محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة القدر في ١١٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٦٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة القدر

١١٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

بسم الله الرحمَن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ * سَلاَمٌ هِيَ حَتّىَ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
يقول تعالى ذكره : إنا أنزلنا هذا القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْر، وهي ليلة الحُكْم التي يقضي الله فيها قضاء السنة، وهو مصدر من قولهم : قَدَر الله عليّ هذا الأمْرَ، فهو يَقْدُر قَدْرا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنى، قال : ثني عبد الأعلى، قال : حدثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : نزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يُحدث في الأرض شيئا أنزله منه حتى جمعه.
حدثنا ابن المثنى قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال : أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، وكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، فهو قوله :﴿إنّا أنْزلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
قال : ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عِكرِمة، عن ابن عباس، فذكر نحوه، وزاد فيه، وكان بين أوّله وآخره عشرون سنة.
قال : ثنا عمرو بن عاصم الكلابيّ، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان التيميّ، قال : حدثنا عمران أبو العوّام، قال : حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، أنه قال في قول الله :﴿إنّا أنْزلْناهُ في لَيْلَة الْقَدْرِ﴾ قال : نزل أوّلُ القرآن في ليلة القدر.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حُصَين، عن حكيم بن جُبير، عن ابن عباس، قال : نزل القرآن في ليلة من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فُرّق في السنين، وتلا ابن عباس هذه الآية :﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النّجُومِ﴾ قال : نزل متفرّقا.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن داود، عن الشعبيّ، في قوله :﴿إنّا أنْزلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال : بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير : أنزل القرآن جملة واحدة، ثم أنزل ربنا في ليلة القدر :﴿فِيها يُفْرَقُ كُلّ أمْرٍ حَكِيم﴾.
قال : ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال : أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا، فكان بموقع النجوم، فكان الله ينزله على رسوله، بعضُه في إثر بعض، ثم قرأ :﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : ليلة القدر : ليلة الحكم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال : ليلة الحُكْم.
قال : ثنا وكيع، عن سفيان، عن محمد بن سْوقَة، عن سعيد بن جُبير : يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يُزاد فيهم، ولا ينقص منهم.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، قال : حدثنا ربيعة بن كلثوم، قال : قال رجل للحسن وأنا أسمع : رأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي ؟ قال : نعم، والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كلّ رمضان، وإنها لليلة القدر، فيها يُفرق كلّ أمر حكيم، فيها يقضي الله كلّ أجل وعمل ورزق، إلى مثلها.
حدثنا أبو كُرَيب قال : حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عمر قال : ليلة القدر في كلّ رمضان.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: إنا أنزلنا هذا القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القَدْر، وهي ليلة الحُكْم التي يقضي الله فيها قضاء السنة؛ وهو مصدر من قولهم: قَدَرَ الله عليّ هذا الأمر، فهو يَقْدُر قَدْرا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن المثنى، قال: ثني عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن كله مرة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئًا أنزله منه حتى جمعه.
حدثنا ابن المثنى قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، وكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه، فهو قوله: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).
قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس، فذكر نحوه، وزاد فيه. وكان بين أوّله وآخره عشرون سنة.
قال ثنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: ثنا المعتمر بن سليمان التيميّ، قال: ثنا عمران أبو العوّام، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، أنه قال في قول الله: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) قال: نزل أول القرآن في ليلة القدر.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن حكيم بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في ليلة من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فُرِّق في السنين، وتلا ابن عباس هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) قال: نزل متفرّقا.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن داود، عن الشعبيّ، في قوله: (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) قال: بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم، عن سعيد بن جُبير: أنزل القرآن جملة واحدة، ثم أنزل ربنا في ليلة القدر: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ).
قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، في قوله (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) قال: أنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر، إلى السماء الدنيا، فكان بموقع النجوم، فكان الله ينزله على رسوله، بعضه في أثر بعض، ثم قرأ: (وقالوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (ليلة القدر) : ليلة الحكم.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) قال: ليلة الحكم.
ثنا وكيع. عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جُبير: يؤذن للحجاج في ليلة القدر، فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد، ولا يُزاد فيهم، ولا ينقص منهم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، قال: ثنا ربيعة بن كلثوم، قال: قال رجل للحسن وأنا أسمع: رأيت ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي كلّ رمضان، وإنها لليلة القدر، (فيها يُفرق كلّ أمر حكيم)
فيها يقضي الله كلّ أجل وعمل ورزق، إلى مثلها.
حدثنا أبو كُرَيب. قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عمر. قال: ليلة القدر في كلّ رمضان.
وقوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) يقول: وما أشعرك يا محمد أيّ شيء ليلة القدر خير من ألف شهر.
اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: العمل في ليلة القدر بما يرضي الله، خير منَ العمل في غيرها ألف شهر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، قال: بلغني عن مجاهد (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر.
قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس الملائي، قوله: (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) قال: عملٌ فيها خير من عمل ألف شهر.
وقال آخرون: معنى ذلك أن ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) ليس فيها ليلة القدر.
وقال آخرون في ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكَّام بن سلم، عن المُثَنَّى بن الصَّبَّاح، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدوّ بالنهار حتى يُمْسِيَ، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.
وقال آخرون في ذلك ما حدثني أبو الخطاب الجاروديّ سهيل، قال: ثنا سَلْم بن قُتيبة، قال: ثنا القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، قال: قلت للحسن بن عليّ رضى الله عنه: يا مسوّد وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل، فبايعت له، يعني معاوية بن أبي سفيان، فقال: إن رسول الله ﷺ أري في منامه بني أميَّة يعلون منبره حليفة خليفة، فشقّ ذلك عليه، فأنزل الله: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) و (إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) يعني ملك
بني أمية؛ قال القاسم: فحسبنا مُلْكَ بني أمية، فإذا هو ألف شهر.
وأشبه الأقوال في ذلك بظاهر التنزيل قول من قال: عملٌ في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر. وأما الأقوال الأخر، فدعاوى معان باطلة، لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التنزيل.
وقوله: (تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: تنزل الملائكة وجبريل معهم، وهو الروح في ليلة القدر (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) يعني بإذن ربهم، من كلّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) قال: يقضى فيها ما يكون في السنة إلى مثلها.
فعلى هذا القول منتهى الخبر، وموضع الوقف من كلّ أمر.
وقال آخرون: (تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلَّموا عليه.
* ذكر من قال ذلك:
حُدثت عن يحيى بن زياد الفرّاء، قال: ثني أبو بكر بن عياش، عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: "من كل امرئ سلام" وهذه القراءة من قرأ بها وجَّه معنى من كلّ امرئ: من كلّ ملَك؛ كان معناه عنده: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلّ ملك يسلم على المؤمنين والمؤمنات؛ ولا أرى القراءة بها جائزة، لإجماع الحجة من القرّاء على خلافها، وأنها خلاف لما في مصاحف المسلمين، وذلك أنه ليس في مصحف من مصاحف المسلمين في قوله "أمر" ياء، وإذا قُرِئت: (مِنْ كُلّ امْرِئ) لحقتها همزة، تصير في الخطّ ياء.
والصواب من القول في ذلك: القول الأوّل الذي ذكرناه قبل، على ما تأوّله قتادة.
وقوله: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) سلام ليلة القدر من الشرّ كله من أوّلها إلى طلوع الفجر من ليلتها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (سَلامٌ هِيَ) قال: خير (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ) أي هي خير كلها إلى مطلع الفجر.
حدثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) قال: من كلّ أمر سلام.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: (سَلامٌ هِيَ) قال: ليس فيها شيء، هي خير كلها (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).
موسى بن عبد الرحمن المسروقي، قال: ثنا عبد الحميد الحمانيّ، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبد الرحمن بن أبي لَيلى، في قوله: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ) قال: لا يحدث فيها أمر.
وعُنِي بقوله: (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) : إلى مطلع الفجر.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) فقرأت ذلك عامة قرّاء الأمصار، سوى يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي (مَطْلَعِ الْفَجْرِ) بفتح اللام، بمعنى: حتى طلوع الفجر؛ تقول العرب: طلعت الشمس طلوعا ومطلعا. وقرأ ذلك يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: (حتى مَطْلِعِ الْفَجْرِ) بكسر اللام، توجيها منهم ذلك إلى الاكتفاء بالاسم من المصدر، وهم ينوون بذلك المصدر.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا: فتح اللام لصحة معناه في العربية، وذلك أن المطلع بالفتح هو الطلوع، والمطلع بالكسر: هو الموضع الذي تطلع منه، ولا معنى للموضع الذي تطلع منه في هذا الموضع.
آخر تفسير سورة القدر
تفسير سورة لم يكن

