غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
﴿القراءات﴾ :﴿أن تنزل﴾ خفيفاً : ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون بالتشديد. ﴿حج البيت﴾ بكسر الحاء : يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الباقون بفتحها.
الوقوف :﴿تحبون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿تنزل التوراة﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿الظالمون﴾ ه ﴿حنيفاً﴾ ط ﴿المشركين﴾ ه ﴿للعالمين﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿مقام إبراهيم﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿آمنا﴾ ط ﴿سبيلا﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿بآيات الله﴾ ط قد قيل : والوجه الوصل لأن الواو للحال ﴿تعملون﴾ ه ﴿شهداء﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿رسوله﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿مستقيم﴾ ه.
﴿وكيف تكفرون﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب. والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول ﷺ في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة ؟ ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي ﷺ. قلت : أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي ﷺ فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته ﷺ وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً. ولهذا قال ﷺ :" إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي " وقال :" إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك. وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة. ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال :﴿ومن يعتصم بالله﴾ يتمسك بدينه أو يلتجئ إليه في دفع شرور الكفار ﴿فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في صافة. أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا : إنه بفعل العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد الهداية إلى الجنة. قال في الكشاف :﴿فقد هدي﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول : إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً. ومعنى التوقع في " قد " ظاهر لأن المعتصم بالله. متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل :﴿لن تنالوا البر﴾ وهو صفة الله ﴿حتى تنفقوا﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم. إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿كل الطعام كان حلاً﴾ الخلق ثلاثة أصناف : الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة. وهذا الصنف على ثلاثة أقسام : منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[الأعراف: ١٧٩] ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾[التوبة: ١٠٢]﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾[فاطر: ٣٢] وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿أولئك هم خير البرية﴾[البينة: ٧] فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل : المجاهدات تورث المشاهدات ﴿والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا﴾
[العنكبوت: ٦٩] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿قل صدق الله﴾ في قوله :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿وما كان من المشركين﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين. وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿فيه آيات بينات﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ومن دخله﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿كان آمناً﴾ من نار القطيعة ومن عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسماوات بخلوص النيات وصفاء الطويات. ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. ﴿ومن كفر﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لجذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن إتباع الهوى إلا منه تعالى.
التأويل :﴿لن تنالوا البر﴾ وهو صفة الله ﴿حتى تنفقوا﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم. إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿كل الطعام كان حلاً﴾ الخلق ثلاثة أصناف : الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة. وهذا الصنف على ثلاثة أقسام : منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[الأعراف: ١٧٩] ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾[التوبة: ١٠٢]﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾[فاطر: ٣٢] وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿أولئك هم خير البرية﴾[البينة: ٧] فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل : المجاهدات تورث المشاهدات ﴿والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا﴾
[العنكبوت: ٦٩] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿قل صدق الله﴾ في قوله :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿وما كان من المشركين﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين. وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿فيه آيات بينات﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ومن دخله﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿كان آمناً﴾ من نار القطيعة ومن عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسماوات بخلوص النيات وصفاء الطويات. ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. ﴿ومن كفر﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لجذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن إتباع الهوى إلا منه تعالى.
الوقوف :﴿تحبون﴾ ط ﴿عليم﴾ ه ﴿تنزل التوراة﴾ ط ﴿صادقين﴾ ه ﴿الظالمون﴾ ه ﴿حنيفاً﴾ ط ﴿المشركين﴾ ه ﴿للعالمين﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿مقام إبراهيم﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿آمنا﴾ ط ﴿سبيلا﴾ ط ﴿العالمين﴾ ه ﴿بآيات الله﴾ ط قد قيل : والوجه الوصل لأن الواو للحال ﴿تعملون﴾ ه ﴿شهداء﴾ ط ﴿تعملون﴾ ه ﴿كافرين﴾ ه ﴿رسوله﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿مستقيم﴾ ه.
﴿وكيف تكفرون﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب. والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول ﷺ في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة ؟ ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي ﷺ. قلت : أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي ﷺ فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته ﷺ وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً. ولهذا قال ﷺ :" إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي " وقال :" إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك. وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة. ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال :﴿ومن يعتصم بالله﴾ يتمسك بدينه أو يلتجئ إليه في دفع شرور الكفار ﴿فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في صافة. أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا : إنه بفعل العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد الهداية إلى الجنة. قال في الكشاف :﴿فقد هدي﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول : إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً. ومعنى التوقع في " قد " ظاهر لأن المعتصم بالله. متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.
[العنكبوت: ٦٩] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿قل صدق الله﴾ في قوله :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿وما كان من المشركين﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين. وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿فيه آيات بينات﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ومن دخله﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿كان آمناً﴾ من نار القطيعة ومن عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسماوات بخلوص النيات وصفاء الطويات. ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. ﴿ومن كفر﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لجذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن إتباع الهوى إلا منه تعالى.
التأويل :﴿لن تنالوا البر﴾ وهو صفة الله ﴿حتى تنفقوا﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم. إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿كل الطعام كان حلاً﴾ الخلق ثلاثة أصناف : الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة. وهذا الصنف على ثلاثة أقسام : منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾[الأعراف: ١٧٩] ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً﴾[التوبة: ١٠٢]﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾[فاطر: ٣٢] وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿أولئك هم خير البرية﴾[البينة: ٧] فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل : المجاهدات تورث المشاهدات ﴿والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا﴾
[العنكبوت: ٦٩] فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿قل صدق الله﴾ في قوله :﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾ ﴿فاتبعوا ملة إبراهيم﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿وما كان من المشركين﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿إن أول بيت وضع للناس﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين. وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده. فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿فيه آيات بينات﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ومن دخله﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿كان آمناً﴾ من نار القطيعة ومن عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه. ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسماوات بخلوص النيات وصفاء الطويات. ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء. ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية. ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات. ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية. وقس سائر المناسك على هذا. ﴿ومن كفر﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لجذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه. ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن إتباع الهوى إلا منه تعالى.