اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ " كَيْفَ " كلمة تعجُّب، وهو على الله - تعالى - محال، والمراد منه التغليظ والمنع ؛ لأن تلاوة آيات الله عليهم، حالاً بعد حال - مع كون الرسول ﷺ فيهم - تُزيل الشُّبَه، وتُقَرِّر الحُجج، كالمانع من وقوعهم في الكُفْر، فكان صدور الكفر عن هؤلاءِ الحاضرين للتلاوة والرسول معهم أبعد من هذا الوجه.
قال زيد من أرقم : قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال :" أمَّا بَعْدُ، أيُّهَا النَّاسِ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ، يُوشِكُ أن يَأتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فأجِيبَه، وإنِّي تَارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : أوَّلُهُمَا كتَابُ اللهِ، فِيهِ الهُدَى والنُّور، فَتَمسَّكُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَخّذُوا بِهِ ورغب فيه ثم قال : وَأهْل بَيْتِي، أذكِّرُكُمُ اللهَ فِي أهْلِ بَيتِي " (٣).
قوله :﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ جملة حالية، من فاعل :" تَكْفُرُونَ ".
وكذلك قوله :﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ أي : كيف يُوجَد منكم الكفرُ مع وجود هاتين الحالتين ؟
والاعتصام : الامتناع، يقال : اعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ بمعنًى واحدٍ، واعْتَصَمَ زَيْدٌ عَمْراً، أي : هيَّأ له ما يَعْتصِمُ به.
وقيل : الاعتصام : الاستمساك، واستعصم بكذا، أي : استمسك به.
ومعنى الآية : ومن يتمسك بدينِ الله وطاعته فقد هُدِي وأرْشِد إلى صراطٍ مستقيمٍ. وقيل : ومن يؤمن بالله. وقيل : ومن يتمسك بحبل الله وهو القرآن.
والعِصام : ما يُشدُّ به القربة، وبه يسمَّى الأشخاص، والعِصْمة مستعملة بالمعنيَيْن ؛ لأنها مانعةٌ من الخطيئة وصاحبها متمسك بالحق - والعصمة - أيضاً - شِبْه السوار، والمِعْصَم : موضع العِصْمَة، ويُسَمَّى البياض الذي في الرسغ - عُصْمَة ؛ تشبيهاً بها، وكأنهم جعلوا ضمةَ العينِ فارقةً، وأصل العُصْمة : البياض يكون في أيدي الخيل والظباء والوعول، والأعْصَم من الوعول : ما في معاصمها بياضٌ، وهي أشدُّها عَدْواً.
قال :[ الكامل ]
وعصمه الطعام : منع الجوع منه، تقول العرب : عَصَمَ فلاناً الطعامُ، أي : منعه من الجوع.
وقال أحمد بن يحيى : العرب تُسَمِّي الخبز عاصِماً، وجابراً.
قال :[ الرجز ]
ويسمونه عامراً، وأنشد :[ الطويل ]
وأبو مالك كنية الجوع.
وفي الحديث - في النساء :" لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْهُنَّ إلاَّ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ(٧) " وهو الأبيض الرجلين.
وقيل : الأبيض الجناحَين.
قال ﷺ :" " المَرْأةُ الصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ في الغِرْبَانِ ".
قيل : يا رسولَ الله، وما الغراب الأعصم ؟ قال " الَّذِي فِي أحدِ جَنَاحَيْه بَيَاضٌ (٨) ".
وفي الحديث : كنا مع عمرو بن العاص، فدخلنا شِعْباً، فإذا نحن بغربان(٩)، وفيهن غُرابٌ أحمرُ المنقار أحمر الرِّجلين، فقال عَمرو : قال رسول الله ﷺ " لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ بِقَدْرِ هَذَا مِنَ الغِرْبَانِ " والمراد منه : التقليل.
قوله :" فقد هدي " جواب الشرط، وجيء في الجواب ب " قد " دلالةً على التوقُّع ؛ لأن المعتصم متوقع الهداية.
والمعنى : ومن يمتنع بدينِ الله، ويتمسك بدينه، وطاعتهِ، فقد هُدِي إلى صراطِ مستقيم واضح. وفسره ابن جرير ومن يعتصم بالله أي : يؤمن بالله.
احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبدِ مخلوق لله تعالى ؛ لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله تعالى، والمعتزلة ذكروا فيه وجوهاً :
أحدها : أن المرادَ بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، كقوله تعالى :﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [المائدة: ١٦] وهذا اختيار القفال.
الثاني : أن التقدير : ومن يعتصم بالله فنعم ما فعل ؛ فإنه إنما هُدِي إلى الصراط المستقيم، ليفعل ذلك.
الثالث : أن التقدير : ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى طريقِ الجنة.
الرابع : قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" فقد هدي " أي : فقد حصل له الهدى - لا محالة - كما تقول : إذا جئتَ فلاناً فقد أفلحتَ، كأن الهدى قد حصل، فهو يخبر عنه حاصِلاً ؛ لأن المعتصم بالله متوقّع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
قال زيد من أرقم : قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال :" أمَّا بَعْدُ، أيُّهَا النَّاسِ، إنَّمَا أنَا بَشَرٌ، يُوشِكُ أن يَأتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فأجِيبَه، وإنِّي تَارِكٌ فيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : أوَّلُهُمَا كتَابُ اللهِ، فِيهِ الهُدَى والنُّور، فَتَمسَّكُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَخّذُوا بِهِ ورغب فيه ثم قال : وَأهْل بَيْتِي، أذكِّرُكُمُ اللهَ فِي أهْلِ بَيتِي " (٣).
قوله :﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ جملة حالية، من فاعل :" تَكْفُرُونَ ".
وكذلك قوله :﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ أي : كيف يُوجَد منكم الكفرُ مع وجود هاتين الحالتين ؟
والاعتصام : الامتناع، يقال : اعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ بمعنًى واحدٍ، واعْتَصَمَ زَيْدٌ عَمْراً، أي : هيَّأ له ما يَعْتصِمُ به.
وقيل : الاعتصام : الاستمساك، واستعصم بكذا، أي : استمسك به.
ومعنى الآية : ومن يتمسك بدينِ الله وطاعته فقد هُدِي وأرْشِد إلى صراطٍ مستقيمٍ. وقيل : ومن يؤمن بالله. وقيل : ومن يتمسك بحبل الله وهو القرآن.
والعِصام : ما يُشدُّ به القربة، وبه يسمَّى الأشخاص، والعِصْمة مستعملة بالمعنيَيْن ؛ لأنها مانعةٌ من الخطيئة وصاحبها متمسك بالحق - والعصمة - أيضاً - شِبْه السوار، والمِعْصَم : موضع العِصْمَة، ويُسَمَّى البياض الذي في الرسغ - عُصْمَة ؛ تشبيهاً بها، وكأنهم جعلوا ضمةَ العينِ فارقةً، وأصل العُصْمة : البياض يكون في أيدي الخيل والظباء والوعول، والأعْصَم من الوعول : ما في معاصمها بياضٌ، وهي أشدُّها عَدْواً.
قال :[ الكامل ]
| لَوْ أنَّ عُصْمَ عَمَامَتَيْن وَيَذْبُلٍ- | -سمعَا حَدِيثَكَ أنْزَلاَ الأوْعَالا(٤) |
وقال أحمد بن يحيى : العرب تُسَمِّي الخبز عاصِماً، وجابراً.
قال :[ الرجز ]
| فَلاَ تَلُومِينِي وَلُومِي جَابِرا | فَجَابِرٌ كَلَّفَنِي الْهَوَاجِرَا(٥) |
| أبُو مَالِكٍ يَعْتَادُنِي بِالظَّهَائِر | يِجِيءُ فَيُلْقِي رَحْلَهُ عِنْدَ عَامِرِ(٦) |
وفي الحديث - في النساء :" لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْهُنَّ إلاَّ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ(٧) " وهو الأبيض الرجلين.
وقيل : الأبيض الجناحَين.
قال ﷺ :" " المَرْأةُ الصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الأعْصَمِ في الغِرْبَانِ ".
قيل : يا رسولَ الله، وما الغراب الأعصم ؟ قال " الَّذِي فِي أحدِ جَنَاحَيْه بَيَاضٌ (٨) ".
وفي الحديث : كنا مع عمرو بن العاص، فدخلنا شِعْباً، فإذا نحن بغربان(٩)، وفيهن غُرابٌ أحمرُ المنقار أحمر الرِّجلين، فقال عَمرو : قال رسول الله ﷺ " لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ بِقَدْرِ هَذَا مِنَ الغِرْبَانِ " والمراد منه : التقليل.
قوله :" فقد هدي " جواب الشرط، وجيء في الجواب ب " قد " دلالةً على التوقُّع ؛ لأن المعتصم متوقع الهداية.
والمعنى : ومن يمتنع بدينِ الله، ويتمسك بدينه، وطاعتهِ، فقد هُدِي إلى صراطِ مستقيم واضح. وفسره ابن جرير ومن يعتصم بالله أي : يؤمن بالله.
فصل
احتجوا بهذه الآية على أن فعل العبدِ مخلوق لله تعالى ؛ لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله تعالى، والمعتزلة ذكروا فيه وجوهاً :
أحدها : أن المرادَ بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، كقوله تعالى :﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ﴾ [المائدة: ١٦] وهذا اختيار القفال.
الثاني : أن التقدير : ومن يعتصم بالله فنعم ما فعل ؛ فإنه إنما هُدِي إلى الصراط المستقيم، ليفعل ذلك.
الثالث : أن التقدير : ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى طريقِ الجنة.
الرابع : قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" فقد هدي " أي : فقد حصل له الهدى - لا محالة - كما تقول : إذا جئتَ فلاناً فقد أفلحتَ، كأن الهدى قد حصل، فهو يخبر عنه حاصِلاً ؛ لأن المعتصم بالله متوقّع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.