سورة الممتحنة — الآية ١٠

عن عُروة بن الزبير -من طريق ابن إسحاق، عن الزُّهريّ- أنه سئل عن هذه الآية، فكتب: أنّ رسول الله ﷺ كان صالَح قريشًا يوم الحُدَيبية على أن يَرُدّ على قريش مَن جاء، فلما هاجر النساء أبى الله أن يُردَدْن إلى المشركين، إذا هنّ امتُحنّ بمحنة الإسلام، فعُرفوا أنهن إنما جئن رغبة فيه، وأمر بردّ صداقهنّ إليهم إذا حُبسن عنهم، وأنهم يَردّوا على المسلمين صداق مَن حُبسوا عنهم من نسائهم، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ فأمسَك رسول الله ﷺ النساء ورَدَّ الرجال، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم ردَّ النساء كما ردَّ الرجال، ولولا الهُدنة والعهد أمسَك النساء ولم يردّ لهنّ صداقًا

سورة الجن — الآية ٦

عن أبي رجاء العُطارديّ من بني تميم -من طريق سَلْمٍ- قال: بُعث رسول الله ﷺ وقد رَعيتُ على أهلي، وكُفيتُ مَهنتهم، فلما بُعث رسول الله ﷺ خَرجنا هِرابًا، فأتينا على فَلاة من الأرض، وكُنّا إذا أمسينا بمثلها قال شيخُنا: إنّا نعوذ بعزيز هذا الوادي مِن الجنّ الليلةَ. فقلنا ذاك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة ألا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، فمَن أقرّ بها أمِن على دمه وماله. فرَجعنا، فدَخلنا في الإسلام. قال أبو رجاء: إنِّي لأرى هذه الآية نزلت فِيَّ وفي أصحابي: ﴿وأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الجنّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا﴾

سورة المزمل — الآية ٧

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿إنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾، قال: لحوائجك، فافْرُغ لدينك بالليل. قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إنّ الله مَنَّ على العباد فخَفّفها ووضعها. وقرأ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية. ثم قال: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى من ثلثي الليل﴾ حتى بلَغ قوله: ﴿فاقرءوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل:٢٠] الليل، نصفه أو ثلثه، ثم جاء أمْرٌ أوسع وأفسح؛ وضَع الفريضة عنه وعن أُمّته، فقال: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]

سورة التكوير — الآية ١

عن أُبيّ بن كعب -من طريق أبي العالية- قال: ستُّ آيات قبل يوم القيامة؛ بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض، فتحرّكتْ واضطربتْ واختلطتْ، ففَزعت الجنُّ إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدوابّ والطير والوحش، فماجوا بعضهم في بعض: ﴿وإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال: اختلطت، ﴿وإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ أهملها أهلُها، ﴿وإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ قال الجنُّ للإنس: نحن نأتيكم بالخبر. فانطلقوا إلى البحر، فإذا هي نار تَأَجَّج، فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعةً واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم

وجَّهَ ابنُ جرير (١‏/‏٤٤٨) قولَ أبي صالح، فقال: «وأمّا وجْهُ تأويل من تَأَوَّل ذلك: أنّه الإماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله: ﴿وكنتم أمواتا﴾ إلى أنّه خطابٌ لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم». ثم انتقده بظاهرِ الآية وسياقها، فقال: «وذلك معنى بعيد؛ لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم، لا استعتاب واسترجاع. وقوله -جَلَّ ذِكْرُه-: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا﴾ توبيخ مستعتب عباده، وتأنيب مسترجع خلقه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الإنابة، ولا إنابة في القبور بعد الممات، ولا توبة فيها بعد الوفاة». وعلَّقَ ابنُ كثير (١‏/‏٣٣٢) على قول أبي صالح بقوله: «وهذا غريب»

علَّقَ ابن كثير (١‏/‏٥١٩) على أثر الحسن بقوله: «وقول الحسن البصري رحمه الله: قد كان السحر قبل زمان سليمان بن داود. صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى عليه السلام، وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة:٢٤٦]، ثم ذكر القصة بعدها، وفيها: ﴿وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ﴾، وقال قوم صالح -وهم قبل إبراهيم الخليل عليه السلام لنبيهم صالح: ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء:١٥٣]، أي: من المسحورين. على المشهور»

علَّقَ ابن جرير (٢‏/‏٣٣٥) على قول مجاهد، فقال: «فتأويل الآية على هذا القول: واتبعوا السحر الذي تتلو الشياطين في ملك سليمان، والتفريق الذي بين المرء وزوجه الذي أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت». وذكر ابن عطية (١‏/‏٢٩٩-٣٠٠) أن ﴿ما﴾ عطف على السحر فهي مفعولة، ثم قال: «وهذا على القول بأن الله تعالى أنزل السحر على الملكين فتنة للناس ليكفر من اتبعه ويؤمن من تركه، أو على قول مجاهد وغيره: إن الله تعالى أنزل على الملكين الشيء الذي يفرق به بين المرء وزوجه دون السحر، أو على القول إنه تعالى أنزل السحر عليهما ليعلم على جهة التحذير منه والنهي عنه». وعلَّق على القول الأخير، بقوله: «والتعليم على هذا القول إنما هو تعريف يسير بمبادئه»

لم يذكر ابنُ جرير (٢‏/‏٦٨٣) غير هذا القول، وبيّن حجة أهل الكتاب التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: «قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن. وقولهم: يخالفنا محمد في ديننا ويَتَّبِع قبلتنا. فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل الغباء من المشركين». وبنحوه قال ابنُ كثير (١‏/‏٤٦٤). وأما ابنُ عطية (١‏/‏٣٨٢) فقد رَجَّح العمومَ في الآية، حيث قال: «قوله: ﴿لِلنّاسِ﴾ عموم في اليهود والعرب وغيرهم». وانتقد قولَ من جعلها في اليهود خاصة، كما سيأتي في التعليق التالي

رجَّحَ ابنُ جرير (٣‏/‏١٥٩-١٦٠) قولَ مقاتل بأنّ المقصود بقوله: ﴿أيّامًا معدودات﴾ أيام شهر رمضان، بدلالة السياق، وعدم الدليل على خلافِه، فقال: «وأَوْلى ذلك بالصواب عندي قولُ من قال: عنى الله -جَلَّ ثناؤه- بقوله: ﴿أياما معدودات﴾: أيام شهر رمضان. وذلك أنّه لم يأتِ خبرٌ تقوم به حجةٌ بأنّ صومًا فُرِض على أهل الإسلام غيرَ صوم شهر رمضان، ثم نُسِخ بصوم شهر رمضان، وبأنّ الله تعالى قد بيَّن في سياق الآية أنّ الصيام الذي أوجبه علينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيّام التي أخبرنا أنه كتب علينا صومها بقوله: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾»

لم يذكر ابنُ جرير (٣‏/‏٤٣٣) غير هذا القول، فقال: «يعني -جَلَّ ثناؤُه- بذلك: فمَن لم يجد ما استيسر من الهدي فعليه صيام ثلاثة أيام في حجِّه، وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ومصره». وذكر أنّ المتمتع على الخيار في صيام السبعة أيام التي أوجبها الله عليه، إن شاء صامها في الطريق، وإن شاء صامها بعدما يرجع إلى أهله، وذكر إجماع أهل العلم على ذلك، وساق (٣‏/‏٤٣٣-٤٣٥) الآثار على ذلك. وقد اسْتَحْسَن ابنُ تيمية (١‏/‏٤٦٦-٤٦٧) هذا القول، فقال بعدما ذكر قولَ من قال: إذا رجعتم من الحج: «وفيها طريقة أخرى أحسن من هذه، وهي طريقة أكثر السلف، أنّ معنى الآية: إذا رجعتم إلى أهلكم. وهي طريقة أحمد»