معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾. الحبل : السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وسمي الإيمان حبلاً لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف. واختلفوا في معناه هاهنا، قال ابن عباس : معناه تمسكوا بدين الله، وقال ابن مسعود : هو الجماعة، وقال : عليكم بالجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله، وقال قتادة والسدي : هو القرآن، وروى عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، والشفاء النافع، وعصمة الله لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعة ". وقال مقاتل بن حيان( بحبل الله ) أي بأمر الله وطاعته.
قوله تعالى :﴿ولا تفرقوا﴾. كما افترقت اليهود والنصارى.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن احمد أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك بن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال " إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولى الله أمركم. ويسخط لكم ثلاثا : قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال ". قوله تعالى :﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم﴾. قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار : كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل قتل بينهم، فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد ﷺ، وكان سبب ألفتهم : أن سويد بن الصامت أخاً بني عمرو بن عوف- وكان شريفاً- يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه، قدم مكة حاجاً أو معتمراً، وكان رسول الله ﷺ قد بعث وأمر بالدعوة، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال رسول الله ﷺ : وما الذي معك ؟ فقال : محلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله ﷺ اعرضها علي ؟ فعرضها، فقال : إن هذا كلام حسن، ومعي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي نوراً وهدىً، فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، ولم ينفر. وسر بذلك وقال : إن هذا القول حسن، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل يوم بعاث، فإن قومه ليقولون : إنه قد قتل وهو مسلم. ثم قدم أبو الجيسر أنس بن رافع، ومعه فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ أتاهم فجلس إليهم، وقال : هل لكم إلى خير مما جئتم له ؟ قالوا : وما ذلك ؟ قال : أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئاً، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ -وكان غلاماً حدثاً- أي قوم هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الجيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال : دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله ﷺ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. فلما أراد لله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فلقي عند العقبة رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً وهم ستة نفر : أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، ورافع ابن مالك العجلاني، وقطبة بن عامر بن خريدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله ﷺ من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج، قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم : قال : أفلا تجلسون حتى أكلمكم ؟ قالوا : بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. قالوا : وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وهم كانوا أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان منهم شيء قالوا : إن نبياً الآن مبعوث قد أظل زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه ؟ فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا : إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، فإن جمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا به ﷺ، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ، حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، وهم : أسعد بن زرارة، وعوف، ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن العجلاني، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء خزرجيون وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا، إلى آخر الآية، فإن وفيتم فلكم الجنة، وان غشيتم شيئاً من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم، قال : وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، قال فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ابن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير : انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب : هذا والله سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب : إن يجلس أكلمه، قال : فوقف عليهما متشتماً فقال : ما جاء بكما إلينا ؟ تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال : أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمة مصعب بالإسلام وقرا عليه القرآن، فقالا والله لعرفنا في وجهة الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله، ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام فاغتسل وطهر ثوبه، وشهد شهادة الحق، ثم قام وركع ركعتين، ثم قال لهما : إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، هو سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت ؟ قال : كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأساً وقد نهيتهما، فقالا : فافعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك فقام سعد مغضباً مبادراً للذي ذكره له من بني حارثة، فأخذ الحربة، ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئاً فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتماً، ثم قال لأسعد بن زرارة : لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره ؟ وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد قومه، وإن اتبعك لم يخالفك منهم أحد، فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد : أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن : قالا : فعرفنا والله في وجهة الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله، ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهر ثوبه ثم تشهد شهادة الحق، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلاً قالوا : نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال : فما أمسى في الدار لبني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم أو مسلمة، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل ووافق وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق. قالوا : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلاً مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية. قال كعب بن مالك وكان قد شهد ذلك فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أو جابر أخبرناه، وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه، وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ فشهد معنا العقبة، وكان نقيباً، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة
قوله تعالى :﴿ولا تفرقوا﴾. كما افترقت اليهود والنصارى.
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن احمد أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك بن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال " إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً، وأن تناصحوا من ولى الله أمركم. ويسخط لكم ثلاثا : قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال ". قوله تعالى :﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم﴾. قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار : كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل قتل بينهم، فتطاولت تلك العداوة والحرب بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد ﷺ، وكان سبب ألفتهم : أن سويد بن الصامت أخاً بني عمرو بن عوف- وكان شريفاً- يسميه قومه الكامل لجلده ونسبه، قدم مكة حاجاً أو معتمراً، وكان رسول الله ﷺ قد بعث وأمر بالدعوة، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال رسول الله ﷺ : وما الذي معك ؟ فقال : محلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله ﷺ اعرضها علي ؟ فعرضها، فقال : إن هذا كلام حسن، ومعي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله علي نوراً وهدىً، فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، ولم ينفر. وسر بذلك وقال : إن هذا القول حسن، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل يوم بعاث، فإن قومه ليقولون : إنه قد قتل وهو مسلم. ثم قدم أبو الجيسر أنس بن رافع، ومعه فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ أتاهم فجلس إليهم، وقال : هل لكم إلى خير مما جئتم له ؟ قالوا : وما ذلك ؟ قال : أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئاً، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ -وكان غلاماً حدثاً- أي قوم هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الجيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال : دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله ﷺ عنهم وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. فلما أراد لله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فلقي عند العقبة رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً وهم ستة نفر : أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، وهو ابن عفراء، ورافع ابن مالك العجلاني، وقطبة بن عامر بن خريدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله ﷺ من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج، قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم : قال : أفلا تجلسون حتى أكلمكم ؟ قالوا : بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. قالوا : وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وهم كانوا أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان منهم شيء قالوا : إن نبياً الآن مبعوث قد أظل زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه ؟ فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا : إنا قد تركنا قومنا وبينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، فإن جمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا به ﷺ، فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ، حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً، وهم : أسعد بن زرارة، وعوف، ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن العجلاني، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء خزرجيون وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا، إلى آخر الآية، فإن وفيتم فلكم الجنة، وان غشيتم شيئاً من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم، قال : وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، قال فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ابن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير : انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب : هذا والله سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال مصعب : إن يجلس أكلمه، قال : فوقف عليهما متشتماً فقال : ما جاء بكما إلينا ؟ تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع ؟ فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال : أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمة مصعب بالإسلام وقرا عليه القرآن، فقالا والله لعرفنا في وجهة الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله، ثم قال : ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام فاغتسل وطهر ثوبه، وشهد شهادة الحق، ثم قام وركع ركعتين، ثم قال لهما : إن ورائي رجلاً إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، هو سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً قال : أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد : ما فعلت ؟ قال : كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأساً وقد نهيتهما، فقالا : فافعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك فقام سعد مغضباً مبادراً للذي ذكره له من بني حارثة، فأخذ الحربة، ثم قال : والله ما أراك أغنيت شيئاً فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتماً، ثم قال لأسعد بن زرارة : لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره ؟ وقد قال أسعد لمصعب : جاءك والله سيد قومه، وإن اتبعك لم يخالفك منهم أحد، فقال له مصعب : أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره، قال سعد : أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن : قالا : فعرفنا والله في وجهة الإسلام قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله، ثم قال لهما : كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين ؟ قالا له : تغتسل وتطهر ثوبك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهر ثوبه ثم تشهد شهادة الحق، وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلاً قالوا : نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال : يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال : فما أمسى في الدار لبني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلم أو مسلمة، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل ووافق وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق. قالوا : ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلاً مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية. قال كعب بن مالك وكان قد شهد ذلك فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أو جابر أخبرناه، وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه، وقلنا له : يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطباً للنار غداً، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله ﷺ فشهد معنا العقبة، وكان نقيباً، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلاً ومعنا امرأتان من نسائنا، نسيبة