البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿إِنَّا أنزلناه في ليلة القدر﴾، نوّه بشأن القرآن، حيث أسند إنزاله إليه بإسناده إلى نون العظمة، المنبئ عن كمال العناية به، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للإيذان بغاية ظهوره، كأنه حاضر في جميع الأذهان، وقيل : يعود على المقروء المأمور به في قوله :﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] فتتصل السورة بما قبلها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أهل القلوب من العارفين، الأوقاتُ كلها عندهم ليلة القدر، والأماكن عندهم كلها عرفات، والأيام كلها جمعات، لأنّ المقصود من تعظيم الزمان والمكان هو باعتبار ما يقع فيه من التقريب والكشف والعيان، والأوقات والأماكن عند العارفين كلها سواء في هذا المعنى، كما قال شاعرهم :
لولا شهود جمالكم في ذاتيما كنت أرضى ساعة بحياتي
ما ليلةُ القدر المعظَّم شأنهاإلاَّ إذا عمرَتْ بكم أوقاتي
إنَّ المحب إذا تمكّن في الهوىوالحب لم يحتج إلى ميقات

وقال آخر :
وكل الليالي ليلةُ القدر إن بداكما كلُّ أيام اللقا يومُ جمعةِ
وسعيٌ له حجٌّ، به كلُّ وقفةٍعلى بابه قد عادلت ألف وقفةِ
وقال الشيخ أبو العباس رضي الله عنه : نحن ـ والحمد لله ـ أوقاتنا كلها ليلة القدر. هـ. لأنَّ عبادتهم كلها قلبية، بين فكرة واعتبار، وشهود واستبصار، و " فكرة ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة " (١)، كما في الأثر، بل فكرة العيان تزيد على ذلك، كما قال الشاعر :
كلُّ وقت من حبيبيقَدْرُه كألف حجه
وقد يقال : ثواب هذه العبادة كشف الحجاب، وشهود الذات الأقدس، هو لا يقاس بمقياس. وبالله التوفيق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى