نقل ابن جرير (٩/٣٦١) أثر ابن عباس المقتضي لكون هذا وقع من إبراهيم عليه السلام في مقام نظر لا في مقام مناظرة، وبيَّن أن قومًا من غير أهل الرواية أنكروا القول الذي روي عن ابن عباس، مستندين إلى أنّه غير جائز أن يبعث الله نبيًّا بالرسالة أتى عليه وقت من الأوقات وهو بالغ إلا وهو لله مُوَحِّد، وبه عارف، ومِن كل ما يُعبَد من دونه بريء، ولو جاز أن يأتي عليه وقت وهو به كافر لم يَجُز أن يختصه بالرسالة، ونقل عنهم وجوهًا في معناها: أحدها: أنّ ذلك على وجهِ الإنكارِ والمعارضةِ. والثاني: أنّ ذلك كان منه في حال طفولته، وتلك حال لا يكون فيها كفر ولا إيمان. والثالث: أنّ معنى الكلام: أهذا ربي؟! على وجه التوبيخ والنفي؛ أهذا ربّي؟! أي: ليس هذا ربي. ثُمَّ رَجَّح أثر ابن عباس مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية، وسياقها، وأقوال السلف، وأخبار بني إسرائيل، وانتَقَد القولَين الآخرَين بذلك، فقال: «وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾، الدليل على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصواب من القول في ذلك الإقرار بخبر الله -تعالى ذِكْره- الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه». ثم قال في الآية بعد هذه القصة: «﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأَرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله -تعالى ذِكْرُه- عن خليله إبراهيم عليه السلام أنّه لما تبيّن له الحق وعرَفه شهد شهادةَ الحقّ، وأظهر خلاف قومِه أهلِ الباطل وأهلِ الشرك بالله، ولم يأخذه في الله لومة لائم». ورجَّح ابنُ كثير (٦/٩٧، ٩٨، ٩٩) مستندًا إلى السياق اللاحق أنّ إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، وقال: «ومِمّا يؤيد أنّه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا؛ قولُه تعالى: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وقَدْ هَدانِ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ الآيات». وانتقد مستندًا إلى دلالة القرآن، والسنة أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، فقال: «وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ * إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ الآيات [الأنبياء:٥١-٥٢]، وقال تعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ الآيات [النحل:١٢٠-١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأَنعام:١٦١]، وقد ورد في الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة». وفي الحديث الآخر: «قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء». وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم:٣٠]. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة فكيف يكون إبراهيم الخليل الذي جعله الله ﴿أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٠] ناظرًا في هذا المقام؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب». وذكر ابنُ عطية (٣/٤٠٢-٤٠٣) أنّ في هذا المقام ثلاثة تأويلات: الأول: أنّه يحتمل أن يكون هذا وقع له في الغار في حال الصبوة وعدم التكليف «فذلك ينقسم على وجهين: إمّا أن يُجعَل قوله: ﴿هَذا رَبِّي﴾ تصميمًا واعتقادًا، وهذا باطل؛ لأن التصميم لم يقع من الأنبياء -صلوات الله عليهم-، وإما أن يجعله تعريضًا للنظر والاستدلال، كأنه قال: هذا المنير البهي ربي إن عضدت ذلك الدلائل. ويجيء إبراهيم عليه السلام كما قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى:٦]، أي: مهمل المعتقد». الثاني: أنّه يحتمل أن يكون هذا وقع له في حال كفره، وهو مكلَّف «فلا يجوز أن يقول ﴿هَذا رَبِّي﴾ مصمِّمًا ولا مُعرضًا للنظر؛ لأنها رتبة جهل أو شك، وهو عليه السلام مُنزَّه معصوم من ذلك كله». الثالث: أنه قالها لقومه على جهة التقرير، والتوبيخ، وإقامة الحجة عليهم في عبادة الأصنام، كأنه قال لهم: أهذا المنير ربي؟! أو ﴿هَذا رَبِّي﴾ وهو يريد: على زعمكم. وعضَّد هذا التأويل بالسياق، فقال: «ويعضد عندي هذا التأويل قوله: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾، وذلك أنّ الله أوحى إلى يوسف عليه السلام بعد ما انصرَفَ إخوتُه: أنّك سَتُخْبِرُ إخوتَك بأمرهم هذا الذي رَكِبوا منك. ثم قال: ﴿وهم لا يشعرون﴾ أنّك يوسف حين تُخْبِرهم. فأنبأهم يوسفُ بعد ذلك حين قال لهم، وضرب الإناء، فقال: إنّ الإناء لَيُخْبِرُني بما فعلتم بيوسف مِن الشَّرِّ ونزع الثِّياب. عن الهُذَيْلِ، عن مُقاتِل، في قوله: ﴿وأَوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذا وهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾، قال: لا يشعرون أنّك يوسف. قال: وذلك أنّ يوسف لَمّا استخرج الصّاع مِن وِعاء أخيه بنيامين قطع بالقوم، وتَحَيَّروا، فأحضرهم، وأخذ بنيامين مكان سرقته، ثُمَّ تقدم إلى أمينه. فقال له: أحضِرِ الصاعَ إذا حضروا، وانقره ثلاث نقرات، واستمع طنين كُلَّ نَقْرَةٍ حتى تسكن، ثُمَّ قل في النقرة الأولى كذا، وفي الثانية كذا، وفي الثالثة كذا، وأَوْهِمْهُم أنّك إنّما تخبرني عن شيء تفهمه مِن طنين الصّاع. قال: فأَمَرَ بهم، فجُمِعوا، ثم قال يوسف للذي استخرج الصاع -وهو أمينه-: أحضِرِ الصاعَ الذي سرقوه، وتقدَّم إليه ألّا يكتمَنا مِن أخبارهم شيئًا، فإنّه غضبان عليهم، ويُوشك أن يصدق عنهم. قال: فأحضره والقوم، وقال له الأمين: أيُّها الصاع، إنّ الملِك يأمرك أن تُبَيِّن له أمرَ هؤلاء القوم، ولا تكتمه شيئًا مِن أمرهم، ثُمَّ نقره نقرة شديدة، وأصغى إليه، يسمعه كأنّه يستمع منه شيئًا، فقال: أيُّها الملك، إنّ الصاع يقول لك: إنّهم أخبروك أنّهم لِأُمٍّ واحدة، وإنّهم لِأُمَّهاتٍ شَتّى، ولذلك وقع بينهم ما يقع بين الأولاد العُتاة. قال: قل له: لا يكتمنا مِن أخبارهم شيئًا. ثُمَّ نقره الثانية، وأصغى إليه يسمعه، فلمّا سكن قال: أيُّها الملك، إنّهم أخبروك أنّ لهم أخًا مفقودًا، ولن تَنصَرِم الأيامُ والليالي حتى يأتي ذلك الغلام، فيتبين الناسُ أخبارَهم. قال: مُرْه ألّا يكتمنا مِن أخبارهم شيئًا. قال: فطَنَّ الثالثة، فلمّا سَكَن قال: أيُّها الملِك، إنّه ما دخل على أبيهم غَمٌّ ولا هَمٌّ ولا حَزَنٌ إلا بسببهم وجرائِرِهم. قال: أوْعِزْ إليه ألّا يكتمنا مِن أخبارهم شيئًا. قال: فنَظَر بعضُهم إلى بعض، وخافوا أن يُظْهِر عليهم ما كتموه مِن أمر يوسف عليه السلام، فقاموا إليه بجمعهم يُقَبِّلون رأسه وعينيه، ويقولون: بِالذي أشبهك بالنبِيِّين، وفضَّلَك على العالمين، ألا أقَلْتَ العَثْرَةَ، وسَتَرْتَ العَوْرَةَ، وحَفِظْتَنا في أبينا يعقوب. فرَقَّ لهم، وقال: لولا حفاظي لكم في أبيكم لَنَكَّلْتُ بكم، ولَأَلْحَقْتُكم بالسُّرّاق واللُّصُوص، اعزُبُوا عنِّي، فلا حاجة لي فيكم. قال: فلمّا قدموا على أبيهم أخبروه بأخبارهم، قال: فرَدَّهم بالبضاعة المزجاة، وكتب معهم كتابًا إليه، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، مِن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، إلى عزيز مصر، سلامٌ على مَنِ اتَّبع الهُدى، أمّا بعدُ: فإنِّي ما سرقتُ، ولا ولدتُ سارِقًا، ولَكِنّا أهلُ بيتٍ البلاء مُوَكَّل بنا؛ أمّا جَدِّي فأُلْقِي في النار، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وأما أبي فأُضْجِع للذَّبح ففداه الله بذِبح عظيم، وأمّا أنا فبُلِيتُ بفقد حبيبي وقُرَّةِ عيني يوسف. قال: فلمّا وصلوا إليه أوصلوا كتابه، فلمّا قرأ كتابه انتحَبَ، فقيل له: كأنّك صاحب الكتاب. قال: أجل. فذلك قوله: ﴿لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾، ثُمَّ تَعَرَّف إليهم، فعرفوه
