فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب
عن الكتاب
﴿القدر﴾ الحكم والتقدير، أو الشرف والعزة.
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ( ١ ) وما أدراك ما ليلة القدر ( ٢ ) ليلة القدر خير من ألف شهر ( ٣ ) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( ٤ ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( ٥ )﴾
رفع الله تعالى قدر الكتاب العزيز، وأعلى ذكر الشهر الذي نزل فيه، والليلة التي أنزل فيها، فالكتاب مبارك كثير الخيرات، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والشهر خير شهور العام ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..﴾(١)، ولكأنما فرض المولى صيام نهاره، وسن قيام ليله تثبيتا لصبغة القرآن التي نودي للاصطباغ بها أهل الإيمان، بل هي دعوة البر الرحيم لكل بني الإنسان، بل لكافة أولي الحجا والجنان، من ملائكة أو جان ؛ فاستيقنوا أن الليلة التي أنزلنا فيها هذا الذكر الحكيم ليلة شرف وعزة- عز المنزل، فنسخ سائر الكتب، ولا ينسخه غيره ؛ وعز المستمسكون بشرعته ومنهاجه :﴿فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك..﴾(٢)، وعز من رآه السميع البصير سبحانه في هذا الشهر وفي هذه الليلة صائما قانتا، راكعا ساجدا، ذاكرا عابدا متهجدا، ﴿... يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه..﴾(٣) ؛ فاستيقنوا أنا نحن- لا وأنا- ﴿أنزلناه﴾، والضمير هذا يعود على القرآن العظيم، وإن لم يسبق له هاهنا ذكر، للعلم به، حيث جاء في سورة كريمة أخرى :﴿حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه..﴾(٤) ؛ وهل المراد : بدأنا إنزاله ﴿في ليلة القدر﴾ ؟ فيكون مجازا، ذكر الكل والمراد البعض وجزء منه ؟ أم المراد : أنزلناه جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل به ملك الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجوما متفرقا حسب الأحوال ؟ ! يشهد لهذا الرأي الثاني قول الله الحق- تبارك وتعالى- :﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾(٥) وكذا قوله عز شأنه :﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾(٦) ؛ والجمهور على ذلك، فقد صح عن ابن عباس : أن القرآن أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ونزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة ؛ وابن حجر في شرح البخاري قال : والصحيح المعتمد أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ؛ بل حكى بعضهم الإجماع عليه.
﴿ليلة القدر﴾ : قال الزهري وغيره : إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها ؛ من قولهم : لفلان قدر، أي شرف ومنزلة ؛ وقال أبو بكر الوراق : سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها ؛ وقيل : ليلة الحكم والتقدير، روى عن ابن عباس وغيره : إنه يقدر فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة، والمراد إظهار تقديره تعالى ذلك للملائكة- عليهم السلام- المأمورين بالحوادث الكونية، وإلا فتقديره تعالى جميع الأشياء أزلي قبل خلق السماوات والأرض(٧).
﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد- ولله أعلم- أمته، وكل من يصلح للخطاب، وما علمك ما ليلة القدر ؟
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ الضمير عند الجمهور للقرآن... وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره وتعظيم له أي تعظيم لما أنه يشعر بأنه لعلو شأنه، كأنه حاضر عند كل أحد... وكذا في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين، وتأكيد الجملة... وكذا تفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى :﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق، ولا يعلم ذلك ويعلم به إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله سبحانه :﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها، وعن سفيان بن عيينة : إن كل ما في القرآن من قوله تعالى ﴿ما أدراك﴾ أعلم الله تعالى به نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، وما فيه من قوله سبحانه :﴿ما يدريك﴾ لم يعلم عز وجل به٢-
وخيرية ليلة القدر- كما قال كثير من المفسرين – تعني : العمل والطاعة والعبادة فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
[ وقيل : عنى بألف شهر جميع الدهر ؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء ؛ كما قال تعالى :﴿... يود أحدهم لو يعمر ألف سنة..﴾(٨) يعني : جميع الدهر... وقال ابن مسعود : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ؛ فنزلت :﴿إنا أنزلناه﴾ الآية.