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
يخبر الله تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله، عز وجل :﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان، كما قال تعالى :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
قال ابن عباس وغيره : أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْقَدْرِ (١)
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾
يُخْبِرُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدُّخَانِ: ٣] وَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٨٥].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ العِزّة مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ نَزَلَ مُفَصَّلًا بِحَسْبِ الْوَقَائِعِ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُعَظِّما لِشَأْنِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، الَّتِي اخْتَصَّهَا بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِيهَا، فَقَالَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾
قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الحُدّاني (٢) عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: سَوّدتَ وجوهَ الْمُؤْمِنِينَ -أَوْ: يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ-فَقَالَ: لَا تُؤَنِّبْنِي، رَحِمَكَ اللَّهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أريَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ، وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يَمْلِكُهَا بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ الْقَاسِمُ: فَعَدَدْنَا فَإِذَا هِيَ ألف شهر، لا تزيد يوما ولا تنقص يَوْمًا (٣).
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، وَهُوَ ثِقَةٌ وَثَّقَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَهْدِيٍّ. قَالَ: وَشَيْخُهُ يُوسُفُ بْنُ سَعْدٍ -وَيُقَالُ: يُوسُفُ بْنُ مَازِنَ-رَجُلٌ مَجْهُولٌ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَلَى هَذَا اللَّفْظِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ طَرِيقِ القاسم (٤) بن الفضل، عن يوسف بن
(١) في أ: "سورة ليلة القدر".
(٢) في أ: "الجذامي".
(٣) سنن الترمذي برقم (٣٣٥٠).
(٤) في أ: "من حديث الحاكم".
مَازِنَ، بِهِ (١) وَقَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: إِنَّ يُوسُفَ هَذَا مَجْهُولٌ -فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ. وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ مَشْهُورٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ مَعِينٍ [قَالَ] (٢) هُوَ ثِقَةٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَازِنَ، كَذَا قَالَ، وَهَذَا يَقْتَضِي اضْطِرَابًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُنْكَرٌ جِدًّا، قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْحُجَّةُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ: هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
قُلْتُ: وَقَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ الحُدّاني (٣) إِنَّهُ حَسَبَ مُدّة بَنِي أُمَيَّةَ فَوَجَدَهَا أَلْفَ شَهْرٍ لَا تَزِيدُ يَوْمًا وَلَا تَنْقُصُ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ فَإِنَّ معاويةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، اسْتَقَلَّ بِالْمُلْكِ حِينَ سَلّم إِلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْإِمْرَةَ سنةَ أَرْبَعِينَ، وَاجْتَمَعَتِ الْبَيْعَةُ لِمُعَاوِيَةَ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ عَامَ الْجَمَاعَةِ، ثُمَّ اسْتَمَرُّوا فِيهَا مُتَتَابِعِينَ بِالشَّامِ وَغَيْرِهَا، لَمْ تَخْرُجْ عَنْهُمْ إِلَّا مُدَّةَ دَوْلَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْحَرَمَيْنِ وَالْأَهْوَازِ وَبَعْضِ الْبِلَادِ قَرِيبًا مِنْ تِسْعِ سِنِينَ، لَكِنْ لَمْ تَزُل يَدُهُمْ عَنِ الْإِمْرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ عَنْ بَعْضِ الْبِلَادِ، إِلَى أَنِ اسْتَلَبَهُمْ بَنُو الْعَبَّاسِ الْخِلَافَةَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ مُدَّتِهِمُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ أَزْيَدُ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَإِنَّ الْأَلْفَ شَهْرٍ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَكَأَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ الْفَضْلِ أَسْقَطَ مِنْ مُدَّتِهِمْ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى هَذَا فَتَقَارَبَ مَا قَالَهُ الصحة فِي الْحِسَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعف هَذَا الْحَدِيثِ أنَّه سِيقَ لِذَمِّ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا السِّيَاقِ؛ فَإِنَّ تَفْضِيلَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى أَيَّامِهِمْ لَا يَدُلُّ عَلَى ذَم أَيَّامِهِمْ، فَإِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ شَرِيفَةٌ جِدًّا، وَالسُّورَةُ الْكَرِيمَةُ إِنَّمَا جَاءَتْ لِمَدْحِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَكَيْفَ تُمدح بِتَفْضِيلِهَا عَلَى أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ الَّتِي هِيَ مَذْمُومَةٌ، بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهَلْ هَذَا إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
ألَم تَرَ أَنَّ السَّيْفَ ينقُصُ قَدْرُه... إِذَا قِيل إِنَّ السَّيْفَ أمضَى مِن العَصَا...
وَقَالَ آخَرُ:
إِذَا أنتَ فَضَّلتَ امْرَأً ذَا بَرَاعَة... عَلى نَاقص كَانَ المديحُ منَ النَّقص...
ثُمَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ وِلَايَةِ (٤) الْأَلْفِ شَهْرٍ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ هِيَ أَيَّامُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةُ، فَكَيْفَ يُحَالُ عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ هِيَ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهَا لَفْظُ الْآيَةِ وَلَا مَعْنَاهَا؟! وَالْمِنْبَرُ إِنَّمَا صُنِعَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ وَنَكَارَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٥).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا مُسْلِمٌ -يَعْنِي ابْنَ خَالِدٍ-عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسرائيل لَبس السلاح في
(١) المستدرك (٣/١٧٠) ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (٦/٥٠٩).
(٢) زيادة من م.
(٣) في أ: "الجذامي".
(٤) في م: "ثم من الذي يفهم من الآية أن".
(٥) وانظر: البداية والنهاية (٦/٢٤٣، ٢٤٤) فقد توسع أيضا في الكلام على هذا الحديث.
سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، قَالَ: فَعَجب الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الَّتِي لَبِسَ ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ (١).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا حَكَّام بْنُ سَلْمٍ، عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ الصَّبَاحِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يُجَاهِدُ الْعَدُوَّ بِالنَّهَارِ حَتَّى يُمْسِيَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَلْفَ شَهْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ (٢).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي مَسْلَمَةُ بْنُ عُلَيّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا أَرْبَعَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَبَدُوا اللَّهَ ثَمَانِينَ عَامًا، لَمْ يَعْصوه طَرْفَةَ عَيْنٍ: فَذَكَرَ أَيُّوبَ، وَزَكَرِيَّا، وحزْقيل بْنَ الْعَجُوزِ، وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ -قَالَ: فَعَجِبَ (٣) أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَجِبَتْ أُمَّتُكَ مِنْ عِبَادَةِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ ثَمَانِينَ سَنَةً، لَمْ يَعْصُوه طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَقَدَ أَنْزَلَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ هَذَا أَفْضَلُ مِمَّا عَجِبْتَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ. قَالَ: فَسُرَّ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ مَعَهُ (٤).
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: بَلَغني عَنْ مُجَاهِدٍ: ليلةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. قَالَ: عَمَلها، صِيَامُهَا وَقِيَامُهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ مُجَاهِدٍ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، لَيْسَ فِي تِلْكَ الشُّهُورِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَهَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ: عَمَلٌ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ أَلْفِ شَهْرٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ -وَلَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ-هُوَ اختيارُ ابْنِ جَرِيرٍ. وَهُوَ الصَّوَابُ لَا مَا عَدَاهُ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رِباطُ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْر مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) وَكَمَا جَاءَ فِي قَاصِدِ الْجُمُعَةِ بِهَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَنِيَّةٍ صَالِحَةٍ: "أَنَّهُ يُكتَبُ لَهُ عَمَلُ سَنَةٍ، أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا" إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُشَابِهَةِ لِذَلِكَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلابَة، عَنْ أَبِي هُريرة قَالَ: لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قد جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهَرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللَّهُ
(١) ورواه الثعلبي في تفسيره والواحدي في أسباب النزول كما في تخريج الكشاف للزيلعي (٤/٢٥٣) من طريق مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهِ مرسلا.
(٢) تفسير الطبري (٣٠/١٦٧).
(٣) في أ: "فتعجب".
(٤) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٥٦٩) وعزاه لابن أبي حاتم.
(٥) المسند (١/٦٢) من حديث عثمان، رضي الله عنه.
عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرم خَيرَها فَقَدْ حُرم".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ، بِهِ (١).
وَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَعْدِلُ عِبَادَتُهَا عِبَادَةَ أَلْفِ شَهْرٍ، ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّم مِنْ ذَنْبِهِ" (٢).
وَقَوْلُهُ: ﴿تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أَيْ: يَكْثُرُ تَنزلُ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، وَالْمَلَائِكَةُ يَتَنَزَّلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ الْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا يَتَنَزَّلُونَ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَيُحِيطُونَ بحِلَق الذِّكْرِ، وَيَضَعُونَ أَجْنِحَتَهُمْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِصِدْقٍ تَعْظِيمًا لَهُ.
وَأَمَّا الرُّوحُ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. وَقِيلَ: هُمْ ضَرْبٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "النَّبَأِ". وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَلَامُ هِيَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ قَالَ: هِيَ سَالِمَةٌ، لَا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ (٣) أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءًا أَوْ يَعْمَلَ فِيهَا أَذًى.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: تُقْضَى فِيهَا الْأُمُورُ، وَتُقَدَّرُ الْآجَالُ وَالْأَرْزَاقُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا هُشَيْم، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قَالَ: تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: "مِنْ كُلِّ امْرِئٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ "فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ" عَنْ عليٍّ أَثَرًا غَرِيبًا فِي نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ، وَمُرُورِهِمْ عَلَى الْمُصَلِّينَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَحُصُولِ الْبَرَكَةِ لِلْمُصَلِّينَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَثَرًا غَرِيبًا عَجِيبًا مُطَوَّلًا جِدًّا، فِي تَنَزُّلِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى صُحْبَةِ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى الْأَرْضِ، وَدُعَائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٤).
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ -يَعْنِي الْقَطَّانَ-عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُريرة: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: "إنها ليلة سابعة -أو: تاسعة -وعشرين، وإن الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عدد الحصى" (٥).
(١) المسند (٢/٢٣٠) وسنن النسائي (٤/١٢٩).
(٢) صحيح البخاري برقم (١٩٠١) وصحيح مسلم برقم (٧٦٠).
(٣) في أ: "الشياطين".
(٤) سيأتي إيراد الأثر عند تفسير آخر السورة.
(٥) مسند الطيالسي برقم (٢٥٤٥).
وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنِ المِنهَال، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ﴾ قَالَ: لَا يَحْدُثُ فِيهَا أَمْرٌ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ هِيَ﴾ يَعْنِي (١) هِيَ خَيْرٌ كُلُّهَا، لَيْسَ (٢) فِيهَا شَرٌّ إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا حَيْوَة (٣) بْنُ شُرَيح، حَدَّثَنَا بَقِيَّة، حَدَّثَنِي بَحير بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَان، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي، مَنْ قَامَهُنَّ ابْتِغَاءَ حِسْبَتِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَهِيَ لَيْلَةٌ وِتْرٍ: تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ، أَوْ خَامِسَةٍ، أَوْ ثَالِثَةٍ، أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ". وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَة، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ سَجِيَّةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ يُرمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ. وَأَنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً، لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَلَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ" (٤).
وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَفِي الْمَتْنِ غَرَابَةٌ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ نَكَارَةٌ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا زَمْعَة، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرام، عَنْ عِكْرِمة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: "لَيْلَةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، وَتُصْبِحُ شَمْسُ (٥) صَبِيحَتِهَا ضَعِيفَةً حَمْرَاءَ" (٦).
وَرَوَى ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي رَأَيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَأُنْسِيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مِنْ لَيَالِيهَا لَيْلَةٌ (٧) طَلْقَةٌ بِلُجَةٌ، لَا حَارَةً وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا، لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا" (٨).
فَصْلٌ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، أَوْ هِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:
قَالَ أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ: أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُري أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ -أَوْ: مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ-فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارُ أُمَّتِهِ أَلَّا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٩) وَقَدْ أسند من وجه آخر.
(١) في م: "قال".
(٢) في م: "لا تحدث".
(٣) في أ: "حدثنا عبدة".
(٤) المسند (٥/٣٢٤).
(٥) في م: "وتصبح شمسها".
(٦) مسند الطيالسي برقم (٢٦٨٠) وفيه: "صفيقة" بدل: "ضعيفة".
(٧) في أ: "لياليها وهي ليلة".
(٨) عزاه إليه صاحب الكنز (٨/٥٤٠) برقم (٢٤٠٦٩) ولم أقع عليه في السنة، ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢١٩٠) من طريق عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أبي الزبير، عن جابر بنحوه.
(٩) الموطأ برواية الزهري برقم (٨٨٩).
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ "العُدّة" أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى الْخَطَابِيُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ [وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ جَازِمًا بِهِ عَنِ الْمَذْهَبِ] (١) وَالَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِينَ كَمَا هِيَ فِي أُمَّتِنَا.
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ: حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيل سِمَاك الحَنَفي: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ مَرْثَد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي مَرْثَد قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ قُلْتُ: كَيْفَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ قَالَ: أَنَا كُنْتُ أَسْأَلُ النَّاسَ عَنْهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، أَفِي رَمَضَانَ هِيَ أَوْ فِي غَيْرِهِ؟ قَالَ: "بَلْ هِيَ فِي رَمَضَانَ". قُلْتُ: تَكُونُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ مَا كَانُوا، فَإِذَا قُبِضُوا رُفِعَتْ؟ أَمْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ". قُلْتُ: فِي أَيِّ رَمَضَانَ هِيَ؟ قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ، وَالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ". ثُمَّ حَدّثَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحَدّث، ثُمَّ اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ قُلْتُ: فِي أَيَّ الْعَشْرَيْنِ هِيَ؟ قَالَ: "ابْتَغَوْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا". ثُمَّ حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ اهْتَبَلْتُ غَفْلَتَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَنِي فِي أَيِّ الْعَشْرِ هِيَ؟ فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ مِثْلَهُ مُنْذُ صَحِبْتُهُ، وَقَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا".
وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ الْفَلَّاسِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، بِهِ (٢).
فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَكَّرْنَاهُ، وَفِيهِ أَنَّهَا تَكُونُ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ سَنَةٍ [بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (٣) لَا كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ طَوَائِفِ الشِّيعَةِ مَنْ رَفْعِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، عَلَى مَا فَهِمُوهُ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي سَنُورِدُهُ بعدُ مِنْ قَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: "فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ"؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ رفعُ عِلْم وَقْتِهَا عَيْنًا. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ يَخْتَصُّ (٤) وُقُوعُهَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ، لَا كَمَا رُوي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْ أَنَّهَا تُوجَدُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَتُرْجَى فِي جَمِيعِ الشُّهُورِ عَلَى السَّوَاءِ.
وَقَدْ تَرْجَمَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَلَى هَذَا فَقَالَ: "بَابُ بَيَانِ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ": حَدَّثَنَا حُمَيد بْنُ زَنْجُويه النَّسَائِيُّ (٥) أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِل رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: "هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ" (٦).
وَهَذَا إِسْنَادٌ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَالَ: رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَأَوْقَفَاهُ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، رِوَايَةٌ أَنَّهَا تُرْجَى (٧) فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَهُوَ وَجْهٌ [حَكَاهُ] (٨) الْغَزَالِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ الرَّافِعِيُّ جدًا.
(١) زيادة من م.
(٢) المسند (٥/١٧١) وسنن النسائي الكبرى برقم (٣٤٢٧).
(٣) زيادة من أ.
(٤) في م: "مختص".
(٥) في م: "الشامي".
(٦) سنن أبي داود برقم (١٣٨٧).
(٧) في م: "أنها ترتجي".
(٨) زيادة من م، أ.
فَصْلٌ
ثُمَّ قَدْ قِيلَ: إِنَّهَا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، يُحْكَى هَذَا عَنْ أَبِي رَزِين. وَقِيلَ: إِنَّهَا تَقَعُ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَرَوَى فِيهِ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَعَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ.
وَهُوَ قَوْلٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، وَيُحْكَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهَا لَيْلَةُ بَدْرٍ، وَكَانَتْ لَيْلَةُ جُمُعَةٍ هِيَ السَّابِعَةَ عَشْرَ (١) مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِي صَبِيحَتِهَا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٤١].
وَقِيلَ: لَيْلَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، يُحْكَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا..
وَقِيلَ: لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: اعْتَكَفَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فِي] (٢) الْعَشْرِ الأوَل مِنْ رَمَضَانَ وَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. فَاعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فَاعْتَكَفْنَا مَعَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: [إِنَّ] (٣) الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَكَ. ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَرْجِعْ، فَإِنِّي رَأَيْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي أُنْسِيتُهَا، وَإِنَّهَا (٤) فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَفِي وِتْر، وَإِنِّي رَأَيْتُ كَأَنِّي أَسْجُدُ فِي طِينٍ وَمَاءٍ". وَكَانَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ جَرِيدًا مِنَ النَّخْلِ، وَمَا نَرى فِي السَّمَاءِ شَيْئًا، فَجَاءَتْ قَزَعَة فَمُطرنا، فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ وَالْمَاءِ عَلَى جَبْهَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقَ رُؤْيَاهُ. وَفِي لَفْظٍ: "فِي صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ" أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٥).
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ.
وَقِيلَ: لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ (٦) فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٧) وَهُوَ قَرِيبُ السِّيَاقِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ الجُرَيري، عَنْ أَبِي نَضْرَة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ" (٨) إِسْنَادُهُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ" (٩).
(١) في أ: "في السابع عشر".
(٢) زيادة من م.
(٣) زيادة من م، أ.
(٤) في م: "ثم إنها".
(٥) صحيح مسلم برقم (١١٦٧).
(٦) في أ: "أويس".
(٧) صحيح مسلم برقم (١١٦٨).
(٨) مسند الطيالسي برقم (٢١٦٧).
(٩) المسند (٦/١٢).
ابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ. وَقَدْ خَالَفَهُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَصْبَغَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، بن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي بِلَالٌ -مؤذنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أَنَّهَا أَوَّلُ السَّبْعِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَهَذَا الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَالْحُسْنِ، وَقَتَادَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّهَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ "الْبَقَرَةِ" (١) حَدِيثُ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ مَرْفُوعًا: "إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ".
وَقِيلَ: تَكُونُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ؛ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى". فَسَّره كَثِيرُونَ بِلَيَالِي الْأَوْتَارِ، وَهُوَ أَظْهَرُ وَأَشْهَرُ. وَحَمَلَهُ آخَرُونَ عَلَى الْأَشْفَاعِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ؛ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ".
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ وَعَاصِمًا، عَنْ زِرّ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يُقِم الحَولَ يُصبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ، لَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ حَلَفَ. قُلْتُ: وَكَيْفَ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ -أَوْ: بِالْآيَةِ-الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا، تَطْلُعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَا شُعَاعَ لَهَا، أَعْنِي الشَّمْسَ (٢).
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَشُعْبَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ زِرّ، عَنْ أَبِي، فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ -يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي-وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ لَيْلَةِ الْقَدْرِ هِيَ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا (٣).
وَفِي الْبَابِ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَغَيْرِهِمْ (٤) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ الجَادّة مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ حَاوَلَ اسْتِخْرَاجَ كَوْنِهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْقُرْآنِ، مِنْ قَوْلِهِ: ﴿هِيَ﴾ لِأَنَّهَا الْكَلِمَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنَ السُّورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبري، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ قَتَادَةَ وَعَاصِمٍ: أَنَّهُمَا سَمِعَا عِكْرِمَةَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دَعَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
(١) عند تفسير الآية ١٨٥.
(٢) المسند (٥/١٣٠).
(٣) صحيح مسلم برقم (٧٦٢).
(٤) وانظر هذه الأحاديث وغيرها في: الدر المنثور للسيوطي (٨/٥٧٠-٥٨٠).
أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (١) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ لِعُمَرَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ -أَوْ: إِنِّي لَأَظُنُّ-أَيَّ لَيْلَةِ الْقَدْرِ هِيَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ [فَقُلْتُ] (٢) سَابِعَةٌ تَمْضِي -أَوْ: سَابِعَةٌ تَبْقَى-مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَمَنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُلْتُ: خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ، وَسَبْعَ أَرْضِينَ، وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنَّ الشَّهْرَ يَدُورُ عَلَى سَبْعٍ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ سَبْعٍ، وَيَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ، وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْعٍ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ سَبْعٌ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ سَبْعٌ... لِأَشْيَاءَ ذَكَرَهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ فَطِنْتَ لِأَمْرٍ مَا فَطِنَّا لَهُ. وَكَانَ قَتَادَةُ يَزيد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَيَأْكُلُ مِنْ سَبْعٍ، قَالَ: هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا [وَقَضْبًا]﴾ (٣) الْآيَةَ [عَبَسَ: ٢٧، ٢٨] (٤).
وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، ونصٌ (٥) غَرِيبٌ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ فِي لَيْلَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ عُمرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فِي رَمَضَانَ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فَإِنَّهَا فِي وتْر إِحْدَى وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، [أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ] (٦) أَوْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ" (٧).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ -وَهُوَ: أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ-حَدَّثَنَا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ أَبِي مَيْمُونَةَ (٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي ليلة القدر: "إنها ليلة سابعة أو تاسعة وَعِشْرِينَ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى" (٩).
تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْنَادُهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا تَكُونُ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ آنِفًا (١٠) وَلِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ عُيَينة بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ ثَلَاثٍ، أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ". يَعْنِي: الْتَمِسُوا لَيْلَةَ القدر (١١).
(١) في أ: "أصحاب رسول الله".
(٢) زيادة من م، أ.
(٣) زيادة من المعجم الكبير (١٠/٣٢٢).
(٤) المعجم الكبير (١٠/٣٢٢).
(٥) في م: "ومتن".
(٦) زيادة من أ، والمسند.
(٧) المسند (٥/٣٢١).
(٨) في أ: "عن أبي معاوية".
(٩) المسند (٢/٥١٩).
(١٠) في أ: ": أيضا".
(١١) سنن الترمذي برقم (٧٩٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (٣٤٠٤).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: "إِنَّهَا آخِرُ لَيْلَةٍ" (١).
فَصْلٌ
قَالَ [الْإِمَامُ] (٢) الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ: صَدَرَتْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا لِلسَّائِلِ إِذْ قِيلَ لَهُ: أَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي اللَّيْلَةِ الْفُلَانِيَّةِ؟ يَقُولُ: "نَعَمْ". وَإِنَّمَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ مُعَيَّنة: لَا تَنْتَقِلُ. نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي قِلابَة أَنَّهُ قَالَ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ (٣).
وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَالْمُزَنِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيمة، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنِ الشَّافِعِيِّ -نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْهُ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمر: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتحريها فَلْيَتَحرها فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ" (٤).
وَفِيهَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ" (٥) وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَيُحْتَجُّ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ، وَأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ مِنَ الشَّهْرِ، بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاحى رَجُلَانِ مَنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ" (٦).
وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ: أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُعَيَّنَةً مُسْتَمِرَّةَ التَّعْيِينِ، لَمَا حَصَلَ لَهُمُ الْعِلْمُ بِعَيْنِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ، إِذًا (٧) لَوْ كَانَتْ تَنْتَقِلُ لَمَا عَلِمُوا تَعيُّنها إِلَّا ذَلِكَ الْعَامِ فَقَطْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ لِيُعْلِمَهُمْ بِهَا تِلْكَ السَّنَةَ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ: "فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ": فِيهِ اسْتِئْنَاسٌ لِمَا يُقَالُ: إِنَّ الْمُمَارَاةَ تَقْطَعُ الْفَائِدَةَ وَالْعِلْمَ النَّافِعَ، وَكَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْعَبْدَ ليُحْرَم الرزقَ بالذَّنْبِ يُصِيبه".
وَقَوْلُهُ: "فَرُفِعَتْ" أَيْ: رُفِعَ عِلْمُ تَعينها لَكُمْ، لَا أَنَّهَا رُفِعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ مِنَ الْوُجُودِ، كَمَا يقوله
(١) لم أقع عليه في المسند، وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور (٨/٥٧٢) وعزاه لأحمد، ولعلي أستدركه فيما بعد.
(٢) زيادة من أ.
(٣) سنن الترمذي (٣/١٥٩).
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٠١٥) وصحيح مسلم برقم (١١٦٥).
(٥) صحيح البخاري برقم (٢٠١٧) وصحيح مسلم برقم (١١٦٩).
(٦) صحيح البخاري برقم (٢٠٢٣).
(٧) في أ: "إذ".
جَهَلَةُ الشِّيعَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا: "فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ".
وَقَوْلُهُ: "وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ" يَعْنِي: عَدَمُ تَعْيِينِهَا لَكُمْ، فَإِنَّهَا إِذَا كَانَتْ مُبْهَمَةً اجْتَهَدْ طُلابها فِي ابْتِغَائِهَا فِي جَمِيعِ مَحَالِّ رَجَائِهَا، فَكَانَ أَكْثَرَ لِلْعِبَادَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَلِمُوا (١) عَيْنَهَا فَإِنَّهَا كَانَتِ الْهِمَمُ تَتَقَاصَرُ عَلَى قِيَامِهَا فَقَطْ. وَإِنَّمَا اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِبْهَامَهَا لِتَعُمَّ الْعِبَادَةُ جَمِيعَ الشَّهْرِ فِي ابْتِغَائِهَا، وَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ (٢) أَكْثَرَ. وَلِهَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ اعْتَكَفَ أزواجهُ مِنْ بَعْدِهِ. أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (٣).
وَلَهُمَا عَنِ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ (٤).
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَشَدَّ الْمِئْزَرَ. أَخْرَجَاهُ (٥).
وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا (٦) كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ (٧).
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهَا: "وَشَدَّ الْمِئْزَرَ". وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ: اعْتِزَالُ النِّسَاءِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنِ الْأَمْرَيْنِ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا سُرَيج، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَر، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَقِيَ عَشْرٌ مِنْ رَمَضَانَ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ. انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ (٨).
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّ جَمِيعَ لَيَالِي الْعَشْرِ فِي تَطَلُّبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى السَّوَاءِ، لَا يَتَرَجَّحُ مِنْهَا لَيْلَةٌ عَلَى أُخْرَى: رَأَيْتُهُ فِي شَرْحِ الرَّافِعِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَالْمُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَفِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَكْثَرُ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْهُ، ثُمَّ فِي أَوْتَارِهِ أَكْثَرُ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنَّ يُكْثِرَ مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ، إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي"؛ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا يَزِيدُ -هُوَ ابْنُ هَارُونَ-حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ (٩) -وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ إِيَاسٍ-عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُريدة، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَمَا أَدْعُو؟ قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تحب العفو، فاعف عني" (١٠).
(١) في أ: "إذا عملوا".
(٢) في أ: "الأخير".
(٣) صحيح البخاري برقم (٢٠٢٦) وصحيح مسلم برقم (١١٧٢).