اختلف القراء في قراءة ﴿يستطيع﴾؛ فمنهم من قرأ بالياء ورفع الرب، ومنهم من قرأ بالتاء ونصب الرب. وذكر ابنُ جرير (٩/١١٨) أن قراءة التاء بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ وهل تستطيع أن تدعو ربك؟ وهل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وأما قراءة الياء فتحتمل معنيين: أحدهما: أن يُنَزّل علينا ربك، كما يقول الرجل لصاحبه: أتستطيع أن تنهض معنا في كذا؟ وهو يعلم أنه يستطيع، ولكنه إنما يريد: أتنهض معنا فيه؟ والآخر: هل يستجيب لك ربك ويطيعك أن ينزل علينا؟. وذكر نحوه ابنُ عطية (٣/٢٩٨-٢٩٩)، وابنُ كثير (٥/٤١٤-٤١٥). وأضاف ابنُ عطية أنّ في قَوْلَة الحواريين ﴿هل يستطيع﴾ بشاعة؛ ولذا مال فريق من الصحابة لقراءة التاء، وساق أثر عائشة التالي، وعلَّق (٣/٢٩٩) عليه بقوله: «نزّهَتْهم عائشة رضي الله عنها عن بشاعة اللفظ، وإلا فليس يلزمهم منه جهل بالله تعالى على ما قد تبين آنفًا». يعني: على توجيه قراءة الياء بما قد مرَّ. ورجَّح ابنُ جرير (٩/١١٨-١١٩) قراءة الياء مستندًا إلى دلالة اللغة، والسياق، والعقل، وذلك أن قوله: ﴿إذ قال الحواريون﴾ من صلة ﴿إذ أوحيت﴾، فالمعنى: وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي إذ قال الحواريون ما قالوا. وفي ذلك دلالة على كره الله لما قالوا، ودعوتهم للتوبة منه. كما تترجّح من جهة أن عيسى استعظم مقالة الحواريين، ولذا ردَّ عليهم بقوله: ﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾، وفي استتابة الله للحواريين واستعظام عيسى لمقولتهم ما يدل على صحة قراءة الياء؛ إذ لو كانت بالتاء لما استُكبِرت هذا الاستكبار. ثم قال (٩/١١٩-١٢٠بتصرف): «فإن ظن ظانٌّ أنّ قولهم ذلك له إنما هو استعظام منهم لأن ذلك منهم كان مسألة آية، فإن الآية إنما يسألها الأنبياءَ مَن كان بها مكذبًا ليتقرر عنده حقيقة ثبوتها وصحة أمرها، كما كانت مسألة صالح الناقة من مكذبي قومه، فإن كان الذين سألوا عيسى أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء على هذا الوجه فقد أحلَّهم الذين قرءوا ذلك بالتاء ونصب الرب محلًّا أعظم من المحل الذي ظنوا أنهم يحيدون بهم عنه. أو يكونوا سألوا ذلك عيسى وهم موقنون بأنه لله نبي مبعوث، وأن الله تعالى على ما سألوا من ذلك قادر، فإن كانوا سألوا ذلك وهم كذلك، وإنما كانت مسألتهم إيّاه ذلك على نحو ما يسأل أحدهم نبيَّه إذا كان فقيرًا أن يسأل له ربه أن يغنيه، وإن عرضت به حاجة أن يسأل له ربه أن يقضيها، فإن ذلك من مسألة الآية في شيء، بل ذلك سؤال ذي حاجة عرضت له إلى ربه، فسأل نبيه مسألة ربه أن يقضيها له. وخبر الله تعالى عن القوم يُنبِئ بخلاف ذلك، وذلك أنهم قالوا لعيسى: ﴿نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا﴾، فقد أنبأ هذا من قيلهم أنهم لم يكونوا يعلمون أن عيسى قد صدقهم، ولا اطمأنت قلوبهم إلى حقيقة نبوته، فلا بيان أبين من هذا الكلام في أن القوم كانوا قد خالط قلوبهم مرض وشك في دينهم وتصديق رسولهم، وأنهم سألوا ما سألوا من ذلك اختبارًا». وذَكَر ابنُ عطية (٣/٣٠٠) أنّ قول عيسى للحواريين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ يتخرج على قراءة الياء على أمرين: أحدهما: بشاعة اللفظ. والآخر: إنكار طلب الآيات والتعرض إلى سخط الله بها، والنبوات ليست مبنية على أن تتعنت، وأما على قراءة التاء فلم ينكر عليهم إلا الاقتراح، وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر من آياته
ذكر ابن جرير (٦/٢٥٢) اختلاف المفسرين في الوقت الذي قيل فيه لأصحاب رسول الله ﷺ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، على قولين: الأول: أنه قيل لهم ذلك عند خروجهم إلى حمراء الأسد في طلب أبي سفيان ومن معه من المشركين. وهو قول ابن إسحاق من طريق سلمة، والسدي، وابن عباس من طريق العوفي، وقتادة. والثاني: أنه قيل لهم ذلك عند خروج النبي ﷺ إلى بدرٍ الصغرى للقاء أبي سفيان وأصحابه. وهو قول مجاهد من طريق ابن أبي نجيح، وعكرمة من طريق عمرو بن دينار، وعبد الله بن عمرو من طريق الشعبي. ثم رجَّح مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية القول الأول، وبيَّن علَّة ذلك، فقال: «لأن الله -تعالى ذِكْره- إنما مدح الذين وصفهم بِقِيلِهم: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ لمّا قيل لهم: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فاخْشَوْهُمْ﴾، بعد الذي قد كان نالهم مِن القروح والكُلُوم، بقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ [آل عمران:١٧٢]، ولم تكن هذه الصفة إلا صفة مَن تَبِع رسول الله ﷺ مِن جرْحى أصحابه بأُحُدٍ إلى حمراء الأسد». ثم انتقد القول الثاني، فقال: «فأما الذين خرجوا معه إلى غزوة بدرٍ الصغرى، فإنه لم يكن فيهم جريح، إلا جريحٌ قد تقادم اندمال جُرْحه، وبَرَأَ كَلْمُه، وذلك أن رسول الله ﷺ إنما خرج إلى بدرٍ الخَرْجَة الثانية إليها لموعدِ أبي سفيان الذي كان واعَده اللقاء بها بعد سنةٍ مِن غزوة أُحدٍ في قول بعضٍ، وفي قول آخرين: خرج إليها بعدما مضى عشرة أشهر من أُحُد، في شعبان سنة أربع مِن الهجرة، وذلك أن وقعة أُحُد كانت في النصف مِن شوال مِن سنة ثلاث، وخروج النبي ﷺ لغزوة بدرٍ الصغرى إليها في شعبان مِن سنة أربع، ولم يكن للنبي ﷺ بَيْن ذلك وقعةٌ مع المشركين كانت بينهم فيها حرب جُرِح فيها أصحابه، ولكن قد كان قُتِل في وقعة الرَّجيع مِن أصحابه جماعةٌ لم يشهَدْ أحدٌ منهم غزوة بدرٍ الصغرى، وكانت وقعة الرَّجيع فيما بَيْن وقعة أحد، وغزوة النبي ﷺ بدرًا الصغرى». وانتقد ابنُ عطية (٢/٤٢٤) مجاهدًا، فقال: «وشذ مجاهد فقال: إن هذه الآية مِن قوله: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ إنما نزلت في خروج النبي عليه السلام إلى بدر الصغرى». ولم يذكر مستندًا، ثم رجَّح قائلًا: «والصواب ما قاله الجمهور: إن الآية نزلت في غزوة حمراء الأسد». ووافقه ابنُ كثير (٣/٢٧٠)
اختلف في المأمور بأخذ الأسلحة؛ فقال قوم: هم الطائفة المصلية. وقال آخرون: الحارسة. ورجَّح ابنُ عطية (٣/١٠) العموم، فقال: «ولفظ الآية يتناول الكل». واختُلف في المشار إليه بقوله: ﴿فليكونوا﴾؛ فقيل: هم الطائفة التي لم تصل. وقيل: إنهم المصلون معه أُمروا إذا سجدوا أن ينصرفوا إلى الحراسة. واختلف العلماء كيف ينصرفون بعد السجود؛ فقال قوم: إذا أتموا مع الإمام ركعةً أتموا لأنفسهم ركعةً، ثم سلموا، وانصرفوا، وقد تمت صلاتهم. وقال آخرون: ينصرفون عن ركعةٍ. واختلف هؤلاء؛ فقال بعضهم: إذا صلوا مع الإمام ركعة وسلموا، فهي تجزئهم. وقال آخرون: بل ينصرفون عن تلك الركعة إلى الحراسة وهم على صلاتهم، فيكونون في وجه العدو مكان الطائفة الأخرى التي لم تصل، وتأتي تلك الطائفة. واختلفوا في الطائفة الأخرى؛ فقال قوم: إذا صلى بهم الإمام أطال التشهد حتى يقضوا الركعة الفائِتة، ثم يسلّم بهم. وقال آخرون: بل يسلم هو عند فراغه من الصلاة بهم، فإذا سلم قضوا ما فاتهم. وقال آخرون: بل يصلي بالطائفة الثانية ركعة، ويسلم هو، ولا تسلم هي، بل ترجع إلى وجه العدو، ثم تجيء الأولى، فتقضي ما بقي من صلاتها وتسلم، وتمضي وتجيء الأخرى، فتتم صلاتها. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٤٤٢) أن تقوم مع الإمام طائفة تصلى ركعتها، ثم تُتِمُّ لنفسها وتنصرف، ثم تأتي الطائفة الأخرى لتصلي مع الإمام الركعة التي بقيت. مستندًا في ذلك إلى السنة، وقال: «وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ: أنّه فعله يوم ذات الرقاع. والخبر الذي روى سهل بن أبي حثْمة». وانتَقَدَ (٧/٤٤٢-٤٤٤) القول بأن الطائفة الأولى إذا سجدت مع الإمام فقد انقضت صلاتها استنادًا لِما رجَّحه قبل من أن القصر في قوله: ﴿إن خفتم... ﴾ قصر كيفية لا كمية. وانتقد من قال بالتقدم والتأخر مستندًا لمخالفته ظاهر الآية، ودلالة العقل، فقال: «وذلك أنّ الله -جل ثناؤه- يقول: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾. وكلتا الطائفتين قد كانت صلَّت مع النبي ﷺ ركعته الأولى في صلاته بعسفان، ومحالٌ أن تكون التي صلَّت مع النبي ﷺ هي التي لم تصلِّ معه، وإذْ كان ذلك كذلك ولم يكن في الآية أمر من الله -تعالى ذكرهُ- للطائفة الأولى بتأخير قضاء ما بقي عليها من صلاتها إلى فراغ الإمام من بقية صلاته، ولا على المسلمين الذين بإزاء العدوّ في اشتغالها بقضاء ذلك ضرر؛ لم يكن لأمرها بتأخير ذلك وانصرافها قبل قضاء باقي صلاتها عن موضعها معنى». ثم قال: «غير أن الأمر وإن كان كذلك فإنّا نرى أنّ مَن صلاها من الأئمة، فوافقت صلاتُه بعض الوجوه التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ أنّه صلاها؛ فصلاته مجزئة عنه تامة لصحّة الأخبار بكل ذلك عن رسول الله ﷺ»
أفادت الآثار الاختلاف في المراد بالمحصنات في الآية على قولين: أحدهما: الحرائر دون الإماء. والآخر: العفيفات وإن كنّ إماءً. واختلفوا في قوله: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أهو عامّ، أو خاصّ؟ على ثلاثة أقوال: أولها: هو عامّ يشمل كل نساء أهل الكتاب. ثانيها: هو خاصّ بالذِّمِّيّات دون الحربيات. ثالثها: هو خاص بنساء بني إسرائيل دون غيرهن من نساء أهل الكتاب. ورجَّحَ ابن جرير (٨/١٤٦-١٤٧) قولَ مجاهد وغيرِه: أنّ المراد بهن حرائر المؤمنين، وأهل الكتاب عامة، بدلالة القرآن والإجماع، فقال: «وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب: قولُ من قال: عنى بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾: حرائرَ المؤمنين وأهل الكتاب؛ لأن الله -جل ثناؤه- لم يأذن بنكاح الإماءِ الأحرارَ في الحال التي أباحهنَّ لهم، إلا أن يَكُنَّ مؤمنات، فقال -عزَّ ذِكْرُه-: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء:٢٥]، فلم يُبِح منهنَّ إلا المؤمنات. فلو كان مرادًا بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب﴾: العفائف؛ لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان. وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات، وإن كُنَّ قد أتين بفاحشة بقوله: ﴿وأَنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ﴾ [النور:٣٢]. فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين، كُنَّ قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة، ذِمِّيَّةً كانت أو حَرْبِيَّةً، بعد أن تكون بموضع لا يَخافُ الناكحُ فيه على ولده أن يُجْبر على الكفر، بظاهر قول الله -جل وعز-: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾. فأمّا قول الذي قال: عنى بذلك: نساء بني إسرائيل؛ الكتابيّات منهن خاصة، فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه؛ لشذوذه، والخروج عما عليه علماء الأمة من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى». وذَهَبَ ابن كثير (٥/٨٢) إلى أنّ المراد بالمحصنات: العفيفات، مستندًا إلى