﴿خير من ألف شهر﴾ التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله.. وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره : سمعت من أثق به يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ؛ فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر ]. (٩)
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ( ١ ) وما أدراك ما ليلة القدر ( ٢ ) ليلة القدر خير من ألف شهر ( ٣ ) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( ٤ ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( ٥ )﴾
رفع الله تعالى قدر الكتاب العزيز، وأعلى ذكر الشهر الذي نزل فيه، والليلة التي أنزل فيها، فالكتاب مبارك كثير الخيرات، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والشهر خير شهور العام ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..﴾(١)، ولكأنما فرض المولى صيام نهاره، وسن قيام ليله تثبيتا لصبغة القرآن التي نودي للاصطباغ بها أهل الإيمان، بل هي دعوة البر الرحيم لكل بني الإنسان، بل لكافة أولي الحجا والجنان، من ملائكة أو جان ؛ فاستيقنوا أن الليلة التي أنزلنا فيها هذا الذكر الحكيم ليلة شرف وعزة- عز المنزل، فنسخ سائر الكتب، ولا ينسخه غيره ؛ وعز المستمسكون بشرعته ومنهاجه :﴿فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك..﴾(٢)، وعز من رآه السميع البصير سبحانه في هذا الشهر وفي هذه الليلة صائما قانتا، راكعا ساجدا، ذاكرا عابدا متهجدا، ﴿... يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه..﴾(٣) ؛ فاستيقنوا أنا نحن- لا وأنا- ﴿أنزلناه﴾، والضمير هذا يعود على القرآن العظيم، وإن لم يسبق له هاهنا ذكر، للعلم به، حيث جاء في سورة كريمة أخرى :﴿حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه..﴾(٤) ؛ وهل المراد : بدأنا إنزاله ﴿في ليلة القدر﴾ ؟ فيكون مجازا، ذكر الكل والمراد البعض وجزء منه ؟ أم المراد : أنزلناه جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل به ملك الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجوما متفرقا حسب الأحوال ؟ ! يشهد لهذا الرأي الثاني قول الله الحق- تبارك وتعالى- :﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾(٥) وكذا قوله عز شأنه :﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾(٦) ؛ والجمهور على ذلك، فقد صح عن ابن عباس : أن القرآن أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ونزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة ؛ وابن حجر في شرح البخاري قال : والصحيح المعتمد أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ؛ بل حكى بعضهم الإجماع عليه.
﴿ليلة القدر﴾ : قال الزهري وغيره : إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها ؛ من قولهم : لفلان قدر، أي شرف ومنزلة ؛ وقال أبو بكر الوراق : سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها ؛ وقيل : ليلة الحكم والتقدير، روى عن ابن عباس وغيره : إنه يقدر فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة، والمراد إظهار تقديره تعالى ذلك للملائكة- عليهم السلام- المأمورين بالحوادث الكونية، وإلا فتقديره تعالى جميع الأشياء أزلي قبل خلق السماوات والأرض(٧).
﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد- ولله أعلم- أمته، وكل من يصلح للخطاب، وما علمك ما ليلة القدر ؟
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ الضمير عند الجمهور للقرآن... وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره وتعظيم له أي تعظيم لما أنه يشعر بأنه لعلو شأنه، كأنه حاضر عند كل أحد... وكذا في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين، وتأكيد الجملة... وكذا تفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى :﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق، ولا يعلم ذلك ويعلم به إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله سبحانه :﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها، وعن سفيان بن عيينة : إن كل ما في القرآن من قوله تعالى ﴿ما أدراك﴾ أعلم الله تعالى به نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، وما فيه من قوله سبحانه :﴿ما يدريك﴾ لم يعلم عز وجل به٢-
وخيرية ليلة القدر- كما قال كثير من المفسرين – تعني : العمل والطاعة والعبادة فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
[ وقيل : عنى بألف شهر جميع الدهر ؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء ؛ كما قال تعالى :﴿... يود أحدهم لو يعمر ألف سنة..﴾(٨) يعني : جميع الدهر... وقال ابن مسعود : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ؛ فنزلت :﴿إنا أنزلناه﴾ الآية.