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٠٢٥) وصحيح مسلم برقم (١١٧١).
(٥) صحيح البخاري برقم (٢٠٢٤) وصحيح مسلم برقم (١١٧٤).
(٦) في م: "عنهما".
(٧) صحيح مسلم برقم (١١٧٥).
(٨) المسند (٦/٦٦).
(٩) في م: "الجوهري".
(١٠) المسند (٦/١٨٢).
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ كَهْمَس بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ علمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ الْقَدْرِ، مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: "قُولِي: اللَّهُمَّ، إِنَّكَ عَفُو تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي" (١).
وَهَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ". وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرِكِهِ، وَقَالَ: "هَذَا صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ" (٢) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرثَد، عَنِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيدة عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أرأيتَ إِنْ وافقتُ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: "قولي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُو تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي" (٣).
ذُكِرَ أَثَرٌ غَرِيبٌ وَنَبَأٌ عَجِيبٌ، يَتَعَلَّقُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ فَقَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ القَطواني، حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ -يَعْنِي الرَّاسِبِيَّ-عَنْ هِلَالٍ أَبِي جَبَلَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ السَّلَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى عَلَى حَدِّ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، مِمَّا يَلِي الْجَنَّةَ، فَهِيَ عَلَى حَدّ هَوَاءِ الدُّنْيَا وَهَوَاءِ الْآخِرَةِ، عُلوها فِي الْجَنَّةِ، وَعُرُوقُهَا وَأَغْصَانُهَا مِنْ تَحْتِ الْكُرْسِيِّ، فِيهَا مَلَائِكَةٌ لَا يَعْلَمُ عِدَّتَهُمْ (٤) إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى أَغْصَانِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعِ شَعْرَةٍ مِنْهَا مَلَكٌ. وَمَقَامُ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي وَسَطِهَا، فَيُنَادِي اللَّهُ جِبْرِيلَ أَنْ يَنْزِلَ فِي كُلِّ لَيْلَةِ قَدْر مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَلَكٌ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَنْزِلُونَ عَلَى (٥) جِبْرِيلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، فَلَا تَبْقَى بُقْعَةٌ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَّا وَعَلَيْهَا مَلَكٌ، إِمَّا سَاجِدٌ وَإِمَّا قَائِمٌ، يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَنِيسَةٌ أَوْ بَيْعَةٌ، أَوْ بَيْتُ نَارٍ أَوْ وَثَنٍ، أَوْ بَعْضُ أَمَاكِنِكُمُ الَّتِي تَطْرَحُونَ فِيهَا الخبَث، أَوْ بَيْتٌ فِيهِ سَكْرَانٌ، أَوْ بَيْتٌ فِيهِ مُسكر، أَوْ بَيْتٌ فِيهِ وَثَنٌ مَنْصُوبٌ، أَوْ بَيْتٌ فِيهِ جَرَسٌ مُعَلّق، أَوْ مَبْوَلَةٌ، أَوْ مَكَانٌ فِيهِ كَسَاحَةِ الْبَيْتِ، فَلَا يَزَالُونَ لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ يَدْعُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَجِبْرِيلُ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦) إِلَّا صَافَحَهُ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ مَن اقْشَعَرَّ جلدهُ وَرَقَّ قَلْبُهُ ودَمعَت عَيْنَاهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مُصَافَحَةِ جِبْرِيلَ.
وَذَكَرَ كَعْبٌ أَنَّهُ مَنْ قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، غَفَر اللَّهُ لَهُ بِوَاحِدَةٍ، وَنَجَا مِنَ النَّارِ بِوَاحِدَةٍ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِوَاحِدَةٍ. فَقُلْنَا لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، صَادِقًا؟ فَقَالَ كَعْبٌ (٧) وَهَلْ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَّا كُلُّ صَادِقٍ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَتَثْقُلُ عَلَى الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ، حَتَّى كَأَنَّهَا عَلَى ظَهْرِهِ جَبَلٌ، فَلَا تَزَالُ الْمَلَائِكَةُ هَكَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. فَأَوَّلُ مَنْ يَصْعَدُ جِبْرِيلُ حَتَّى يَكُونَ فِي وَجْهِ الْأُفُقِ الْأَعْلَى مِنَ الشَّمْسِ، فَيَبْسُطُ جناحيه -
(١) سنن الترمذي برقم (٣٥١٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨٨) وسنن ابن ماجة برقم (٣٨٥٠).
(٢) المستدرك (١/٥٣١).
(٣) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧١٣).
(٤) في م، أ: "عددهم".
(٥) في أ: "مع".
(٦) في أ: "من الناس".
(٧) في م: "كعب الأحبار".
وَلَهُ جَنَاحَانِ أَخْضَرَانِ، لَا يَنْشُرُهُمَا إِلَّا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ-فَتَصِيرُ الشَّمْسُ لَا شُعَاعَ لَهَا، ثُمَّ يَدْعُو مَلَكًا (١) فَيَصْعَدُ، فَيَجْتَمِعُ نُورُ الْمَلَائِكَةِ وَنُورُ جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ، فَلَا تَزَالُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا ذَلِكَ مُتَحَيِّرَةً، فَيُقِيمُ جِبْرِيلُ وَمَنْ مَعَهُ بَيْنَ الْأَرْضِ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا يَوْمَهَمْ ذَلِكَ، فِي دُعَاءٍ وَرَحْمَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَلِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ احْتِسَابًا، وَدُعَاءٍ لِمَنْ حَدث نَفْسَهُ إِنْ عَاشَ إِلَى قَابِلٍ صَامَ رَمَضَانَ لِلَّهِ. فَإِذَا أَمْسَوْا (٢) دَخَلُوا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَيَجْلِسُونَ حِلَقًا [حِلَقًا] (٣) فَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِمْ مَلَائِكَةُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ رَجُلٍ رَجُلٍ، وَعَنِ امْرَأَةٍ امْرَأَةٍ (٤) فَيُحَدِّثُونَهُمْ حَتَّى يَقُولُوا: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ وَكَيْفَ وَجَدْتُمُوهُ العامَ؟ فَيَقُولُونَ: وَجَدْنَا فُلَانًا عَامَ أَوَّلَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ مُتَعَبِّدًا وَوَجَدْنَاهُ الْعَامَ مُبْتَدِعًا، وَوَجَدْنَا فُلَانًا مُبْتَدِعًا وَوَجَدْنَاهُ الْعَامَ عَابِدًا قَالَ: فَيَكُفُّونَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِذَلِكَ، وَيَقْبَلُونَ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لِهَذَا، وَيَقُولُونَ: وَجَدْنَا فُلَانًا وَفُلَانًا يَذْكُرَانِ اللَّهَ، وَوَجَدْنَا فُلَانًا رَاكِعًا، وَفُلَانًا سَاجِدًا، وَوَجَدْنَاهُ تَالِيًا لِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَهُمْ كَذَلِكَ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، حَتَّى يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَفِي كُلِّ سَمَاءٍ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، حَتَّى يَنْتَهُوا مَكَانَهُمْ مِنْ (٥) سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَتَقُولُ لَهُمْ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى: يَا سُكَّانِي، حَدِّثُونِي عَنِ النَّاسِ وَسَمُّوهُمْ لِي. فَإِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقًّا، وَإِنِّي أحبُّ مَنْ أحبَّ اللَّهَ. فَذَكَرَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّهُمْ يَعدُون لَهَا، وَيَحْكُونَ لَهَا الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ. ثُمَّ تُقْبِلُ الجنة على السدرة فتقول: أخبرني بِمَا أَخْبَرَكِ (٦) سُكَّانُكِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. فَتُخْبِرُهَا، قَالَ: فَتَقُولُ الْجَنَّةُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانٍ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانَةٍ، اللَّهُمَّ عجِّلهم إليَّ، فَيَبْلُغُ جِبْرِيلُ مَكَانَهَ قَبْلَهُمْ، فَيُلْهِمُهُ اللَّهُ فَيَقُولُ: وَجَدْتُ فُلَانًا سَاجِدًا فَاغْفِرْ لَهُ. فَيَغْفِرُ لَهُ، فيسمعُ جبريلُ جميعَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَيَقُولُونَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانٍ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانَةٍ، وَمَغْفِرَتُهُ (٧) لِفُلَانٍ، وَيَقُولُ (٨) يَا رَبِّ، وَجَدْتُ عَبْدَكَ فُلَانًا الَّذِي وَجَدْتُهُ عَامَ أَوَّلَ عَلَى السُنَّة وَالْعِبَادَةِ، وَوَجَدْتُهُ الْعَامَ قَدْ أَحْدَثَ حَدَثًا وَتَوَلَّى عَمَّا أُمِرَ بِهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، إِنْ تَابَ فَأَعْتَبَنِي قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِثَلَاثِ سَاعَاتٍ غَفَرْتُ لَهُ. فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: لَكَ الْحَمْدُ إِلَهِي، أَنْتَ أَرْحَمُ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِكَ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ بِعِبَادِكَ مِنْ عِبَادِكَ بِأَنْفُسِهِمْ، قَالَ: فَيَرْتَجُّ الْعَرْشُ وما حوله، والحجب والسموات وَمِنْ فِيهِنَّ، تَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحِيمِ.
قَالَ: وَذَكَرَ كَعْبٌ أَنَّهُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ إِذَا أَفْطَرَ بَعْدَ رَمَضَانَ أَلَّا يَعْصِيَ اللَّهَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا حِسَابٍ.
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ "ليلة القدر" [ولله الحمد والمنة] (٩).
(١) في م: "ملكا ملكا".
(٢) في أ: "فإذا استووا".
(٣) زيادة من م.
(٤) في م: "عن رجل عن رجل وعن امرأة عن امرأة".
(٥) في أ: "في".
(٦) في أ: "بما أخبروك".
(٧) في م: "ومغفرة".
(٨) في أ: "ويقولون".
(٩) زيادة من م.
تَفْسِيرُ سُورَةِ لَمْ يَكُنْ
وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ-أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَيَّة الْبَدْرِيَّ -وَهُوَ: مَالِكُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ-قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ". قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ (١).
حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا " قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَبَكَى.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، بِهِ (٢).
حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمِّل، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَسْلَمُ الْمُنْقِرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ ذُكرتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، فَفَرحت بِذَلِكَ. قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَاللَّهُ يَقُولُ: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " [يُونُسَ: ٥٨]. قَالَ مُؤَمَّلٌ: قُلْتُ لِسُفْيَانَ: الْقِرَاءَةُ فِي الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ (٣).
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَحَجَّاجٌ قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلة، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: فَقَرَأَ: " لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " قَالَ: فَقَرَأَ فِيهَا: وَلَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ سَأَلَ وَادِيًا مِنْ مَالٍ، فَأُعْطِيَهُ (٤) لَسَأَلَ ثَانِيًا، وَلَوْ سَأَلَ ثَانِيًا فَأُعْطِيَهُ (٥) لَسَأَلَ ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. وَإِنَّ ذَلِكَ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ، غَيْرُ الْمُشْرِكَةِ وَلَا الْيَهُودِيَّةِ وَلَا النَّصْرَانِيَّةِ، وَمَنْ يَفْعَلُ خَيْرًا فَلَنْ يكفره.
(١) المسند (٣/٤٨٩).
(٢) المسند (٣/١٣٠) وصحيح البخاري (٤٩٥٩) وصحيح مسلم برقم (٧٩٩) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٩١).
(٣) المسند (٥/١٢٣).
(٤) في أ: "فأعطيته".
(٥) في أ: "فأعطيته".
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهِ (١) وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خُلَيْدٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ". قَالَ: بِاللَّهِ آمَنْتُ، وَعَلَى يَدِكَ أَسْلَمْتُ، وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ. قَالَ: فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْلَ. [قَالَ] (٢) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذُكِرْتُ هُنَاكَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، بِاسْمِكَ وَنَسَبِكَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى". قَالَ: فَاقْرَأْ إِذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣).
هَذَا غَرِيبُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَالثَّابِتُ مَا تَقَدَّمَ. وَإِنَّمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ السُّورَةَ تَثْبِيتًا لَهُ، وَزِيَادَةً لِإِيمَانِهِ، فَإِنَّهُ -كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ، عَنْهُ (٤) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَد عَنْهُ (٥) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَفَّانَ، عَنْ حَمَّادٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْهُ (٦) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْهُ (٧) كَانَ قَدْ أَنْكَرَ عَلَى إِنْسَانٍ، وَهُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، قِرَاءَةَ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى خِلَافِ مَا أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقْرَأَهُمَا، وَقَالَ، لِكُلٍّ مِنْهُمَا: "أَصَبْتَ". قَالَ أُبَيُّ: فَأَخَذَنِي مِنَ الشَّكِّ وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِهِ، قَالَ أُبَيُّ: فَفضْتُ عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا. وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ. فَقُلْتُ: "أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ". فَقَالَ: عَلَى حَرْفَيْنِ. فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَ هَذَا الْحَدِيثِ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي أَوَّلِ التَّفْسِيرِ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ وَفِيهَا: " رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ " قَرَأَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةَ إِبْلَاغٍ وَتَثْبِيتٍ وَإِنْذَارٍ، لَا قِرَاءَةَ تَعَلُّمٍ وَاسْتِذْكَارٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْئِلَةِ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: أَوْلَمَ تَكُنْ تُخْبِرُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟ قَالَ: "بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا؟ ". قَالَ: لَا قَالَ: "فَإِنَّكَ آتِيهِ، ومُطوَّف بِهِ". فَلَمَّا رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ "الْفَتْحِ"، دَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، وَفِيهَا قَوْلُهُ: " لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ " الْآيَةَ [الْفَتْحِ: ٢٧]، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيم فِي كِتَابِهِ "أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ" مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْجَعْفَرِيِّ المدني:
(١) المسند (٥/١٣١) وسنن الترمذي برقم (٣٧٩٣).
(٢) زيادة من م، أ.
(٣) المعجم الكبير (١/٢٠٠).
(٤) المسند (٥/١٢٢) وسنن النسائي (٢/٥٤).
(٥) المسند (٥/١٢٤) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٧).
(٦) المسند (٥/١١٤).
(٧) المسند (٥/١٢٧) وصحيح مسلم برقم (٨٢٠) وسنن أبي داود برقم (١٤٧٨) وسنن النسائي (٢/١٥٣).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١ - ٥ } ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾
يقول تعالى مبينًا لفضل القرآن وعلو قدره :﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ كما قال تعالى :﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وذلك أن الله [ تعالى ]، ابتدأ بإنزاله(١)  في رمضان [ في ] ليلة القدر، ورحم الله بها العباد رحمة عامة، لا يقدر العباد لها شكرًا.
وسميت ليلة القدر، لعظم قدرها وفضلها عند الله ؛ ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية.
١ - في ب: ابتدأ بإنزال القرآن..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ٥} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
يقول تعالى مبينًا لفضل القرآن وعلو قدره: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وذلك أن الله [تعالى]، ابتدأ بإنزاله (١) في رمضان [في] ليلة القدر، ورحم الله بها العباد رحمة عامة، لا يقدر العباد لها شكرًا.
وسميت ليلة القدر، لعظم قدرها وفضلها عند الله، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية.
ثم فخم شأنها، وعظم مقدارها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: فإن شأنها جليل، وخطرها عظيم.
﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: تعادل من فضلها ألف شهر، فالعمل الذي يقع فيها، خير من العمل في ألف شهر [خالية منها]، وهذا مما تتحير فيه (٢) الألباب، وتندهش له العقول، حيث من تبارك وتعالى على هذه الأمة الضعيفة القوة والقوى، بليلة يكون العمل فيها يقابل ويزيد على ألف شهر، عمر رجل معمر عمرًا طويلا نيفًا وثمانين سنة.
﴿تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ أي: يكثر نزولهم فيها ﴿مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ﴾ أي: سالمة من كل آفة وشر، وذلك لكثرة خيرها، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: مبتدأها من غروب الشمس ومنتهاها طلوع الفجر (٣).
وقد تواترت الأحاديث في فضلها، وأنها في رمضان، وفي العشر الأواخر منه، خصوصًا في أوتاره، وهي باقية في كل سنة إلى قيام الساعة.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم، يعتكف، ويكثر من التعبد في العشر الأواخر من رمضان، رجاء ليلة القدر [والله أعلم].
تفسير سورة لم يكن
وهي مدنية
(١) في ب: ابتدأ بإنزال القرآن.
(٢) كذا في ب، وفي أ: به.
(٣) كذا في ب، وفي أ: تنتهي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١١٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب أضواء البيان — محمد الأمين الشنقيطي تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
أَنزَلْنَاهُ
أَنْزَلْنَا القَرْآنَ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ العِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا.
لَيْلَةِ الْقَدْرِ
لَيْلَةِ الشَّرَفِ، وَالعَظَمَةِ، وَكِتَابِ المَقَادِيرِ.

إعراب الآية ١ من سورة القدر

من كتاب: إعراب القرآن

٩٧ شرح إعراب سورة ليلة القدر (القدر)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة القدر (٩٧) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)
إِنَّا أصله إنّنا فحذفت النون لاجتماع النونات ولأنها زائدة أَنْزَلْناهُ النون والألف في موضع رفع بالفعل، وأسكنت اللام لاتصالها بالمضمر المرفوع اتباعا لما تتوالى فيه الحركات والهاء في موضع نصب، وحذفت الواو بعدها لسكونها وسكون الألف، وإن الهاء ليست بحاجز حصين لخفائها وبعدها، وقيل: لاجتماع حرفي مدّ ولين فحذف أحدهما، والهاء كناية عن القرآن، وإن كان لم يتقدم له ذكر في هذه السورة، وأكثر النحويين يقولون: لأنه قد عرف المعنى، كما قال: [الطويل] ٥٨٠- ألا ليتني أفديك منها وأفتدي «١» ومن العلماء من يقول: جازت الكناية في أول السورة لأن القرآن كلّه بمنزلة سورة واحدة لأنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا وسنذكر هذا بإسناده، وقول ثالث بيّن حسن وهو: إنّا أنزلناه يدلّ على الإنزال والمنزل، كما حكى النحويون «٢» : من كذب كان شرّا له، لأن كذب يدلّ على الكذب، وأخفيت ليلة القدر على الناس إلّا ما جاء في الحديث من أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان فقيل: إنما أخفيت لفضل العمل فيها لئلا يدع الناس العمل في غيرها والاجتهاد ويتّكلوا على فضل العمل فيها، وقيل: لأنها مختلفة تكون في سنة لثلاث وعشرين ثم يكون في غيرها. وأما الحديث في تنزيل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر فصحيح غير مدفوع عند أهل السّنّة وإنّما يدفعه قول من أهل الأهواء كما قرئ على محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال: حدثنا جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في
(١) الشاهد لطرفة بن العبد في ديوانه ٢٩، والدرر ٢/ ٢٦٩، وبلا نسبة في الإنصاف ١/ ٩٦ وصدره:
«على مثلها أمضي إذا قال صاحبي» [.....]
(٢) انظر الكتاب ٢/ ٤١٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١ من سورة القدر

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [١-٣].
أخبرنا أبو بكر التميميُّ، أخبرنا عبد الله بن حِبانَ، حدَّثنا أبو يحيى الرازيّ، حدَّثنا سهل العسكريُّ، حدَّثنا يحيى بن زائدة، عن مسلم، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال:
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم - رجلاً من بني إسرائيلَ لبس السلاح في سبيل الله ألفَ شهر، فتعجب المسلمون من ذلك. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ * لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾. قال: خيرٌ من التي لبس فيها السلاحَ ذلك الرجلُ.

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٤٨ قولًا
١
عن زِرّ -من طريق حسان- أنه سئل عن ليلة القدر. فقال: كان عمر، وحذيفة، وناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يشُكُّون أنها ليلة سبع وعشرين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٥١٢، ٣/ ٧٤.
٢
عن عبد الله بن عمرو، سأل عمر أصحاب النبيّ ﷺ عن ليلة القدر. فقال ابن عباس: إنّ ربي يُحبّ السبع: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر:٨٧]١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري في تاريخه ٣‏/‏١١٩.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق كليب- قال: كان عمر يدعوني مع أصحاب محمد ﷺ، ويقول: لا تتكلّم حتى يتكلّموا، فدعاهم، فسألهم، فقال: أرأيتم قول رسول الله ﷺ في ليلة القدر: «التمِسُوها في العشر الأواخر وترًا» أي ليلة تَرونها؟ فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين. وقال بعضهم: ليلة ثلاث. وقال بعضهم: ليلة خمس. وقال بعضهم: ليلة سبع. فقالوا وأنا ساكت، فقال: ما لك لا تتكلّم؟ فقلتُ: إنك أمرتني ألا أتكلّم حتى يتكلّموا. فقال: ما أرسلتُ إليك إلا لتتكلّم. فقال: إني سمعتُ الله يذكر السبع؛ فذكر سبع سموات، ومن الأرض مثلهنّ، وخلق الإنسان من سبع، ونَبْتُ الأرض سبع. فقال عمر: هذا أخبرتني بما أعلم، أرأيتَ ما لا أعلم؛ قولك: نَبْتُ الأرض سبع؟ قلتُ: قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وعِنَبًا وقَضْبًا وزَيْتُونًا ونَخْلًا وحَدائِقَ غُلْبًا وفاكِهَةً وأَبًّا﴾ [عبس:٢٦-٣١]، قال: فالحدائق غُلبًا الحيطان من النخل والشجر، ﴿وفاكِهَةً وأَبًّا﴾ فالأبّ: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدوابّ والأنعام ولا تأكله الناس. فقال عمر لأصحابه: أعجزتم أن تقولوا كما قال هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه١، واللهِ، إني لأرى القول كما قلتَ، وقد كنتُ أمرتُك ألا تتكلّم حتى يتكلّموا، وإني آمرك أنْ تتكلّم معهم٢
التخريج
  1. ١شئون الرأس: هي عظامه وطرائقه، كلما أسنّ الرجل قويتْ واشتدتْ. النهاية ٢‏/‏٤٣٧، واللسان (شأن).
  2. ٢أخرجه محمد بن نصر ص١٠٦، والحاكم ١‏/‏٤٣٧، ٤٣٨ وصححه، والبيهقي ٤‏/‏٣١٣. وعزاه السيوطي إلى ابن جرير.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: دعا عمر أصحابَ النبيِّ ﷺ، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمَعوا أنها في العشر الأواخر، فقلتُ لعمر: إني لأعلم وإني لأظنّ أي ليلة هي. قال: وأي ليلة هي؟ قلتُ: سابعة تمضى، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. قال عمر: ومن أين علِمتَ ذلك؟ قلتُ: خلق الله سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وإنّ الدهر يدور في سبع، وخُلِق الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبعة أعضاء، والطواف بالبيت سبع، والجمار سبع -لأشياء ذكرها-. فقال عمر: لقد فطِنتَ لأمر ما فطِنّا له. وكان قتادة يزيد عن ابن عباس في قوله: ويأكل من سبع. قال: هو قول الله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وعِنَبًا وقَضْبًا﴾ [عبس:٢٧-٢٨]١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٧٦٧٩)، والطبراني (١٠٦١٨)، والبيهقي ٤‏/‏٣١٣. وعزاه السيوطي إلى ابن راهويه، ومحمد بن نصر.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ كثير (١٤/٤١١) هذا الأثر من طريق الطبراني بإسناده، ثم قال: «وهذا إسناد جيد قوي، ونصٌّ غريب جدًّا».
٥
عن جعفر بن برقان، قال: سمعت رجلًا من قريش يقول: كان عبد الله بن الزُّبير يقول: هي الليلة التي لقي رسول الله ﷺ في يومها أهل بدر، يقول الله: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال:٤١]. قال جعفر: بلغني: أنها ليلة ست عشرة، أو سبع عشرة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحارث بن أسامة -كما في المطالب العالية (١١٩١)-.
٦
عن عبد الله بن عمر -من طريق سعيد بن جُبَير- أنه سئل عن ليلة القدر أفي كلّ رمضان؟ -ولفظ ابن مردويه: أفي رمضان هي؟- قال: نعم ألم تسمع إلى قول الله: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٥. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.
٧
قال أبو سعيد الخدريّ: هي الليلة الحادية والعشرون١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٢٥٠.
٨
قال زيد بن ثابت، وبلال: هي ليلة أربع وعشرين١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠/ ٢٥٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ كثير (١٤/ ٤١١) عن بلال هذا الأثر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وفي إسناده ابن لهيعة، قال عنه ابنُ كثير: «ضعيف». ثم أورد عن بلال قولًا آخر، فقال: «وقد خالفه ما رواه البخاري عن أصبغ، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي عبد الله الصنابحي قال: أخبرني بلال -مؤذن رسول الله - ﷺ -- أنها أول السبع من العشر الأواخر». ثم علق بقوله: «فهذا الموقوف أصح».
٩
عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه: أنه كان يحيي ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، وليلة سبع وعشرين، ولا كإحياء ليلة سبع عشرة، فقيل له: كيف تحيي ليلة سبع عشرة؟ قال: إنّ فيها نزل القرآن، وفي صبيحتها فُرِق بين الحق والباطل١
التخريج
  1. ١أخرجه محمد بن نصر ص١٠٨، والطبراني (٤٨٦٥). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣‏/‏١٧٧: «فيه أبو بلال الأشعري، وهو ضعيف».
١٠
عن حَوْط العبديّ، قال: سئل زيد بن أرقم عن ليلة القدر. فقال: ليلة سبع عشرة، ما نشُكّ ولا نستثني. وقال: ليلة نزل القرآن، ويوم الفرقان يوم التقى الجمعان١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة ٣‏/‏٧٦، وابن منيع -كما في المطالب العالية (١١٩٠)-، والبخاري في تاريخه ٣‏/‏٩١، والطبراني (٥٠٧٩)، والبيهقي في الشعب (٣٦٩٢). وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣‏/‏١٧٨: «وحَوْط قال البخاري: حديثه هذا منكر».
١١
عن سعيد بن المسيّب، أنه سئل عن ليلة القدر: أهي شيء كان فذهب، أم هي في كلّ عام؟ فقال: بل هي لأُمّة محمد ما بقي منهم اثنان١
التخريج
  1. ١أخرجه محمد بن نصر المروزي في مختصر قيام الليل ص١٠٥ عن ابن جُبَير.
١٢
قال الحسن البصري: هي ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٢٤٩.
١٣
عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد الجرميّ، قال: ليلة القدر تجوُل في ليالي العشر كلّها١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن جرير في تهذيبه.
١٤
عن أبي قِلابة عبد الله بن زيد الجرميّ -من طريق أيوب- قال: ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كلّ وتر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٣٨٦، وابن أبي شيبة ٣‏/‏٧٦، دون قوله: في كلّ وتر.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابن عطية (٨/٦٥٨-٦٥٩): «وليلة القدر مستديرة في أوتار العشر الأواخر من رمضان، هذا هو الصحيح المُعَوّل عليه، وهي في الأوتار بحسب الكمال والنقصان في الشهر، فينبغي لمرتقبها أن يرتقبها من ليلة عشرين في كلّ ليلة إلى آخر الشهر؛ لأنّ الأوتار مع كمال الشهر ليست الأوتار مع نقصانه، وقال رسول الله ﷺ: «لثالثة تبقى، لخامسة تبقى، لسابعة تبقى». وقال: «التمِسُوها في الثالثة والخامسة والسابعة والتاسعة». وقال مالك: يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين. وقال ابن حبيب: يريد مالك إذا كان الشهر ناقصًا. فظاهر هذا أنه عليه السلام احتاط في كمال شهر ونقصانه، وهذا لا تتحصل معه الليلة إلا بعمارة العشر كلّه». ورجّح ابنُ كثير (١٤/٤١٢-٤١٥) -مستندًا إلى السنة- أنّ ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر من رمضان بقوله: «وهو الأشبه». ثم قال: «وقد يُستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين، عن عبد الله بن عمر: أنّ رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأتْ في السبع الأواخر، فمَن كان مُتحرّيها فليتحرَّها في السبع الأواخر»». ونقل عن الشافعي قوله: «أنها لا تنتقل». ثم قال: «ويُحتجّ للشافعي أنها لا تنتقل، وأنها مُعيَّنة من الشهر، بما رواه البخاري في صحيحه، عن عبادة بن الصّامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليُخبِرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجتُ لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرُفعتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمِسُوها في التاسعة والسابعة والخامسة». وجه الدلالة منه: أنها لو لم تكن مُعيّنة مستمرّة التعيين لما حصل لهم العلم بعينها في كلّ سنة، إذا لو كانت تنتقل لما علموا تعيّنها إلا ذلك العام فقط، اللهم إلا أن يقال: إنه إنما خرج ليُعلِمهم بها تلك السنة فقط. وفيها أيضًا عن عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله ﷺ قال: «تَحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» ولفظه للبخاري».
١٥
عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ في ليلة القدر: «إنها آخر ليلة»١
التخريج
  1. ١عزاه ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٤٥٠، والسيوطي بهذا اللفظ إلى الإمام أحمد في مسنده. والذي جاء في مسند أحمد ١٣‏/‏٢٩٥ (٧٩١٧) مخالف لهذه الرواية ولفظه: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أُعطِيتْ أُمّتي خمس خصال في رمضان لم تُعطَها أُمّة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يُفطروا، ويُزيِّن الله عز وجل كلّ يوم جنّته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يُلقوا عنهم المئونة والأذى ويصيروا إليكِ. ويُصفَّد فيه مَرَدة الشياطين، فلا يخلصوا فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويُغفر لهم في آخر ليلة» قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: «لا، ولكن العامل إنما يُوفّى أجره إذا قضى عمله».
١٦
عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ، قال في ليلة القدر: «إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإنّ الملائكة في تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحَصى»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٦‏/‏٤٢٧-٤٢٨ (١٠٧٣٤)، وابن خزيمة ٣‏/‏٥٨٠ (٢١٩٤). قال ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٤٤٩: «تفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٧٥-١٧٦ (٥٠٤٢): «رجاله ثقات». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٣‏/‏١٢٩-١٣٠ (٢٣٦٨): «إسناد حسن». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٣٣٣: «ورجاله -أحمد- رجال الصحيح». وقال في فيض القدير ٥‏/‏٣٩٦ (٧٧٢٦): «رمز المصنف -السيوطي- لصحته». وقال الألباني في الصحيحة ٥‏/‏٢٤٠ (٢٢٠٥): «وهذا إسناد حسن».
١٧
عن معاوية، قال: قال رسول الله ﷺ: «التمِسُوا ليلة القدر آخر ليلة»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن خزيمة ٣‏/‏٥٧٦ (٢١٨٩)، من طريق علي بن الحسين بن إبراهيم بن الحسن، عن علي بن عاصم، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن معاوية بن أبي سفيان به. قال الألباني في الصحيحة ٣‏/‏٤٥٨: «إسناد ضعيف».
١٨
عن أبي ذرّ، قال: صُمنا مع رسول الله ﷺ، فلم يقُم بنا شيئًا مِن الشهر، حتى إذا كانت ليلة أربع وعشرين السابع مما يبقى صَلّى بنا حتى كاد أن يذهب ثُلُث الليل، فلما كانت ليلة خمس وعشرين لم يُصلِّ بنا، فلما كانت ليلة ست وعشرين الخامسة مما يبقي صَلّى بنا حتى كاد أن يذهب شَطْر الليل، فقلتُ: يا رسول الله، لو نفَّلتنا بقيّة ليلتنا. فقال: «لا، إنّ الرجل إذا صَلّى مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة». فلما كانت ليلة سبع وعشرين لم يُصلِّ بنا، فلما كانت ليلة ثمان وعشرين جمع رسول الله ﷺ أهله، واجتمع له الناس، فصَلّى بنا حتى كاد أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يُصلِّ بنا شيئًا مِن الشهر. والفلاح: السُّحُور١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٥‏/‏٣٣١-٣٣٢ (٢١٤١٩)، ٣٥‏/‏٣٥٢ (٢١٤٤٧)، وابن ماجه ٢‏/‏٣٥٣-٣٥٤ (١٣٢٧)، وأبو داود ٢‏/‏٥٢٥-٥٢٦ (١٣٧٥)، والترمذي ٢‏/‏٣٢٦ (٨١٧)، والنسائي ٣‏/‏٨٣ (١٣٦٤)، ٣‏/‏٢٠٢ (١٦٠٥)، وابن خزيمة ٣‏/‏٥٨٩-٥٩٠ (٢٢٠٦)، وابن حبان ٦‏/‏٢٨٨ (٢٥٤٧). قال الترمذي: «هذا حديث صحيح حسن». وقال الرباعي في فتح الغفار ١‏/‏٤٦٦-٤٦٧ (١٤٦٧): «ورجال إسناده عند أهل السنن كلهم رجال الصحيح». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٥‏/‏١٢٠ (١٢٤٥): «إسناده صحيح».
١٩
عن مالك بن مرثد، عن أبيه، قال: سألتُ أبا ذرٍّ، فقلتُ: أسألتَ رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنتُ أسألَ الناس عنها، قلتُ: يا رسول الله، أخبِرني عن ليلة القدر؛ أفي رمضان أو في غيره؟ فقال: «بل هي في رمضان». قلتُ: يا رسول الله، تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قُبض الأنبياء رُفعتْ، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة». فقلتُ: يا رسول الله، في أي رمضان هي؟ قال: «التمِسُوها في العشر الأُوَل، وفي العشر الأواخر». قال: ثم حدّث رسول الله ﷺ وحدّث، فاهتبلتُ غفْلته، فقلتُ: يا رسول الله، أقسمتُ عليك لتخبرني أو لما أخبرتني في أيِّ العشر هي؟ فغضب عَلَيَّ غضبًا ما غضِب عليّ مثله لا قبله ولا بعده. فقال: «إنّ الله لو شاء لأَطلعكم عليها، التمِسُوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٥‏/‏٣٩٣-٣٩٤ (٢١٤٩٩)، والنسائي في الكبرى ٣‏/‏٤٠٧ (٣٤٢٧)، وابن خزيمة ٣‏/‏٥٦٠-٥٦٢ (٢١٦٩، ٢١٧٠)، وابن حبان ٨‏/‏٤٣٨-٤٣٩ (٣٦٨٣)، والحاكم ١‏/‏٦٠٣ (١٥٩٦)، ٢‏/‏٥٧٨ (٣٩٦٠). قال الحاكم في الموضع الأول: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وقال في الموضع الثاني: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٧٧ (٥٠٥٣): «رواه البزار. ومرثد هذا لم يرو عنه غير أبيه مالك، وبقية رجاله ثقات». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٣‏/‏١٣٠-١٣١ (٢٣٦٩): «حديث حسن». وقال ابن حجر في المطالب العالية ٦‏/‏٢٣١ (١١١٧): «هذا إسناد حسن صحيح». وقال الألباني في الضعيفة ٧‏/‏٩٩ (٣١٠٠): «ضعيف».
٢٠
عن عبد الله بن أُنَيس، أنه سئل عن ليلة القدر. فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «التمِسُوها الليلة». وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٨٢٧ (١١٦٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣‏/‏٨٥-٨٦ (٤٦١٩) واللفظ له.
٢١
عن عبد الله بن أُنَيس أنه سأل النَّبِيّ ﷺ عن ليلة القدر. فقال: «تَحرَّوها في النصف الأخير». ثم عاد فسأله، فقال: «إلى ثلاث وعشرين». فكان عبد الله يُحيى ليلة ست عشرة إلى ثلاث وعشرين١
التخريج
  1. ١أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ٣‏/‏٨٨ (٤٦٢٩)، والطبراني في الأوسط ٦‏/‏٣٣٨-٣٣٩ (٦٥٦٨)، من طريق عبد العزيز بن بلال بن عبد الله بن أنيس، عن أبيه بلال بن عبد الله، عن عطية بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن أنيس به. وسنده فيه عبد العزيز بن بلال بن عبد الله بن أنيس الجهني، ووالده بلال؛ لم يُوثِّقهما أحد سوى ابن حبان في الثقات ٨‏/‏٣٩٣، ٦‏/‏٩١.
٢٢
عن ضمرة بن عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه، قال: كنتُ في مجلسٍ من بني سلِمة وأنا أصغرهم، فقالوا: مَن يسأل لنا رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، قال: فخرجتُ، فوافيتُ مع رسول الله ﷺ صلاة المغرب، ثم نمتُ بباب بيته، فمَرّ بي، فقال: «ادخل». فدخلتُ، فأُتي بعشائه، فرأيتني أكفّ عنه مِن قِلّته، فلما فرغ قال: «ناوِلني نعلي». فقام، وقمتُ معه، فقال: «كان لك حاجة؟». فقلتُ: أرسَلني إليك رهطٌ من بني سلِمة يسألونك عن ليلة القدر. فقال: «كم الليلة؟». فقلت: اثنان وعشرون. فقال: «هي الليلة». ثم رجع، فقال: «أو الثالثة». يريد: ليلة ثلاث وعشرين١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٢‏/‏٥٢٨-٥٢٩ (١٣٧٩)، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥١. قال الألباني في صحيح أبي داود ٥‏/‏١٢٣-١٢٤ (١٢٤٨): «إسناد حسن صحيح».
٢٣
عن أبي النّضر مولى عمر بن عبيد الله، أنّ عبد الله بن أنيس الجُهَني قال لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، إني رجل شاسع الدار١، فمُرني بليلة أنزل لها. فقال رسول الله ﷺ: «انزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان»٢
التخريج
  1. ١شاسع الدار: بعيدها. النهاية (شسع).
  2. ٢أخرجه مالك ١‏/‏٤٢٧ (٨٩٣)، من طريق أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عبد الله بن أنيس الجهني به. قال ابن عبد البر في الاستذكار ٣‏/‏٤١٠: «وهذا حديث منقطع؛ ولم يلق أبو النّضر عبد الله بن أنيس ولا رآه، ولكنه يتصل من وجوه شتى صحاح ثابتة؛ منها: ما رواه الزُّهريّ عن ضمرة بن عبد الله بن أُنَيس، عن أبيه، عن النبي ﷺ، متصل».
٢٤
عن الزُّهريّ، قال: قلتُ لضمرة بن عبد الله بن أُنَيس: ما قال النبيُّ ﷺ لأبيك ليلة القدر؟ قال:كان أبي صاحب بادية، قال: فقلت: يا رسول الله، مُرني بليلة أنزل فيها؟ قال: «انزل ليلة ثلاث وعشرين». قال: فلما تولى قال رسول الله ﷺ: «اطلبوها في العشر الأواخر»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي (٣٦٧٦).
٢٥
عن عبد الرحمن بن جَوْشَن، قال: ذكرتُ ليلة القدر عند أبي بَكرة، فقال أبو بَكرة: أمّا أنا فلستُ بملتمِسها إلا في العشر الأواخر، بعد حديثٍ سمعتُه من رسول الله ﷺ يقول: «التمِسُوها في العشر الأواخر؛ لتاسعة تبقى، أو سابعة تبقى، أو خامسة تبقى، أو ثالثة تبقى، أو آخر ليلة». فكان أبو بَكرة يُصلِّي في عشرين من رمضان كما كان يُصلِّي في سائر السنة، فإذا دخل العشر اجتهد١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٤‏/‏١١ (٢٠٣٧٦)، ٣٤‏/‏٤٤ (٢٠٤٠٤)، ٣٤‏/‏٥٩ (٢٠٤١٧)، وأبو داود الطيالسي في مسنده ٢‏/‏٢٠٦ (٩٢٢) واللفظ له، والترمذي ٢‏/‏٣١٣-٣١٤ (٨٠٥)، وابن خزيمة ٣‏/‏٥٦٦ (٢١٧٥)، وابن حبان ٨‏/‏٤٤٢ (٣٦٨٦)، والحاكم ١‏/‏٦٠٤ (١٥٩٨)، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥٤. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».
٢٦
عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أيها الناس، إنها كانت أُبينَت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقّان١ معهما الشيطان، فنُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان؛ التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة». قال: قلت: يا أبا سعيد، إنكم أعلم بالعدد منا. قال: أجل، نحن أحق بذلك منكم. قال: قلت: ما التاسعة، والسابعة، والخامسة؟ قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتين وعشرين، وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة٢
التخريج
  1. ١يحتقّان: يختصمان ويطلب كل واحد منهما حقه. النهاية (حقق).
  2. ٢أخرجه مسلم ٢‏/‏٨٢٦ (١١٦٧).
٢٧
عن أبي سعيد الخدريّ، قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج فيها من اعتكافه، فقال: «مَن اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيتُ هذه الليلة ثم نُسِّيتُها، وقد رأيتُني أسجد مِن صبيحتها في ماء وطين، فالتمِسُوها في العشر الأواخر، والتمِسُوها في كلّ وتر». قال أبو سعيد: فمطرت السماء مِن تلك الليلة، وكان المسجد على عريش، فوكَف المسجد١، قال أبو سعيد: فأبصرتْ عيناي رسول الله ﷺ وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين٢
التخريج
  1. ١وكف المسجد: هطل وقطر. اللسان (وكف).
  2. ٢أخرجه البخاري ١‏/‏١٦٢-١٦٣ (٨١٣)، ٣‏/‏٤٦ (٢٠١٦)، ٣‏/‏٤٦-٤٧ (٢٠١٨)، ٣‏/‏٤٨ (٢٠٢٧)، ٣‏/‏٤٩-٥٠ (٢٠٣٦)، ٣‏/‏٥٠-٥١ (٢٠٤٠)، ومسلم ٢‏/‏٨٢٤-٨٢٦ (١١٦٧)، وأبو داود ٢‏/‏٥٣١-٥٣٢ (١٣٨٢) واللفظ له مع اختلاف يسير، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥٠.
٢٨
عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليلة القدر أربع وعشرون»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطيالسي ٣‏/‏٦٢٢ (٢٢٨١)، من طريق الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد به. قال ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٤٤٧: «إسناده رجاله ثقات». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٣٣٣: «إسناده حسن». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٥‏/‏١٢٧: «وهو منكر أو شاذ».
٢٩
عن بلال، قال: قال رسول الله ﷺ: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٩‏/‏٣٢٣ (٢٣٨٩٠)، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥٢، من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن بلال به. قال ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٤٤٨: «ابن لهيعة ضعيف». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٧٦ (٥٠٤٤): «إسناده حسن». وقال ابن حجر في الفتح ٤‏/‏٢٦٤: «وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه؛ فقد رواه عمرو بن الحارث عن يزيد بهذا الإسناد موقوفًا بغير لفظه». وقال المناوي في التيسير ٢‏/‏٣٣٣: «إسناده حسن». وقال في فيض القدير ٥‏/‏٣٩٥ (٧٧٢٤): «المصنف -السيوطي- رمز لصحته».
٣٠
عن زِرّ بن حُبَيش، قال: سألتُ أُبيّ بن كعب عن ليلة القدر، قلتُ: إنّ أخاك عبد الله بن مسعود يقول: مَن يَقُم الحَوْل يُصِبْ ليلة القدر. فحلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين، قلتُ: بم تقول ذلك، أبا المنذر؟ قال: بالآية والعلامة التي قال رسول الله ﷺ: أنها تصبح من ذلك اليوم تطلع الشمس ليس لها شعاع. ولفظ ابن حبان: بيضاء لا شعاع لها، كأنها طَست١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٨٢٨ (٧٦٢)، وابن حبان ٨‏/‏٤٤٥-٤٤٦ (٣٦٩٠)، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥٣.
٣١
عن النُّعمان بن بشير، قال: قُمنا مع رسول الله ﷺ في رمضان ليلة ثلاث وعشرين إلى ثُلُث الليل، ثم قُمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قُمنا معه ليلة سبع وعشرين، حتى ظننتُ أنّا لا ندرك الفلاح، وكُنّا نُسمِّيها: الفلاح، وأنتم تُسمُّونها: السُّحور، وأنتم تقولون: ليلة سابعة ثلاث وعشرين، ونحن نقول: ليلة سابعة سبع وعشرين. أفنحن أصوب أم أنتم؟١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٠‏/‏٣٥١ (١٨٤٠٢)، وابن خزيمة ٣‏/‏٥٨٧-٥٨٨ (٢٢٠٤). وأخرجه مختصرًا النسائي ٣‏/‏٢٠٣ (١٦٠٦)، والحاكم ١‏/‏٦٠٧ (١٦٠٨). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط البخاري، ولم يخرجاه». وقال النووي في خلاصة الأحكام ١‏/‏٥٧٦ (١٩٦٠): «إسناد حسن».
٣٢
عن عبد الله بن مسعود -من طريق الأسود- قال: التمِسُوا ليلة القدر لسبع عشرة خلتْ من رمضان؛ فإنها صبيحة يوم بدر التي قال الله: ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ [الأنفال:٤١]، وفي إحدى وعشرين، وفي ثلاث وعشرين فإنها لا تكون إلا في وتر١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٩٩٦- تفسير)، وابن أبي شيبة ٢‏/‏٥١٤، ومحمد بن نصر ص١٠٨، والطبراني (٩٠٧٤). وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣٣
عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا كانت السنة في ليلة كانت العام المقبل في ليلة أخرى١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٢٤٩.
٣٤
عن عبد الله بن يُحَنَّس مولى معاوية، قال: قلتُ لأبي هريرة: زعموا أنّ ليلة القدر قد رُفعتْ. قال: كذب مَن قال ذلك. قلتُ: هي في كلّ رمضان أستقبله؟ قال: نعم. قلتُ له: زعموا أنّ الساعة التي في الجمعة لا يدعو فيها مسلم إلا استجيب له قد رُفعتْ. قال: كذب مَن قال ذلك. قلتُ: هي في كلّ جمعة استقبلتُها؟ قال: نعم١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٣٥
عن أنس، عن النبيِّ ﷺ، قال: «إنّ الله وهب لأُمّتي ليلة القدر، ولم يُعطها مَن كان قبلهم»١
التخريج
  1. ١أورده الديلمي في الفردوس ١‏/‏١٧٣ (٦٤٧). وقال الخركوشي في شرف المصطفى ٤‏/‏٢٢٩: «في إسناده إسماعيل بن أبي زياد، وهو متروك». وقال الألباني في الضعيفة ٧‏/‏١٠٦ (٣١٠٦): «موضوع».
٣٦
عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: «التمِسُوا ليلة القدر في أول ليلة من رمضان، وفي تسعة، وفي إحدى عشرة، وفي إحدى وعشرين، وفي آخر ليلة من رمضان»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن مردويه -كما في الفتح ٤‏/‏٢٦٥-. قال ابن حجر: «إسناد ضعيف».
٣٧
عن أنس بن مالك، أن النبيّ ﷺ قال: «التمِسُوها في العشر الأواخر؛ في تاسعة، وسابعة، وخامسة»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢١‏/‏١٢١ (١٣٤٥٢) واللفظ له، ومالك ١‏/‏٤٢٧ (٨٩٤)، والنسائي في الكبرى ٣‏/‏٣٩٧ (٣٣٨٢)، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥٣. وسنده صحيح.
٣٨
عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر. فقال: «هي في كلّ رمضان»١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو داود ٢‏/‏٥٣٥ (١٣٨٧)، من طريق موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن عبد الله بن عمر به. قال أبو داود: «رواه سفيان، وشعبة، عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عمر، لم يرفعاه إلى النبي ﷺ». وأورده الدارقطني في العلل ١٢‏/‏٣٧٨ (٢٨٠٧). وقال ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٤٤٦: «وهذا إسناد رجاله ثقات». وقال الألباني في ضعيف أبي داود ٢‏/‏٦٧ (٢٤٥) معقبًا على كلام أبي داود: «قلت: وهذا هو الصواب -أنه موقوف غير مرفوع-؛ لأنّ أبا إسحاق -وهو السبيعي- كان اختلط. وقد روى عنه سفيان وشعبة قبل الاختلاط؛ فالظاهر أنه رفعه بعد الاختلاط؛ فتلقّاه عنه موسى بن عقبة -وهو ثقة- مرفوعًا، وهو واهم في رفعه».
٣٩
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن كان ملتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٨٢٣ (١١٦٥)، ويحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥‏/‏١٤٩-.
٤٠
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٨٢٣ (١١٦٥).
٤١
عن ابن عمر: أنّ رجالًا مِن أصحاب النَّبِيّ ﷺ رأَوا ليلة القدر في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: «إنّي أرى رؤياكم قد تواطأتْ في السبع الأواخر، فمَن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏٥٥ (١١٥٨)، ٣‏/‏٤٦ (٢٠١٥)، ٩‏/‏٣١-٣٢ (٦٩٩١)، ومسلم ٢‏/‏٨٢٢ (١١٦٥).
٤٢
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «التمِسُوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٨‏/‏٤٢٦ (٤٨٠٨)، ١٠‏/‏٤٩٣-٤٩٤ (٦٤٧٤)، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥٣. قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٧٦ (٥٠٤٥): «رجاله رجال الصحيح». وقال المناوي في التيسير ١‏/‏٤٤٤: «ورجاله رجال الصحيح». وقال الرباعي في فتح الغفار ٢‏/‏٩٣٤ (٢٩٠٨): «إسناد صحيح».
٤٣
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٤٦ (٢٠١٧)، ٣‏/‏٤٧ (٢٠١٩، ٢٠٢٠)، ومسلم ٢‏/‏٨٢٨ (١١٦٩).
٤٤
عن عائشة، قالت: قلتُ: يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر فما أقول؟ قال: «قولي: اللهم، إنّك عفوٌّ تُحِبُّ العفوَ فاعفُ عني»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٢‏/‏٢٣٦ (٢٥٣٨٤)، ٤٢‏/‏٣١٥-٣١٦ (٢٥٤٩٥)، ٤٢‏/‏٣١٧ (٢٥٤٩٧)، ٤٢‏/‏٣٢١-٣٢٢ (٢٥٥٠٥)، ٤٢‏/‏٤٨٣-٤٨٤ (٢٥٧٤١)، ٤٣‏/‏٢٧٧ (٢٦٢١٥)، وابن ماجه ٥‏/‏٢٠ (٣٨٥٠)، والترمذي ٥‏/‏١١٩ (٣٨٢٢)، والحاكم ١‏/‏٧١٢ (١٩٤٢)، والثعلبي ١٠‏/‏٢٥٥. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». وأورده الدارقطني في العلل ١٥‏/‏٨٨ (٣٨٦٠). وقال النووي في الأذكار ص٣٣٢ (٩٩٣): «أسانيد الصحيحة».
٤٥
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «التمِسُوها في العشر الأواخر من رمضان؛ في تاسعة تبقى، وفي سابعة تبقى، وفي خامسة تبقى»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٤٧ (٢٠٢١، ٢٠٢٢).
٤٦
عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال: «في رمضان في العشر الأواخر؛ فإنها في وتر ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو آخر ليلة من رمضان، مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن أماراتها أنها ليلة بَلْجَة١ صافية، ساكنة ساجية٢، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ولا يحلّ لنجم أن يُرمى به في تلك الليلة حتى الصباح، ومن أماراتها أنّ الشمس تطلع صبيحتها مستوية لا شعاع لها، كأنها القمر ليلة البدر، وحرّم الله على الشيطان أن يخرج معها يومئذ»٣
التخريج
  1. ١بلجة: مشرقة، والبلجة -بالضم والفتح-: ضوء الصبح. النهاية (بلج).
  2. ٢ليلة ساجية: إذا كانت ساكنة البرد والريح والسحاب، غير مظلمة. اللسان (سجا).
  3. ٣أخرجه أحمد ٣٧‏/‏٣٨٦-٣٨٧ (٢٢٧١٣)، ٣٧‏/‏٤٠٦ (٢٢٧٤١)، ٣٧‏/‏٤٢٣ (٢٢٧٦٣)، ٣٧‏/‏٤٢٥ (٢٢٧٦٥). قال ابن عبد البر في الاستذكار ٣‏/‏٤١٧: «هذا حديث حسن، حديث غريب». وقال ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٤٤٥: «وهذا إسناد حسن، وفي المتن غرابة، وفي بعض ألفاظه نكارة». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١٧٥ (٥٠٤١): «رجاله ثقات».
٤٧
عن عبادة بن الصامت، قال: خرج نبي الله ﷺ وهو يريد أن يخبرنا بليلة القدر، فتلاحى١ رجلان من المسلمين، قال: «خرجتُ لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين؛ فلان وفلان، فرُفعتْ وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمِسُوها في التاسعة والسابعة والخامسة»٢
التخريج
  1. ١تلاحى: تنازع. النهاية (لحا).
  2. ٢أخرجه البخاري ١‏/‏١٩ (٤٩)، ٣‏/‏٤٧ (٢٠٢٣)، ٨‏/‏١٦ (٦٠٤٩).
٤٨
عن أبي هريرة، قال: ذكرنا ليلة القدر عند رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «كم بقي مِن الشهر؟». قلنا: مضتْ ثنتان وعشرون، وبقي ثمانٍ. فقال رسول الله ﷺ: «لا، بل مضت منه ثنتان وعشرون، وبقي سبع، اطلبوها الليلة». وفي رواية بزيادة: «الشهر تسع وعشرون»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ١٢‏/‏٣٨٨ (٧٤٢٣) واللفظ له، وابن ماجه ١‏/‏٥٣٠ (١٦٥٦)، وابن خزيمة ٣‏/‏٥٦٨-٥٦٩ (٢١٧٩)، وابن حبان ٦‏/‏٢٨٩ (٢٥٤٨)، ٨‏/‏٢٣٣ (٣٤٥٠)، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به.