النظائر، والدلالة العقلية، وقال تعليقًا على ما حكاه ابن جرير عن مجاهد من أنهن الحرائر: «إنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر. فيحتمل أن يكون أراد ما حكاه عنه، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه. وهو قول الجمهور هاهنا، وهو الأشبه؛ لِئَلّا يجتمع فيها أن تكون ذمية وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: حَشَفًا وسوء كيلة. والظاهر من الآية أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ [النساء:٢٥]»
معنى الآية على هذا القول: أنّ قاتل النفس المحرَّم قتلها يصلى النار كما لو قتل الناس جميعًا، ﴿ومن أحياها﴾ مَن سلِم من قتلها فقد سلِم من قتل الناس جميعًا. ورجَّح ابنُ جرير (٨/٣٥٨) هذا القول الذي قاله ابن عباس من طريق مجاهد وعلي، ومجاهد من طريق شريك عن خصيف وليث و عبدة بن أبي لبابة والعلاء بن عبد الكريم مستندًا إلى الدلالات العقلية، والنظائر، فقال: «لأنه لا نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس في عاجل النفع، فكان معلومًا بذلك أنّ معنى الإحياء: سلامة جميع النفوس منه؛ لأنّه مَن لم يتقدم على نفس واحدة فقد سلم منه جميع النفوس، وأن الواحدة منها التي يقوم قتلها مقام جميعها إنما هو في الوِزر؛ لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها، وإن كان فقد بعضها أعم ضررًا من فقد بعض». وقال: «وذلك نظير خبر الله -عزَّ ذكره- عمَّن حاجَّ إبراهيم في ربه، إذ قال له إبراهيم: ﴿ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت﴾ [البقرة:٢٥٨]. فكان معنى الكافر في قيله: ﴿أنا أحيي وأميت﴾: أنا أترك من قدرت على قتله. وفي قوله: وأميت: قتله من قتله. فكذلك معنى الإحياء في قوله: ﴿ومن أحياها﴾: مَن سَلِم الناس من قتله إياهم، إلا فيما أذن الله جل وعز في قتله منهم ﴿فكأنما أحيا الناس جميعا﴾». وكذا رجَّحه ابنُ كثير (٥/١٨١)، ولم يذكر مستندًا. وساق ابنُ عطية (٣/١٥٢) الأقوال الواردة في تفسير الآية، ثم علَّق بقوله: «والذي أقول: إنّ الشبه بين قاتل النفس وقاتل الكل لا يَطَّرد من جميع الجهات، لكن الشبه قد تحصَّل من ثلاث جهات: إحداها: القَوَد فإنه واحد. والثانية: الوعيد، فقد توعد الله قاتل النفس بالخلود في النار، وتلك غاية العذاب، فإن فرضناه يخرج من النار بعدُ بسبب التوحيد فكذلك قاتل الجميع إن لو اتفق ذلك. والثالثة: انتهاك الحرمة، فإنّ نفسًا واحدة في ذلك وجميع الأنفس سواء، والمنتهك في واحدة ملحوظ بعين منتهك الجميع، ومثال ذلك رجلان حلفا على شجرتين ألا يطعما من ثمرهما شيئًا، فطعم أحدهما واحدة من ثمر شجرته، وطعم الآخر ثمر شجرته كله، فقد استويا في الحنث». ثم نقل عن قوم أنهم قالوا: لما كان المؤمنون كلهم يطلبون القاتل كان كمن قتل الناس جميعًا. وانتقده بقوله: «وهذا قول مُتَداعٍ، ولم يتخلص التشبيه إلى طرف في شيء من هذه الأقوال [أي: الأقوال الواردة في تفسير الآية]»
أفادت الآثارُ اختلافَ أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿لكلٍ جعلنا منكم﴾ على قولين: أحدهما: المعنيُّ بذلك: أهل الملل المختلفة، أي: أنّ الله جعل لكل مِلّةٍ شريعةً ومنهاجًا. والآخر: المعنيُّ بذلك: أمَّةَ محمد ﷺ. ومعنى الكلام: قد جعلنا الكتاب الذي أنزلناه إلى نبينا محمدٍ ﷺ أيها الناس لكُلِّكم -أي: لكل مَن دخل في الإسلام، وأقرّ بمحمد ﷺ أنه لي نبيٌّ- شرعةً ومنهاجًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (٨/٤٩٥) القول الأول، وهو قول عليّ، وقتادة، ومَن تبعهما بدلالة السياق، فقال: «إنما قلنا ذلك أولى بالصواب لقوله: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾. ولو كان عنى بقوله: ﴿لكل