اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، أي : القرآن، أضمر للعلم به ﴿فِي لَيْلَةِ القدر﴾ يجوز أن يكون ظرفاً للإنزال، والقرآن كله كالسورة الواحدة، وقال تعالى :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] يريد : ليلة القدر.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : نزل به جبريل - عليه السلام - جملة(١) واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا إلى بيت العزة، وأملاه جبريل على السَّفرةِ، ثم كان جبريل ينزله على النبي ﷺ منجماً، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة(٢).
حكى الماورديُّ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : نزل القرآنُ في شهر رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة، جملة واحدة من عند الله، من اللوح المحفوظ إلى السَّفرة الكرام الكاتبين في سماء الدنيا، فنجمته السَّفرة الكرام الكاتبون على جبريل عشرين سنة، ونجمه جبريل على النبي ﷺ عشرين سنة(٣).
قال ابن العربي : وهذا باطل، ليس بين جبريل - عليه السَّلام - وبين الله واسطة، ولا بين جبريل ومحمد - عليهما السلام - واسطة.
وقيل : المعنى أنزل في شأنها وفضلها، فليست ظرفاً، وإنما كقول عمر - رضي الله عنه - : خشيت أن ينزل فيَّ قرآن، وقول عائشة - رضي الله عنها - : لأنا أحقر في نفسي أن ينزل فيّ قرآن(٤).
وسميت ليلة القدر بذلك ؛ لأن الله يقدر فيها ما يشاء من أمره إلى مثلها من السَّنة القابلة، من أمر الموت، والأجل، والرزق، وغيره، ويسلمه إلى مدبرات الأمور، وهم أربعة من الملائكة : إسرافيل، وميكائيل، وعزرائيل، وجبريل، عليهم السلام.
وعن ابن عباس أيضاً : إن الله يقضي الأقضية في ليلة نصف شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر، وأما تضييقها بالملائكة قال الخليل : لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة ؛ كقوله تعالى :﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧].
وقيل : سميت بذلك لعظمها، وشرفها، وقدرها، من قولهم : لفلان قدر، أي : شرف ومنزلة، قاله الزهري. وقيل : سميت بذلك لأن للطاعة فيها قدراً عظيماً، وثواباً جزيلاً. وقيل : لأنه أنزل فيها كتاباً ذا قدر، على رسول ذي قدر، على أمه ذاتِ قدر، والقدر : مصدر، والمراد ما يمضيه الله تعالى من الأمور، قال الله تعالى :﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وهو بمعنى القدر، إلا أنه بالتسكين، مصدر، وبالفتح اسم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:فصل في تعيين ليلة القدر
اختلفوا في تعيين ليلة القدر، فالأكثرون على أنها ليلة سبع وعشرين، لحديث أبيٍّ ابن كعب : أنها في العشر الأواخر، وأنَّها ليلةُ سبعٍ وعشرين(٦). قال رسول الله ﷺ :«مَنْ كَانَ مُتَحَرِّياً لليلة القدرِ فَلْيَتَحَرَّهَا في ليلة سبعٍ وعشرين»(٧). وقال أبيُّ بن كعب : سَمعتُ رسول الله ﷺ يقول :«لَيلَةُ القَدرِ سَبعٍ وعشْرينَ»(٨). وقال أبو بكر الوراق : كرر ذكرها ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، فيكون سبعة وعشرين. وقال عبيد بن عمير : كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائه، فوجدته عذباً سلسا.
وقال أبو هريرة وغيره : هي في ليلة السنة كلها(٩)، وإليه ذهب أبو حنيفة، وعنه أنها رفعت، وأنها إنما كانت مرة واحدة، قال الخليل : من قال : إن فضلها لنزول القرآن [ يقول ] انقطعت، والجمهور على أنها في كل عام من رمضان، ثم اختلفوا.
فقيل : هي ليلة إحدى وعشرين، وإليه مال الشافعي - رضي الله عنه - لحديث الماء والطين.
وقيل : ليلة الثالث والعشرين لما روى ابن عمر - رضي الله عنه - «أنَّ رجلاً قال : يا رسول الله، إني رأيتُ ليلة القدر في سابعة تبقى، فقال النبي ﷺ :«أرَى رُؤيَاكُمْ قَدْ تَواطَأتْ عَلى ثَلاثٍ وعِشريْنَ، فَمَنْ أرَادَ أن يقُومَ مِنَ الشَّهرِ شَيْئاً فليَقُمْ لَيْلَةَ ثلاثٍ وعِشْريْنَ»(١٠).
وقيل : ليلة خمس وعشرين، لما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله ﷺ قال :«التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخرِ، في تَاسعةٍ تَبْقَى، في سابِعةٍ تَبْقَى، فِي خَامسةٍ تَبْقَى»(١١).
[ قال مالك رضي الله عنه : يريد بالتاسعة ليلة إحدى وعشرين، وبالسابعة ليلة ثلاث وعشرين، وبالخامسة ليلة خمس وعشرين.
وقيل : سبع وعشرين وقد تقدم ](١٢).
وقيل : ليلة تسع وعشرين، لقول النبي ﷺ :«لَيْلةُ القَدرِ التَّاسعةُ والعِشرُونَ، والسَّابِعَةُ والعِشْرُونَ»(١٣).
وقال الحسن - رضي الله عنه - :«ارتقبت الشمس ليلة أربع وعشرين عشرين سنة، فرأيتها تطلع بيضاء لا شعاع لها، يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة»(١٤).
[ وروي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنها في ليالي الأفراد من النصف الأخير من شهر رمضان مستقلة في ليالي الجمع، ونظمه محمد ابن الأثير فقال :[ الطويل ]
٥٢٦٣- ثَلاثُ شُرُوطٍ هُنَّ فِي ليْلَةِ القَدرِكَذَا قَال شَيخُ العُربِ فِيهَا أبُو بكْرٍ
فأوَّلُهَا وتْرٌ وليْلةُ جُمْعَةٍوثَالثُهَا النِّصفُ الأخيرُ من الشَّهْرِ
وقيل : هي تنتقل في جميع السنة ](١٥).
قالوا : والحكمة في إخفائها ليجتهد الناس في إحياء جميع الليالي، كما أخفى رمضان في الطاعات، حتى يرغبوا في الكل، وأخفى ساعة الإجابة في الدعاء، ليبالغوا في كل الساعات، وأخفى الاسم الأعظم، ليعظموا كل الأسماء، وأخفى قبول التوبة، ليحافظوا على جميع أقسام التوبة، وأخفى وقت الموت، ليخاف الموت المكلف، وكذلك أخفى هذه الليلة، ليعظموا جميع ليالي رمضان. فصل في أحكام تتعلق بليلة القدر
نقل القرطبي(١٦) عن بعض العلماء : أن من علق طلاق امرأته أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع الطلاق والعتق إلى مضي سنةٍ من يوم حلف ؛ لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا ينبغي وقوع الطلاق إلا لمضي حولٍ.
وفي هذا نظر ؛ لأنه تقدم عن أبي حنيفة في أحد قوليه أنها رفعت، فعلى هذا لا ينبغي أن يقع شيء أصلاً، لوجود الخلاف في بقائها.


١ في أ: دفعة..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦٥١)، عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٢٨)، وزاد نسبته إلى ابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "الدلائل"..
٣ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/٣١١)، والقرطبي (٢٠/٨٨)..
٤ جزء من حديث الإفك وقد تقدم تخريجه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى