روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر﴾ الضمير عند الجمهور للقرآن وادعى الإمام فيه إجماع المفسرين وكأنه لم يعتد بقول من قال منهم برجوعه لجبريل عليه السلام أو غيره لضعفه قالوا في التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره تعظيم له أي تعظيم لما أنه يشعر بأنه لعلو شأنه كأنه حاضر عند كل أحد فهو في قولة المذكور وكذا في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين وتأكيد الجملة وأشار الزمخشري إلى إفادة الجملة اختصاص الإنزال به سبحانه بناء على أنها من باب أنا سعيت في حاجتك مما قدم فيه الفاعل المعنوي على الفعل وتعقب بأن ما ذكروه في الضمير المنفصل دون المتصل كما في اسم أن هنا نعم الاختصاص يفهم من سياق الكلام وفيه أنهم لم يصرحوا باشتراط ما ذكر وكذا في تفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى :﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر﴾ لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق لا يعلم ذلك ولا يعلم به إلا علام الغيوب كما يشعر به قوله سبحانه :﴿لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فإن بيان إجمالي لشأنها أثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها وعن سفيان بن عيينية أن كل ما في القرآن من قوله تعالى :﴿مَا أَدْرَاكَ﴾ [الحاقة: ٣] أعلم الله تعالى به نبيه ﷺ وما فيه من قوله سبحانه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [الأحزاب: ٦٣] لم يعلمه عز وجل به وقد مر بيان كيفية إعراب الجملتين وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التعظيم والتفخيم ما لا يخفى والمراد بإنزاله فيها إنزاله كله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فقد صح عن ابن عباس أنه قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله تعالى ينزله على رسوله ﷺ بعضه في أر بعض وفي رواية بدل وكان بمواقع الخ ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة وفي رواية أخرى عنه أيضاً أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزل به جبريل عليه السلام على محمد ﷺ بجواب كلام العباد وأعمالهم وفي أخرى أنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام وكون النزول بعد في عشرين سنة قول لهم وقال بعضهم وهو الأشهر في ثلاث وعشرين وقال آخر في خمس وعشرين وهذا للخلاف في مدة إقامته ﷺ بمكة بعد البعث وقال الشعبي المراد ابتدأنا بإنزاله فيها والمشهور أن أول ما نزل من الآيات ﴿اقرأ﴾ وأنه كان نزولها بحراء نهاراً نعم في «البحر » روى أن نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان فإن صح وكان المراد كان ليلاً فذاك وإلا فظاهر كلام الشعبي غير مستقيم اللهم إلا أن يقال أنه أراد ابتداء إنزاله إلى السماء الدنيا فيها ولا يلزم أن يتحد ذلك وابتدأ إنزاله عليه ﷺ في الزمان ثم أن في أنزلناه على ما ذكر تجوزاً في الإسناد لأنه أسند فيه ما للجزء إلى الكل أو مجازاً الطرف أو تضميناً وقي المراد إنزاله من اللوح إلى السماء الدنيا مفرقاً في ليالي قدر على أن المراد بليلة الجنس فقد قيل إن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين وكان ينزل في كل ليلة ما يقدر الله تعالى إنزاله في كل السنة ثم ينزله سبحانه منجماً في جميع السنة وهذا القول ذكره الإمام احتمالاً ونقله القرطبي كما قال ابن كثير عن مقاتل لكنه مما لا يعود عليه والصحيح المعتمد عليه كما قال ابن حجر في «شرح البخاري » أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا بل حكى بعضهم الإجماع عليه نعم لا يبعد القول بأن السفرة هناك نجموه لجبريل عليه السلام في الليالي المذكورة وأجاب السيد عيسى الصفوي بأنه لا محذور في ذلك بناء على جواز مثل أتكلم مخبراً به عن التكلم بقولك أتكلم وفي ذلك اختلاف بين الدواني وغيره ذكره في رسالته التي ألفها في الجواب عن مسألة الحذر الأصم أو يقال يرجع الضمير للقرآن باعتبار جملته وقطع النظر عن أجزائه فيخبره عن الجملة بأنا أنزلنا وإن كان من جملته إنا أنزلناه المندرج في حملته من غير نظير له بخصوصه وقد ذكروا أن الجزء من حيث هو مستقل مغاير له من حيث هو في ضمن الكل وفي الاتقان عن أبي شامة فإن قلت إنا أنزلنا إن لم يكن من جملة القرآن الذي نزل جملة فما نزل جملة وإن كان من الجملة فما وجه هذه العبارة قلت لها وجهان أحدهما أن يكون المعنى إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر وقضينا به وقدرناه في الأزل والثاني أن لفظ أنزلناه ماض ومعناه على الاستقبال أي تنزله جملة في ليلة القدر انتهى ولم يظهر لي في كلا وجهيه رحمه الله تعالى شامة حسن فأجل في ذلك نظراً فلعلك ترى وقيل المعنى إنا أنزلناه في فضل ليلة القدر أو في شأنها وحقها فالكلام على تقدير مضاف أو الظرفية مجازية كما في قول عمر رضي الله تعالى عنه خشيت أن ينزل في قرآن وقول عائشة رضي الله تعالى عنها لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن وجعل بعضهم في في ذلك للسببية والضمير قيل للقرآن بالمعنى الدائر بين الكل والجزء وقيل بمعنى السورة ولا يأباه كون أنا أنزلناه فيها لما مر آنفاً فلا حاجة إلى أن يقال المراد بها ما عدا ﴿إِنَّا أنزلناه﴾ في ليلة القدر وقيل يجوز أن يراد به المجموع لاشتماله على ذلك وأياً ما كان فحمل الآية على هذا المعنى غير معول عليه وإنما المعول عليه ما تقدم والمراد بالإنزال إظهار القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة أو إثباته لدى السفرة هناك أو نحو ذلك مما لا يشكل نسبته إلى القرآن واختلفوا في تلك الليلة فقيل أنها رفعت لخبر في ذلك وهو كما قال الكرماني غلط لأن آخر الخبر يرده والمراد رفع تعيينها فيه وعكرمة أنها ليلة النصف من شعبان وهو قول شاذ غريب كما في «تحفة المحتاج » وظاهر ما هنا مع ظاهر قوله تعالى :﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن﴾ [البقرة: ١٨٥] يرده وعن ابن مسعود أنها تنتقل في ليالي السنة فتكون في كل سنة في ليلة ونسبه النووي إلى أبي حنيفة وصاحبيه والأكثرون على أنها في شهر رمضان فعن ابن رزين أنها الليلة الأولى منه وعن الحسن البصري السابعة عشر لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها وحكى عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضاً وعن أنس مرفوعاً التاسعة عشر وحكى موقوفاً على ابن مسعود أيضاً وعن محمد بن إسحق الحادية والعشرون لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال " قد رأيت هذه الليلة يعني ليلة القدر ثم نسيتها وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين قال أبو سعيد فمطرت السماء من تلك الليلة فوكف المسجد فأبصرت عيناي رسول الله وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين " وفي «مسلم » " من صبيحة ثلاث وعشرين " ومنه مع ما قبله مال الشافعي عليه الرحمة إلى أنها الليلة الحادية أو الثالثة والعشرون وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أنيس أنه سئل عن ليلة القدر فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول " التمسوها الليلة " وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن بلال قال قال رسول الله ﷺ " ليلة القدر ليلة أربع وعشرين " وفي الاتقان وغيره أنها الليلة التي أنزل فيها القرآن وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر أنه سئل عن ليلة القدر فقال كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين وأخرج ابن نصر وابن جرير في تهذيبه عن معاوية قال قال رسول الله ﷺ " التمسوا ليلة القدر في آخر ليلة من رمضان " وفي رواية أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً أنها آخر ليلة وقيل هي في العشر الأوسط تنتقل فيه وقيل في أوتاره وقيل في أشفاعه وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ " تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان " وفي حديث أخرجه أحمد وجماعة عن عبادة بن الصامت مرفوعاً وحديثين أخرجهما ابن جرير وغيره عن جابر بن سمرة وعن عبد الله بن جابر كذلك ما يدل على ما ذكر أيضاً بل الأخبار الصحيحة الدالة عليه كثيرة وبالجملة الأقوال فيها مختلفة جداً إلا أن الأكثرين على أنها في العشر الأواخر لكثرة الأحاديث الصحيحة في ذلك وأكثرهم على أنها في أوتارها لذلك أيضاً وكثير منهم ذهب إلى أنها الليلة السابعة من تلك الأوتار وصح من رواية الإمام أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان وغيرهم أن زرد بن حبيش سأل أبي بن كعب عنها فحلف لا يستثنى أنها ليلة سبع وعشرين فقال له بم تقول ذلك يا أبا المنذر فقال بالآية والعلامة التي قال رسول الله ﷺ إنها تصبح من ذلك اليوم تطلع الشمس ليس لها شعاع وبعض الأخبار عن ابن عباس ظاهرة في ذلك وفي بعضها الاستئناس له بما يدل على جلالة شأن السبعة التي قالوا فيها إنها عدد تام من كون السموات سبعاً والأرضين سبعاً والأيام سبعاً والجمار سبعاً والطواف بالبيت سبعاً والسجود على سبع إلى غير ذلك مما ذكره لما علمت من الأخبار الصحيحة المتظافرة وهو زمان ضعف البدن وفيه يزيد أجر العمل ووقت قوة الاستعداد للتجليات لمزيد التصفية وأنها في الأوتار أرجى للأحاديث أيضاً مع أن الله تعالى وتر يحب الوتر وقال ابن حجر الهيثمي اختار جمع أنها لا تلزم ليلة بعينها من العشر الأواخر بل تنتقل في لياليه فعاماً أو أعواماً تكون وتراً إحدى أو ثلاثاً أو غيرهما وعاماً أو أعواماً تكون شفعاً اثنتين أو أربعاً أو غيرهما قالوا ولا تجتمع الأحاديث المتعارضة فيها إلا بذلك وكلام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجمع بين الأحاديث يقتضيه انتهى ولا يخفى أن الجمع بين الأحاديث يقتضيه انتهى ولا يخفى أن الجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها مطلقاً مما لا يتسنى وإنما يتسنى الجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها بالنظر إلى العشر وقيل في الجمع مطلقاً إنها تنتقل وما صح من التعيين في الجملة أو على التحقيق محمول على ليلة قدر في شهر رمضان مخصوص بأن يكون قد علم ﷺ أنها في أول شهر رمضان فرض ليلة كذا فقال عليه الصلاة والسلام هي ليلة كذا أي في هذا الشهر رمضان المخصوص وعلم عليه الصلاة والسلام أنها في شهر رمضان بعده ليلة كذا غير تلك الليلة التي ذكرها قبل فقال ﷺ هي ليلة كذا وعلم ﷺ أنها في آخر في العشر الأخير منه فقال هي في العشر الأخير أي من هذا الشهر المخصوص وهكذا وهو كما ترى وعلى القول بانتقالها ادعى بعضهم أنه إذا كان أول الشهر ليلة كذا فهي الليلة السابعة والعشرون وإن كانت ليلة كذا فهي الليلة الحادية والعشرون إلى آخر ما قال وقد ذكرناه مع نظمه في الطراز المذهب وليس في ذلك ما يقوم حجة على الغير وفي بعض الأخبار ذكر علامات لها ففي حديث الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما عن عبادة بن الصامت من إماراتها أنها ليلة بلجة صافية ساكنة لا حارة ولا باردة كأن فيها قمراً ساطعاً لا يرمى فيها بنجم حتى الصباح وأخرج نحواً منه ابن جرير في تهذيبه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله مرفوعاً وح

تفسير هذه الآية من كتب أخرى