جعلنا منكم﴾ أمة محمد -وهم أمّة واحدةٌ-لم يكن لقوله: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ -وقد فعل ذلك فجعلهم أمة واحدة- معنىً مفهوم. ولكن معنى ذلك على ما جرى به الخطاب من الله لنبيه محمد ﷺ أنّه ذكر ما كتب على بني إسرائيل في التوراة، وتقدَّم إليهم فيها بالعمل بما فيها، ثم ذكر أنه قفّى بعيسى ابن مريم على آثار الأنبياء قبله، وأنزل عليه الإنجيل، وأمر من بَعثه إليه بالعمل بما فيه. ثم ذكر نبيَّنا محمدًا ﷺ، وأخبره أنه أنزل إليه الكتابَ مصدِّقًا لما بين يديه من الكتاب، وأمره بالعمل بما فيه، والحكم بما أنزل إليه فيه دون ما في سائر الكتب غيره، وأعلمه أنه قد جعل له ولأمته شريعةً غيرَ شرائع الأنبياء والأمم قبلَه الذين قصَّ عليهم قصصَهم، وإن كان دينه ودينهم -في توحيد الله، والإقرار بما جاءهم به من عنده، والانتهاء إلى أمره ونهيه- واحدًا، فهم مختلفو الأحوال فيما شرع لكل واحد منهم ولأمته فيما أُحِلّ لهم وحُرِّم عليهم». وبنحوه قال ابنُ كثير (٥/٢٤٩). وعلَّقَ ابنُ عطية (٣/١٨٤) مُوَضِّحًا المراد مِن ذلك القول، فقال: «وهذا عندهم في الأحكام، وأما في المعتقد فالدين واحد لجميع العالم، توحيد وإيمان بالبعث وتصديق للرسل، وقد ذكر الله تعالى في كتابه عددًا من الأنبياء شرائعهم مختلفة، ثم قال لنبيه ﷺ: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام:٩٠]، فهذا عند العلماء في المعتقدات فقط، وأما في الشرائع فهذه الآية هي القاضية فيها: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾». وبيَّن أن قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكُمْ﴾ يحتمل احتمالين: الأول: الأمم. الثاني: أن يكون المراد: الأنبياء لا سيما وقد تقدم ذكرهم وذكر ما أنزل عليهم. ثم قال: «وتجيء الآية -مع هذا الاحتمال في الأنبياء- تنبيهًا لمحمد ﷺ، أي: فاحفظ شرعتك ومنهاجك لئلا يستزلك اليهود وغيرهم في شيء منه»
اختُلِف في معنى: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أنهم عضُّوا أصابعهم غيظًا. الثاني: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا منه، ووضعوا أيديهم على أفواههم. الثالث: أنهم كذبوهم بأفواههم، وردُّوا عليهم قولهم. الرابع: أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل؛ ردًّا لقولهم. ووجَّه ابنُ جرير (١٣/٦٠٨) القول الثالث، وهو قول مجاهد، وقتادة بقوله: «وكأنّ مجاهدًا وجَّه قوله: ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾ إلى معنى: ردُّوا أياديَ الله التي لو قبلوها كانت أياديَ ونعمًا له عندهم، فلم يقبلوها، ووجَّه قوله: ﴿فِي أفْواهِهِمْ﴾ إلى معنى: بأفواههم، يعني: بألسنتهم التي في أفواههم». وعلَّق عليه ابنُ كثير (٨/١٨٢) بقوله: «ويؤيد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وإنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فكأنّ هذا -والله أعلم- تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ فِي أفْواهِهِمْ﴾». ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٦٠٩) القول الأول مستندًا إلى النظائر، ولغة العرب، وهو قول ابن مسعود، وابن زيد، فقال: «وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود، أنهم ردُّوا أيديهم في أفواههم، فعضُّوا عليها غيظًا على الرسل، كما وصف الله عز وجل به إخوانهم من المنافقين، فقال: ﴿وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران:١١٩]، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من ردِّ اليد إلى الفم». وحكى ابنُ عطية (٥/٢٢٨) عن المهدوي قولًا وصفه بالضعف، «وهو أنّ المعنى: أخذوا أيدي الرسل فجعلوها في أفواه الرسل». وانتقده قائلًا: «وهذا عندي لا وجْه له». وذكر أنّ «الأيدي» في هذه الآية قد تتأول بمعنى: الجوارح، وقد تتأول بمعنى: أيدي النعم، ثم قال: «ومما ذكر على أن الأيدي: أيدي النعم، ما ذكره الزجاج، وذلك أنّهم ردُّوا آلاء الرسل في الإنذار والتبليغ بأفواههم، أي: بأقوالهم، -فوصل الفعل بـ»فِي«عوض وصوله بـ»الباء«- وروي نحوه عن مجاهد وقتادة». ثم بيَّن أن المشهور في جمع «يد» النعمة: أياد، وأنها لا يجمع على «أيد»، ثم قال: «إلا أنّ جمعه على أيدٍ لا يكسر بابًا ولا ينقض أصلًا، وبحسبنا أن الزجاج قدَّره وتأول عليه». وذكر أن اللفظ يحتمل -على هذا- معنًى ثانيًا، وهو أن يكون المقصد: رَدُّوا إنعام الرسل في أفواه الرسل، أي: لم يقبلوه، كما تقول لمن لا يعجبك قوله: أمسك يا فلان كلامك في فمك. ثم علَّق بقوله: «ومن حيث كانت أيدي الرسل أقوالًا ساغ هذا فيها، كما تقول: كسرتُ كلام فلان في فمه، أي: رددتُه عليه، وقطعته بقِلَّة القبول والردِّ». ونقل أنّ المهدوي حكى عن مجاهد أنّه قال: معناه: ردوا نِعم الرسل في أفواه أنفسهم بالتكذيب والنَّجْه
اختُلِف في هذا المثل على قولين: الأول: أنه مثل ضربه الله ﷻ لنفسه، وللأوثان؛ فالله سبحانه وتعالى هو المالك لكل شيء، وينفق كيف يشاء، والأوثان مملوكة عاجزة، لا تقدر على شيء، فهل يستوى هذا وهذا؟! وهذا قول مجاهد، والضحاك. والثاني: أنه مثل ضربه الله عز وجل للمؤمن والكافر؛ فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر، والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا هو المؤمن. وهذا قول ابن عباس، وقتادة. ورجَّحَ ابنُ عطية، ومثله ابنُ تيمية (٤/١٧٠)، وكذا ابن القيم القول الأول استنادًا إلى السياق، والدلالة العقلية، فقال ابن عطية (٥/٣٨٨): «هذا التأويل أصوب؛ لأن الآية تكون من معنى ما قبلها وبعدها في تبيين أمر الله والرد على الأصنام». وقال ابنُ القيم (٢/١١٤-١١٥): «القول الأول أشبه بالمراد؛ فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، ثم قال: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء﴾، ومن لوازم هذا المَثَل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقًا حسنًا، والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا مما نبه عليه المثل، وأرشد إليه، فذكره ابن عباس منبهًا على إرادته، لا أنّ الآية اختصت به، فتأمله فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس، وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن الظّانّ أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قوله». ورجَّحَ ابنُ جرير (١٤/٣٠٧) القول الثاني استنادًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «إنما اخترنا القول الذي اخترناه في المثل الأول لأنه -تعالى ذكره- مَثَّل مَثَل الكافر بالعبد الذي وصف صفته، ومَثَّل مَثَل المؤمن بالذي رزقه رزقًا حسنًا فهو ينفق مما رزقه سرًّا وجهرًا، فلم يجز أن يكون ذلك لله مثلًا؛ إذ كان الله إنما مثل الكافر الذي لا يقدر على شيء بأنه لم يرزقه رزقًا ينفق منه سرًّا، ومثل المؤمن الذي وفقه الله لطاعته فهداه لرشده فهو يعمل بما يرضاه الله، كالحر الذي بسط له في الرزق فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا، والله -تعالى ذكره- هو الرازق غير المرزوق، فغير جائز أن يمثل إفضاله وجوده بإنفاق المرزوق الرزق الحسن». وعلَّقَ ابنُ عطية (٥/٣٨٨) على القول الثاني بقوله: «التمثيل على هذا التأويل إنما وقع في جهة الكافر فقط، جعل له مثلًا، ثم قرن بالمؤمن المرزوق، إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، وإنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين»