها أولًا، ثم حِلُّها للثاني، ثم حِلُّها للأول، فعلى هذا تكون الآيةُ عامَّةً في ظَنِّ صِحَّة النكاح، وظَنِّ حُسْنِ العِشْرة، وأحدُ الظَّنَّيْنِ لأجل الماضي والحاضر، والآخر مُتَعَلِّقٌ بالمستقبل»
عَلَّق ابنُ عطيَّة (١/٥٧٦) على هذا القول الذي قال به قتادة، والربيع، وابن شهاب، فقال: «على هذا الاحتمال يدخل في الخطاب بـ﴿سلمتم﴾ الرجالُ والنساءُ». وذَكر أنّ أبا علي قال باحتمال الآية لمعنيين: الأول: أن المعنى: إذا سلَّمتم ما أتيتم نقده أو إعطاءه أو سوقه، فحذف المضاف وأقيم الضمير مقامه، فكان التقدير: ما أتيتموه، ثم حذف الضمير من الصلة. وعلَّق عليه بقوله: «على التأويل الذي ذكره أبو علي وغيره: فالخطاب للرجال، لأنهم الذين يعطون أجر الرضاع». الثاني: أن تكون ﴿ما﴾ مصدرية، أي: إذا سلمتم الإتيان، وعلَّق عليه بقوله: «والمعنى كالأول، لكن يستغنى عن الصنعة من حذف المضاف، ثم حذف الضمير»
قال ابنُ جرير (٥/٢٩-٣٠) مبينًا المراد بـ﴿إلحافًا﴾ في قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾: «يعني -جلّ ثناؤه- بذلك: لا يسألون الناس إلحاحًا. يُقالُ: قد ألْحَفَ السائل في مسألته إذا ألَحَّ، فهو يُلْحِفُ فيها إلْحافًا». وذهبَ (٥/٣١) إلى أنّ المعنى: أنّه لا يقعُ منهم سؤالٌ أصلًا؛ لظاهرِ لفظِ الآية، حيث وصفهم الله تعالى بالتّعفّف، والمُتعفّفُ لا يسألُ، ولدلالة العقل؛ إذْ لو كان السؤال من حالهم لم تكن بالنبي ﷺ حاجةٌ إلى معرفتهم بالأدلة والعلامات؛ إذ كانت مسألتهم الظاهرةُ تُنبِئُ عن حالهم وأمرهم، ثم استشهدَ عليه بأثر أبي هريرة، والسّدّيّ، وقتادة، وابن زيد
ذهب ابنُ جرير (٥/٤٥٤) إلى العموم في الآية، وأنّها تشمل المسلمين جميعًا؛ مِمَّن تبع عيسى وآمَن به وبمحمد على نحو ما جاء في قول ابن جريج وما في معناه، حيث قال: «قوله: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ يعني بذلك -جل ثناؤه-: وجاعل الذين اتبعوك على منهاجك وملتك من الإسلام وفطرته فوق الذين جحدوا نبوتك، وخالفوا بسبيلهم جميع أهل الملل، فكذبوا بما جئت به، وصدوا عن الإقرار به، فمصيرهم فوقهم ظاهرين عليهم». واستشهد على هذا بآثار السلف، وذكر قول من جعلها خاصة فيمن آمن من النصارى، وأن الله جعلهم فوق اليهود، ولم يعلق عليه
ذكر ابنُ عطية (٣/١٩٤) إضافة إلى ما ورد في قول الكلبي احتمالًا آخر في وقت قول المؤمنين هذا القول، فقال: «وتحتمل الآية أن تكون حكاية لقول المؤمنين في وقت قول الذين في قلوبهم مرض: ﴿نخشى أن تصيبنا دائرة﴾، وعند أفعالهم ما فعلوا في حكاية بني قينقاع». وكذا ذكر في قوله: ﴿حبطت أعمالهم﴾ عدة احتمالات، فقال: «ويحتمل قوله تعالى:﴿حبطت أعمالهم﴾ أن يكون إخبارًا من الله تعالى، ويحتمل أن يكون من قول المؤمنين على جهة الإخبار بما حصل في اعتقادهم إذ رأوا المنافقين في هذه الأحوال، ويحتمل أن يكون قوله حبطت أعمالهم على جهة الدعاء؛ إمّا مِن الله تعالى عليهم، وإمّا من المؤمنين»
رجَّح ابنُ جرير (٩/٥٨) مستندًا إلى دلالة العموم قول عبيدة، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن يعمر، ومجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وابن زيد، بأن معنى: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، أي: من المسلمين. وقال: «لأن الله تعالى عمَّ المؤمنين بخطابهم بذلك في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، فغير جائزٍ أن يُصرَف ما عمَّه الله -تعالى ذِكْرُه- إلى الخصوص إلا بحجةٍ يجب التسليم لها. وإذ كان ذلك كذلك فالواجب أن يكون العائد من ذكرهم على العموم، كما كان ذكرهم ابتداءً على العموم»