تفسير

١١ قولًا
١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ قال: ليلة الحُكم، ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القدر﴾ قال: ليلة الحُكم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢‏/‏٥١٥، وابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٤.
٢
عن ربيعة بن كلثوم، قال: قال رجل للحسن [البصري] وأنا أسمع: رأيتَ ليلة القدر في كلّ رمضان هي؟ قال: نعم، واللهِ الذي لا إله إلا هو، إنها لَفي كلّ رمضان، وإنها لليلة القدر، ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]، يقضي الله كلّ أجلٍ وعملٍ ورزقٍ، إلى مثلها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٤.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابن جرير (٢٤/٥٤٤) غير قول ربيعة، ومجاهد. وذكر ابنُ عطية (٨/٦٥٨) نحو قول ربيعة عن ابن عباس، وقتادة، ثم علّق عليهما، فقال: «وذكر ابن عباس وقتادة وغيره: أنها سُمِّيتْ ليلة القدر لأنّ الله تعالى يُقدِّر فيها الآجال والأرزاق وحوادث العالم كلّها، ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله، ولهذا ظواهر من كتاب الله عز وجل على نحو قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ [الدخان:٤]، وأمّا الصِّحَّة المقطوع بها فغير موجودة».
٣
قال محمد بن شهاب الزُّهريّ: هي ليلة العظمة والشرف١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ١٠‏/‏٢٤٨، وعقبه: من قول الناس: لفلان عند الأمير قدر، أي: جاه ومنزلة.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ في ليلة من شهر رمضان من السماء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٧١.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾، قال: أُنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة، من الذِّكر الذي عند ربّ العِزّة، حتى وُضع في بيت العِزّة في السماء الدنيا، ثم جعل جبريل ينزل على محمد بِحِراء بجواب كلام العباد وأعمالهم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الضريس (١١٦، ١١٧، ١٢١)، وابن جرير ٣‏/‏١٩٠-١٩١، ٢٤‏/‏٥٤٢ بنحوه، وابن أبي حاتم ١‏/‏٣١٠-٣١١ (١٦٥٠) بمعناه، والحاكم ٢‏/‏٢٢٢، والبيهقي في الدلائل ٧‏/‏١٣-١٣٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وابن مردويه.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جُبَير- في قوله: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾، قال: أُنزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، فكان بموقع النجوم، فكان الله يُنزله على رسوله بعضه في أثر بعض. ثم قرأ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان:٣٢]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (ت: محمد عوامة) ١٥‏/‏٥٢٧-٥٢٨ (٣٠٨١٦) بنحوه، والنسائي في السنن الكبرى (ت: شعيب الأرناؤوط) ١٠‏/‏٣٤١ (١١٦٢٥)، وابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٣-٥٤٤، وبنحوه من طريق حكيم. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٥‏/‏١٤٩- بنحوه.
٧
عن سعيد بن جُبَير -من طريق مسلم- قال: أُنزل القرآن جملة واحدة، ثم أنزَل ربّنا في ليلة القدر: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٣.
٨
عن عامر الشعبي -من طريق داود ابن أبي هند- أنه قال في قول الله: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾، قال: نزل أول القرآن في ليلة القدر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٣.
٩
عن عامر الشعبي -من طريق داود- في قوله: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾، قال: بلغنا: أنّ القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٣.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٢٤/٥٤٢-٥٤٣) غير قول الشعبي، وسعيد بن جُبَير، وابن عباس.
١٠
عن الربيع بن أنس، ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾، قال: أنَزل الله القرآن جملة في ليلة القدر كلَّه١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾، يعني: القرآن، أنزله الله عز وجل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى السَّفرة وهم الكَتبة من الملائكة، وكان ينزل تلك الليلة من الوحي على قدر ما ينزل به جبريل عليه السلام على النبي ﷺ في السنة كلّها إلى مثلها مِن قابلٍ، حتى نزل القرآن كلّه١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٧٧١.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابن عطية (٥/٥٠٤ ط: دار الكتب العلمية) في قوله: ﴿إنا أنزلناه﴾ عدة أقوال، وعلّق عليها، الأول: ذكره عن الشعبي وغيره أنّ المعنى: «إنّا ابتدأنا إنزال هذا القرآن إليك ليلة القدر». ثم علّق قائلًا: «وقد رُوي أنّ نزول المَلك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان، فيستقيم هذا التأويل، وقد رُوي أنّ نزول المَلك كان في الرابع عشر من رمضان، فلا يستقيم هذا التأويل إلا على قول مَن يقول: إن ليلة القدر تستدير الشهر كلّه، ولا تختص بالعشر الأواخر. وهو قول ضعيف، حديث النبي ﷺ يردّه في قوله: «فالتمِسُوها في العشر الأواخر من رمضان»». الثاني: ذكره عن جماعة من المتأولين لم يُسمّهم أنّ المعنى: «إنّا أنزلنا هذه السورة في شأن ليلة القدر وفي فضلها». وعلّق قائلًا: «ولما كانت السورة من القرآن جاء الضمير للقرآن تفخيمًا وتحسينًا، فقوله تعالى: ﴿في ليلة﴾ هو على نحو قول عمر بن الخطاب: لقد خشيتْ أن ينزل فِيّ قرآن ليلة نزول سورة الفتح. ونحو قول عائشة في حديث الإفك: لأنا أحقَر في نفسي من أن ينزل فِيّ قرآن».

نزول الآية

٣ أقوال
١
عن يوسف بن سعد -من طريق القاسم بن الفضل- قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية، فقال: سوّدتَ وجوه المؤمنين. فقال: لا تؤنّبني، رحمك الله، فإنّ النبيَّ ﷺ أُرِي بني أُميّة على منبره، فساءه ذلك؛ فنزلت: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] يا محمد، يعني: نهرًا في الجنة، ونزلت: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١-٣] يملكها بعدك بنو أُميّة، يا محمد. قال القاسم: فعددنا، فإذا هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي (٣٣٥٠)، وابن جرير ٢٤‏/‏٥٤٦-٥٤٧ عن عيسى بن مازن، والطبراني (٢٧٥٤)، والحاكم ٣‏/‏١٧٠-١٧١، والبيهقي في الدلائل ٦‏/‏٥٠٩-٥١٠. وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه. ذكر الترمذي أنه حديث غريب، وأن يوسف بن سعد رجل مجهول. وصححه الحاكم. وقال ابن كثير في تفسيره ١٤‏/‏٤٠٤-٤٠٥ بعد أن نقل كلام الترمذي: «وقول الترمذي: إنّ يوسف هذا مجهول. فيه نظر؛ فإنه قد روى عنه جماعة، منهم: حمّاد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد. وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور. وفي رواية عن ابن معين قال: هو ثقة. ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، كذا قال، وهذا يقتضي اضطرابًا في هذا الحديث، ثم هذا الحديث على كلّ تقدير منكر جدًّا. قال شيخنا الإمام الحافظ الحجّة أبو الحجّاج المِزِّي: هو حديث منكر». وقال الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٦٦٣): «ضعيف الإسناد مضطرب، ومتنه منكر».
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (٨/٦٦٠) هذا الأثر، ثم قال معلّقًا: «ثم كشف الغيبُ أنْ كان من سنة الجماعة إلى قتْل مروان الجعْدي هذا القدر من الزمان بعينه، ثم إنّ القول يعارضه أنه قد مَلَك بنو أُميّة في غرب الأرض مدة غير هذه». وذكر هذا الأثر ابنُ كثير (١٤/٤٠٤-٤٠٥) ثم انتقده -مستندًا إلى دلالة التاريخ والعقل وأحوال النزول- فقال: «قلتُ: وقول القاسم بن الفضل الحداني إنه حسب مدة بني أُميّة فوجدها ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص، ليس بصحيح؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استقلّ بالمُلك حين سَلّم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسُمِّي ذلك عام الجماعة، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزُّبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريبًا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية، بل عن بعض البلاد، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإنّ الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزُّبير، وعلى هذا فتقارب ما قاله الصحة في الحساب، والله أعلم. ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذمّ دولة بني أُميّة، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق؛ فإنّ تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذمّ أيامهم، فإنّ ليلة القدر شريفة جدًّا، والسورة الكريمة إنما جاءتْ لمدح ليلة القدر، فكيف تُمدح بتفضيلها على أيام بني أُميّة التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث. ثم الذي يُفهم من ولاية الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أُميّة، والسورة مكّيّة، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أُميّة، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟! والمنبر إنما صُنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كلّه مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته».
٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق داود بن علي، عن أبيه، عن جده- قال: رأى رسول الله ﷺ بني أُميّة على منبره، فساءه ذلك، فأوحى الله إليه: إنما هو مُلك يصيبونه، ونزلت: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:١-٣]١
التخريج
  1. ١أخرجه الخطيب في تاريخه ٨‏/‏٢٨٠. قال ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٢٩٤): «هذا حديث لا يصح».
٣
عن سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ: «أُريتُ بني أُميّة يصعدون منبري، فشقّ ذلك عليّ؛ فأُنزِلَتْ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾»١
التخريج
  1. ١أخرجه الخطيب ٩‏/‏٤٤.
التفسير بالمأثور لسورة القدر كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة القدر

٢١ وقفةً في هذه الآية

  • لماذا سميت ليلة القدر بهذا الاسم ؟ قيل: من القدر= التضييق قال الخليل بن أحمد: (لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم فيها تلك الليلة)

    — نايف الفيصل

  • لو قُدر لعابد أن يعبد ربه أكثر من 83 سنة ليس فيه ليلة القدر .. وقام موفق هذه الليلة وقُبلت منه لكان عمل هذا الموفق خير من ذاك العابد.

    — نايف الفيصل

  • (إنا أنزلناه في ليلة القدر) سميت ليلة القدر لعظم قدرها وفضلها ، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من المقادير.

    — محمد السريع

  • إنا أنزلناه في ليلة '' القدر '' } كيف لا تكون عظيمة القدر !! وقد أنزل فيها كتاب ذو قدر بواسطة ملك ذي قدر على رسول ذي قدر وأمة ذات قدر ..

    — نايف الفيصل

  • ﴿ إنّا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ شهر رمضان خيرته من الشهور وليلة القدر خيرته من الليالي ومكة خيرته من الأرض ومحمد ﷺ خيرته من خلقه.

    — ابن قيم الجوزية (ابن القيم)

  • عظم القرآن من ثلاثة أوجه: ١- أن أسند إنزاله إليه وجعله مختصًا به دون غيره. ٢- أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر، شهادة له بالنباهة، والاستغناء عن التنبيه عليه. ٣- الرفع من مقدار الوقت الذي أنزل فيه.

    — الزمخشري

  • كم طارت نفوس الصالحين شوقًا لقيام هذه الليلة التي عظّم الله قدرها! أليست هي التي نزل فيها أشرف كلام؟ وجعلها الله خيرًا من ألف شهر؟ وفيها تتنـزل ملائكة الله؟ تا الله إنَّ المتاجر فيها مع الله لهو الرابح.. أليس من يحرم فضلها محروم؟

    — عمر المقبل

  • ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ ليلة نزل فيها القرآن جعلها خيرا من ثلاثين ألف ليلة. فكيف بقلبك الذي آمن بالقرآن ولسانك الذي يتلوه.

    — عبدالله بلقاسم

  • تطبيقات تدبرية سورة القدر آية:١

    — محمد بن عبدالعزيز الخضيري

  • برنامج رحاب القرآن سورة القدر أية 1

    — عبدالعزيز محمد الدعيج

  • {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}بالأمس نسأل الله أن يبلغنا إياها، واليوم نسأله أن يجعلنا ممن قامها إيمانًا واحتسابًا.

    — محمد الربيعة

  • ما كان الله لينسب إنزال القرآن إليه إلا لبيان عظمة ما اشتمل عليه من الحق والهدي , وما بلغه من تمام الشرف والرفعة , وقد افلح من استمسك به .

    — مصحف تدبر المفصل

و٩ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١ من سورة القدر

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١ من سورة القدر

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(1) Indeed, We sent it [i.e., the Qur’ān] down during the Night of Decree.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال