المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
ثم وقف تعالى المؤمنين على هذا الأمر المستبعد المستشنع الذي يريده بهم اليهود، فقال ﴿وكيف تكفرون وأنتم﴾ بهذه الأحوال الموصوفة ؟ و ﴿كيف﴾ في موضع نصب على الحال، كما هي في قوله تعالى :﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾(١) والمعنى أجاحدين تكفرون ؟ أجاهلين أمستخفين أمرتدين ؟ ونحو هذا من التقدير والواو في قوله :﴿وكيف تكفرون﴾ عاطفة جملة كلام على جملة كلام، ولا يجوز أن تكون ﴿كيف﴾ في هذه الآية كما هي في قولك، كيف تفعل كذا، وأنت تسأل عن شيء ثابت الوقوع متحصله، لأنه كان يلزم أن يكون كفر المؤمنين مقرراً مثبت الوقوع، وتأمل معنى ﴿كيف﴾ إذا وليها فعل، ومعناها إذا وليها اسم(٢)، وقرأ جمهور الناس «تتلى » بالتاء من فوق، وقرأ الحسن :«يتلى » بالياء إذ الآيات هي القرآن، وقوله تعالى :﴿وفيكم﴾ هي ظرفية الحضور والمشاهدة لشخصه عليه السلام، وهو في أمته إلى يوم القيامة، بأقواله وآثاره، و ﴿يعتصم﴾ معناه : يتمسك ويستذري(٣)، وعصم الشيء إذا منع وحمى، ومنه قوله ﴿يعصمني من الماء﴾(٤) والعصم الأسباب التي يمتّ بها، ويعتصم من الخيبة في الغرض المطلوب، وقال الأعشى :[ المتقارب ]
إلى الْمَرْءِ قَيْس أُطِيلُ السُّرى. . . وآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عِصَمْ(٥)
وتصرف اللفظة كثير جداً، وباقي الآية بيّن، والله المستعان.
١ - من الآية (٢٨) من سورة البقرة..
٢ - هناك خلاف في معناها بين السيرافي و وسيبويه..
٣ - يستذري به: يلجأ إليه..
٤ - من الآية (٤٣) من سورة هود..
٥ - البيت في ديوانه من قصيدة يمدح بها قيس بن معد يكرب، والعصم: جمع عصام وهو الحبل للمزادة والقربة، والمراد به هنا كل عهد وموثق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى