الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ : فيه وجهان :/ أَنَّ " تقاة " مصدرٌ، وهو من بابِ إضافة الصفةِ إلى موصوفها ؛ إذ الأصلُ : اتقوا الله التقاةَ الحقَّ أي : الثابت كقولِك :" ضربْتُ زيداً أشدَّ الضَّرْبِ تريد : الضربَ الشديد، وقد تقدَّم تحقيقُ كون " تقاة " مصدراً في أولِ السورة، وزادَ ابن عطية هنا أن " تُقاة " يجوزُ أَنْ يكونَ جمعاً، وهو في ذلك المخالِفِ للإِجماع فقال :" ويَصِحُّ أن يكونَ " التقاة " في هذه الآيةِ جمعَ فاعل، وإنْ كان لم يتصَّرفْ منه فيكونُ كرماة ورامٍ، أو يكونُ جمعَ تَقِيّ، إذ فَعِيل وفاعل بمنزلة، ويكونُ المعنى على هذا : اتقوا اللهَ كما يَحِقُّ أن يكونَ مُتَّقُوه المختصُّون به، ولذلك أُضيفوا إلى ضمير الله تعالى ". قال الشيخ :" وهذا المعنى يَنْبُو عنه هذا اللفظ، إذ الظاهرُ مِنْ قولِهِ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، كما تقول :" ضربْتُ زيداً شديدَ الضرب " أي الضربَ الشديدَ، وكذلك هذا أي : اتقوا اللهَ الاتقاءَ الحقَّ أي : الواجبَ الثابتَ، أمَّا إذا جَعَلْتَ التقاةَ جمعاً فإن المعنى يصيرُ مثل : اضرِبْ زيداً حقَّ ضِرابِهِ، فلا يَدُلُّ هذا التركيبُ على معنى : اضربْ زيداً كما يحِقُّ أن يكونَ ضِرابُه، بل لو صَرَّح بهذا التركيب لاحتيجَ في فهم معناه إلى تقديرِ أشياءَ يَصِحُّ بتقديرِها المعنى، والتقديرُ : اضرب زيداً ضرباً حقاً كما يَحِقُّ أن يكونَ ضربُ ضِرابِه، ولا حاجةَ تَدْعو إلى تحميلِ اللفظِ غيرَ ظاهرِهِ وتكلُّفِ تقاديرَ يَصِحُّ بها معنىً لا يَدُلُّ عليها اللفظُ ".
قوله :﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ هو نَهْيٌ في الصورة عن مَوْتهم إلاَّ على هذه الحالة، والمرادُ دوامُهم على الإِسلام، وذلك أن الموتَ لا بُدَّ منه، فكأنه قيل : دُوموا على الإِسلام إلى الموت، وقريبٌ منه ما حكى سيوبيه :" لا أُرَيَنَّك ههنا " أي لا تكنْ بالحضرةِ فتقَعَ عليك رؤيتي. والجملةُ مِنْ قولِهِ :﴿وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ في محل نصب على الحال والاستثناءُ مفرغٌ من الأحوالِ العامة أي : لا تموتُنَّ على حالةٍ من سائر الأحوال إلا على هذه الحال الحسنة، وجاء بها جملةً اسميةً لانها أبلغُ وآكد، إذ فيها ضميرٌ متكررٌ، ولو قيل :" إلاَّ مسلمين " لم يُفِدْ هذا التأكيدَ، وتقدَّم إيضاحُ هذا التركيب في البقرة عند قولِه تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى