جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىَ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : وكيف تكفرون أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله، فترتدوا على أعقابكم ﴿وأنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آياتُ اللّهِ﴾ يعني : حجج الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد ﷺ. ﴿وفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ حجة أخرى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحقّ، ويبصركم الهدى والرشاد، وينهاكم عن الغيّ والضلال يقول لهم تعالى ذكره : فما وجه عذركم عند ربكم في جحودكم نبوّة نبيكم، وارتدادكم على أعقابكم، ورجوعكم إلى أمر جاهليتكم، إن أنتم راجعتم ذلك وكفرتم، وفيه هذه الحجج الواضحة، والآيات البينة، على خطأ فعلكم ذلك إن فعلتموه. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آياتُ اللّهِ﴾. . . الآية، علمان بينان : وُجْدَانُ نبيّ الله ﷺ، وكتاب الله¹ فأما نبيّ الله فمضى صلى الله عليه وسلم¹ وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهركم رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وأما قوله :﴿مَنْ يَعْتَصِمْ باللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فإنه يعني : ومن يتعلق بأسباب الله، ويتمسك بدينه وطاعته، ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ يقول : فقد وفق لطريق واضح ومحجة مستقيمة غير معوجة، فيستقيم به إلى رضا الله وإلى النجاة من عذاب الله والفوز بجنته. كما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ باللّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾ قال : يؤمن بالله.
وأصل العصم : المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصمه، والممتنع به معتصم به، ومنه قول الفرزدق :
| أنا ابْنُ العاصِمينَ بني تَمِيم | ٍإذَا ما أعْظَمُ الحدَثانِ نابَا |
| إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السّرى | وآخُذُ مِنْ كُلّ حَيّ عُصُمْ |
| إذَا أنْتَ جازَيْتَ الإخاءَ بِمِثْلِهِ | وَآسَيْتَنِي ثُمّ اعْتَصَمْتُ حبِالِيا |
| تَعَلّقْتَ هِنْدا ناشِئا ذَاتَ مِئْزَرٍ | وأنتَ وَقد فارَقْتَ لمْ تَدْرِ ما الحِلْمُ |
وقد ذكر أن الذي نزل في سبب تَحَاوُرْ القبيلتين الأوس والخزرج، كان منه قوله :﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آياتُ اللّهِ﴾. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا حسن بن عطية، قال : حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس، قال : كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الاَية :﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آياتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه﴾. . . إلى آخر الآيتين، ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً﴾. . . إلى آخر الاَية.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"وكيف تكفرون"، أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله، فترتدّوا على أعقابكم ="وأنتم تتلى عليكم آيات الله"، يعني: حججُ الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد ﷺ ="وفيكم رسوله" حجةٌ أخرَى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحقّ، ويبصِّركم الهدَى والرشاد، وينهاكم عن الغيّ والضلال؟. يقول لهم تعالى ذكره: فما وجه عُذْركم عند ربكم في جحودكم نبوَّة نبيِّكم، وارتدادكم على أعقابكم، ورجوعكم إلى أمر جاهليتكم، إنْ أنتم راجعتم ذلك وكفرتم، وفيه هذه الحجج الواضحة والآياتُ البينة على خطأ فعلكم ذلك إن فعلتموه؟ كما:-
٧٥٣٣- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله" الآية، علَمان بيِّنان: وُجْدان نبي الله صلى الله عليه وسلم، وكتابُ الله. فأما نبيّ الله فمضى صلى الله عليه وسلم. وأما كتاب الله، فأبقاه الله بين أظهُركم رحمة من الله ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
* * *
وأما قوله:"ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم"، فإنه يعني: ومن يتعلق بأسباب الله، ويتمسَّك بدينه وطاعته ="فقد هدى"، يقول: فقد وُفِّق لطريق واضح، ومحجةٍ مستقيمة غير معوجَّة، فيستقيم به إلى رضى الله، وإلى النجاة من عذاب الله والفوز بجنته، كما:-
* * *
وأصل"العَصْم" المنع، فكل مانع شيئًا فهو"عاصمه"، والممتنع به"معتصمٌ به"، ومنه قول الفرزدق:
| أَنَا ابنُ العَاصِمينَ بَنِي تَمِيم | إذَا مَا أَعْظَمُ الحَدَثَانِ نَابَا (١) |
| إلَى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى | وَآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عُصمْ (٢) |
| إذَا أَنْتَ جَازَيْتَ الإخاءَ بِمِثْلِهِ | وَآسَيْتَنِي، ثمَّ اعْتَصَمْتَ حِبَالِيَا (٤) |
(٢) ديوانه: ٢٩ من قصيدته في ثنائه على صاحبه قيس بن معد يكرب الكندي، وقد مضت منها أبيات في ١: ٢٤٢ / ٥: ٤٢٢. والسرى: سير الليل كله. والعصم جمع عصام، وهكذا ضبط في شعره، وجائز أن يضبط"عصم" (بكسر العين وفتح الصاد) جمع"عصمة" (بكسر العين وسكون الصاد) وكلاهما مجاز في معنى العهود. وقوله: "وآخذ من كل حي عصم"، يعني أن سطوة قيس في الأحياء، ورهبته في صدورهم، تجعل له عند كل حي عهدًا يأخذه ليجوز به أرضهم آمنًا، لا يمسه أحد ولا ينال منه. وسيأتي مثل هذا المعنى في بيت آخر يأتي بعد قليل ص: ٧٠، تعليق: ٣.
(٣) لم أعرف قائله.
(٤) معاني القرآن للفراء ١: ٢٢٨، وضبطه"ثم" هكذا، وبقى جواب"إذا" في بيت بعده فيما أرجح. ولو قرأته"ثم" بفتح الثاء، أي هناك، كان جواب"إذا"، "اعتصمت حباليا". وتم البيت، وانفرد عما بعده. ولكني لا أستطيع أن أرجح هذا حتى أعرف بقية الأبيات.
| تَعَلَّقَتْ هِنْدًا ناشِئًا ذَاتَ مِئْزَرٍ | وَأَنْتَ وَقَدَ قَارَفْتَ، لم تَدْرِ مَا الحِلْمُ (٢) |
وقد بينت معنى"الهدى"،"والصراط"، وأنه معنيّ به الإسلام، فيما مضى قبل بشواهده، فكرهنا إعادته في هذا الموضع. (٣)
* * *
وقد ذكر أن الذي نزل في سبب تَحاوُز القبيلين (٤) الأوس والخزرج، كان منْ قوله: (٥) "وكيف تكفرُون وأنتم تتلى عليكم آيات الله".
*ذكر من قال ذلك:
٧٥٣٥- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا حسن بن عطية قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغرّ بن الصبّاح، عن خليفة بن حُصَين، عن أبي نصر، عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، (٦)
(٢) معاني القرآن ١: ٢٢٨. يقال: "غلام ناشئ، وجارية ناشئة"، ولكنه وصف"هندًا" على التذكير فقال: "ناشئًا"، وقد زعم الليث أنه لم يسمع هذا النعت في الجارية، فكأن الشاعر وصفها به، وأمره على التذكير. وقوله: "وقد قارفت"، أي قاربت ودنوت من الكبر، والجملة حال معترضة. يقول: تعلقها صغيرة لم تحجب بعد، وبلغت ما بلغت، ولم تدر بعد ما الحلم، وهو الأناة والعقل ومفارقة الصبا وطيش الشباب.
(٣) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف ١: ١٦٦ - ١٧٠، وفهارس اللغة / وانظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف ١: ١٧٠ - ١٧٧ وفهارس اللغة.
(٤) في المطبوعة: "تحاور"، وقد أسلفت قراءتي لهذا الحرف وبيانه فيما سلف: ص٥٥ تعليق: ٦، وفي المطبوعة: "القبيلتين" بالتاء، وأثبت ما في المخطوطة.
(٥) في المطبوعة والمخطوطة: "كان منه قوله"، وهو خطأ، والصواب ما في المخطوطة. ويعني أن الآيات التي نزلت في شأن تحاوز الأوس والخزرج واقتتالهما، كان من أول هذه الآية، لا الآيتين قبلها.
(٦) قوله: "كل شهر"، هكذا جاء في المخطوطة واضحا، والذي في الدر المنثور ٢: ٥٨: "كانت الأوس والخزرج في الجاهلية بينهم شر"، وفي القرطبي ٤: ١٥٦: "كان بين الأوس والخزرج قتال وشر في الجاهلية"، ويخشى أن يكون ما في المخطوطة: "كل شهر"، تصحيف"وكل شر"، ولكن ليس هذا موضع الرأي، فإن الذين نقلوا هذا الأثر فيما بين يدي، لم ينقلوه بإسناده هذا، ولا بتمام لفظه كما هنا.