﴿خير من ألف شهر﴾ التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله.. وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره : سمعت من أثق به يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ؛ فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر ]. (٩)
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ( ١ ) وما أدراك ما ليلة القدر ( ٢ ) ليلة القدر خير من ألف شهر ( ٣ ) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( ٤ ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( ٥ )﴾
رفع الله تعالى قدر الكتاب العزيز، وأعلى ذكر الشهر الذي نزل فيه، والليلة التي أنزل فيها، فالكتاب مبارك كثير الخيرات، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والشهر خير شهور العام ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..﴾(١)، ولكأنما فرض المولى صيام نهاره، وسن قيام ليله تثبيتا لصبغة القرآن التي نودي للاصطباغ بها أهل الإيمان، بل هي دعوة البر الرحيم لكل بني الإنسان، بل لكافة أولي الحجا والجنان، من ملائكة أو جان ؛ فاستيقنوا أن الليلة التي أنزلنا فيها هذا الذكر الحكيم ليلة شرف وعزة- عز المنزل، فنسخ سائر الكتب، ولا ينسخه غيره ؛ وعز المستمسكون بشرعته ومنهاجه :﴿فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك..﴾(٢)، وعز من رآه السميع البصير سبحانه في هذا الشهر وفي هذه الليلة صائما قانتا، راكعا ساجدا، ذاكرا عابدا متهجدا، ﴿... يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه..﴾(٣) ؛ فاستيقنوا أنا نحن- لا وأنا- ﴿أنزلناه﴾، والضمير هذا يعود على القرآن العظيم، وإن لم يسبق له هاهنا ذكر، للعلم به، حيث جاء في سورة كريمة أخرى :﴿حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه..﴾(٤) ؛ وهل المراد : بدأنا إنزاله ﴿في ليلة القدر﴾ ؟ فيكون مجازا، ذكر الكل والمراد البعض وجزء منه ؟ أم المراد : أنزلناه جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل به ملك الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجوما متفرقا حسب الأحوال ؟ ! يشهد لهذا الرأي الثاني قول الله الحق- تبارك وتعالى- :﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾(٥) وكذا قوله عز شأنه :﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾(٦) ؛ والجمهور على ذلك، فقد صح عن ابن عباس : أن القرآن أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ونزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة ؛ وابن حجر في شرح البخاري قال : والصحيح المعتمد أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ؛ بل حكى بعضهم الإجماع عليه.
﴿ليلة القدر﴾ : قال الزهري وغيره : إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها ؛ من قولهم : لفلان قدر، أي شرف ومنزلة ؛ وقال أبو بكر الوراق : سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها ؛ وقيل : ليلة الحكم والتقدير، روى عن ابن عباس وغيره : إنه يقدر فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة، والمراد إظهار تقديره تعالى ذلك للملائكة- عليهم السلام- المأمورين بالحوادث الكونية، وإلا فتقديره تعالى جميع الأشياء أزلي قبل خلق السماوات والأرض(٧).
﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد- ولله أعلم- أمته، وكل من يصلح للخطاب، وما علمك ما ليلة القدر ؟
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ الضمير عند الجمهور للقرآن... وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره وتعظيم له أي تعظيم لما أنه يشعر بأنه لعلو شأنه، كأنه حاضر عند كل أحد... وكذا في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين، وتأكيد الجملة... وكذا تفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى :﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق، ولا يعلم ذلك ويعلم به إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله سبحانه :﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها، وعن سفيان بن عيينة : إن كل ما في القرآن من قوله تعالى ﴿ما أدراك﴾ أعلم الله تعالى به نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، وما فيه من قوله سبحانه :﴿ما يدريك﴾ لم يعلم عز وجل به٢-
وخيرية ليلة القدر- كما قال كثير من المفسرين – تعني : العمل والطاعة والعبادة فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
[ وقيل : عنى بألف شهر جميع الدهر ؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء ؛ كما قال تعالى :﴿... يود أحدهم لو يعمر ألف سنة..﴾(٨) يعني : جميع الدهر... وقال ابن مسعود : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ؛ فنزلت :﴿إنا أنزلناه﴾ الآية.
﴿خير من ألف شهر﴾ التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله.. وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره : سمعت من أثق به يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ؛ فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر ]. (٩)
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر ( ١ ) وما أدراك ما ليلة القدر ( ٢ ) ليلة القدر خير من ألف شهر ( ٣ ) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر ( ٤ ) سلام هي حتى مطلع الفجر ( ٥ )﴾
رفع الله تعالى قدر الكتاب العزيز، وأعلى ذكر الشهر الذي نزل فيه، والليلة التي أنزل فيها، فالكتاب مبارك كثير الخيرات، يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، والشهر خير شهور العام ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان..﴾(١)، ولكأنما فرض المولى صيام نهاره، وسن قيام ليله تثبيتا لصبغة القرآن التي نودي للاصطباغ بها أهل الإيمان، بل هي دعوة البر الرحيم لكل بني الإنسان، بل لكافة أولي الحجا والجنان، من ملائكة أو جان ؛ فاستيقنوا أن الليلة التي أنزلنا فيها هذا الذكر الحكيم ليلة شرف وعزة- عز المنزل، فنسخ سائر الكتب، ولا ينسخه غيره ؛ وعز المستمسكون بشرعته ومنهاجه :﴿فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكر لك ولقومك..﴾(٢)، وعز من رآه السميع البصير سبحانه في هذا الشهر وفي هذه الليلة صائما قانتا، راكعا ساجدا، ذاكرا عابدا متهجدا، ﴿... يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه..﴾(٣) ؛ فاستيقنوا أنا نحن- لا وأنا- ﴿أنزلناه﴾، والضمير هذا يعود على القرآن العظيم، وإن لم يسبق له هاهنا ذكر، للعلم به، حيث جاء في سورة كريمة أخرى :﴿حم. والكتاب المبين. إنا أنزلناه..﴾(٤) ؛ وهل المراد : بدأنا إنزاله ﴿في ليلة القدر﴾ ؟ فيكون مجازا، ذكر الكل والمراد البعض وجزء منه ؟ أم المراد : أنزلناه جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل به ملك الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجوما متفرقا حسب الأحوال ؟ ! يشهد لهذا الرأي الثاني قول الله الحق- تبارك وتعالى- :﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا﴾(٥) وكذا قوله عز شأنه :﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾(٦) ؛ والجمهور على ذلك، فقد صح عن ابن عباس : أن القرآن أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ونزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة ؛ وابن حجر في شرح البخاري قال : والصحيح المعتمد أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ؛ بل حكى بعضهم الإجماع عليه.
﴿ليلة القدر﴾ : قال الزهري وغيره : إنما سميت بذلك لعظمها وقدرها وشرفها ؛ من قولهم : لفلان قدر، أي شرف ومنزلة ؛ وقال أبو بكر الوراق : سميت بذلك لأن من لم يكن له قدر ولا خطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أحياها ؛ وقيل : ليلة الحكم والتقدير، روى عن ابن عباس وغيره : إنه يقدر فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وإحياء وإماتة إلى السنة القابلة، والمراد إظهار تقديره تعالى ذلك للملائكة- عليهم السلام- المأمورين بالحوادث الكونية، وإلا فتقديره تعالى جميع الأشياء أزلي قبل خلق السماوات والأرض(٧).
﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والمراد- ولله أعلم- أمته، وكل من يصلح للخطاب، وما علمك ما ليلة القدر ؟
﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ الضمير عند الجمهور للقرآن... وفي التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره وتعظيم له أي تعظيم لما أنه يشعر بأنه لعلو شأنه، كأنه حاضر عند كل أحد... وكذا في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين، وتأكيد الجملة... وكذا تفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى :﴿وما أدراك ما ليلة القدر﴾ لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق، ولا يعلم ذلك ويعلم به إلا علام الغيوب، كما يشعر به قوله سبحانه :﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ فإنه بيان إجمالي لشأنها إثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها، فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها، وعن سفيان بن عيينة : إن كل ما في القرآن من قوله تعالى ﴿ما أدراك﴾ أعلم الله تعالى به نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم، وما فيه من قوله سبحانه :﴿ما يدريك﴾ لم يعلم عز وجل به٢-
وخيرية ليلة القدر- كما قال كثير من المفسرين – تعني : العمل والطاعة والعبادة فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
[ وقيل : عنى بألف شهر جميع الدهر ؛ لأن العرب تذكر الألف في غاية الأشياء ؛ كما قال تعالى :﴿... يود أحدهم لو يعمر ألف سنة..﴾(٨) يعني : جميع الدهر... وقال ابن مسعود : إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك ؛ فنزلت :﴿إنا أنزلناه﴾ الآية.
﴿خير من ألف شهر﴾ التي لبس فيها الرجل سلاحه في سبيل الله.. وقال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره : سمعت من أثق به يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله، فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ؛ فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر ]. (٩)