جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : وتعلقوا بأسباب الله جميعا. يريد بذلك تعالى ذكره : وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة والاجتماع على كلمة الحقّ والتسليم لأمر الله. وقد دللنا فيما مضى قبل على معنى الاعتصام. وأما الحبل، فإنه السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان حبلاً، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف والنجاة من الجزع والذعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة :
| وإذَا تُجَوّزُها حِبالُ قَبِيلةَ | أخذَتَ مِنَ الأُخْرَى إليكَ حِبالَها |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله :﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ قال : الجماعة.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا عمرو بن عون، قال : حدثنا هشيم، عن العوّام، عن الشعبيّ، عن عبد الله في قوله :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ قال : حبل الله : الجماعة.
وقال آخرون : عَنَى بذلك القرآن، والعهد الذي عهد فيه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ حبل الله المتين الذي أمر أن يعتصم به : هذا القرآن.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ قال : بعهد الله وأمره.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن شقيق، عن عبد الله، قال : إن الصراط محتضر تحضره الشياطين، ينادون : يا عبد الله هلمّ هذا الطريق ! ليصدّوا عن سبيل الله. فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو كتاب الله.
حدثنا محمد، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، عن أسباط، عن السديّ :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ أما حبل الله : فكتاب الله.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿بِحَبْلِ الله﴾ : بعهد الله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء :﴿بِحَبْلِ الله﴾ قال : العهد.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ قال : حبل الله : القرآن.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ قال : القرآن.
حدثنا سعيد بن يحيى، قال : حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ :«كِتاب اللّهِ، هُوَ حَبْلُ الله المَمْدُودُ مِنَ السّماءِ إلى الأرْضِ ».
وقال آخرون : بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ يقول : اعتصموا بالإخلاص لله وحده.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا﴾ قال : الحبل : الإسلام. وقرأ ﴿وَلا تَفَرّقُوا﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَلا تَفَرّقُوا﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقوله :﴿وَلا تَفَرّقُوا﴾ : ولا تتفرّقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله ﷺ والانتهاء إلى أمره. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة :﴿وَلا تَفَرّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أن الله عزّ وجلّ قد كره لكم الفرقة وقدّم إليكم فيها، وحذرك موها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية :﴿وَلا تَفَرّقُوا﴾ : لا تعادوا عليه، يقول : على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، أن الأوزاعي حدثه، أن يزيد الرقاشي حدثه، أنه سمع أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :«إنّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقَتْ على إحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإنّ أُمّتِي سَتَفْتَرِقُ على اثْنَيْنِ وَسبعينَ فِرْقَةً كلّهمْ فِي النّارِ إلاّ وَاحِدَةً ». قال : فقيل يا رسول الله، وما هذه الواحدة ؟ قال : فقبض يده وقال :«الجَمَاعَة » ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعا وَلا تَفَرّقُوا﴾.
حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، قال : حدثنا الوليد بن مسلم، قال : سمعت الأوزاعي يحدّث عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ، نحوه.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا المحاربي، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطنة المري، عن عبد الله أنه قال : يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة فإنهما حبل الله الذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة هو خير مما تستحبون في الفرقة.
حدثنا عبد الحميد بن بيان اليشكري، قال : أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطنة، قال : سمعت ابن مسعود وهو يخطب، وهو يقول : يا أيها الناس، ثم ذكر نحوه.
حدثنا إسماعيل بن حفص الأملي، قال : حدثنا عبد الله بن نمير أبو هشام، قال : حدثنا مجالد بن سعيد، عن عامر، عن ثابت بن قطنة المري، قال : قال عبد الله : عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به ثم ذكر نحوه.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلوبِكُم فأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَانا﴾.
يعني بقوله جلّ ثناؤه :﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ : واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام.
واختلف أهل العربية في قوله :﴿إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلوبِكُم﴾ فقال بعض نحويي البصرة في ذلك : انقطع الكلام عند قوله :﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾، ثم فسر بقوله :﴿فَألّفَ بَيْنَ قُلوبِكُم﴾ وأخبر بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول : أمْسَكَ الحائط أن يميل.
وقال بعض نحويي الكوفة : قوله ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلوبِكُم﴾ تابع قوله :﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ غير منقطعة منها.
والصواب من القول في ذلك عندي أن قوله :﴿إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلوبِكُم﴾ متصل بقوله :﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ﴾ غير منقطع عنه.
وتأويل ذلك : واذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم التي أنعم بها عليكم حين كنتم أعداء : أي بشرككم، يقتل بعضكم بعضا، عصبية في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه. كما :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألّفَ بَيْنَ قُلوبِكُمْ﴾ كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إن الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذاب !
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله :﴿وَاذْكرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً﴾ : يقتل بعضكم بعضا، ويأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألّف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانا.
فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكروها هي ألفة الإسلام واجتماع كلمتهم عليها، والعداوة التي كانت بينهم، التي قال الله عزّ وجلّ :﴿إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً﴾ فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب، أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة. كما :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : قال ابن إسحاق : كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم أخوان لأب وأم، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم. ثم إن الله عزّ وجلّ أطفأ ذلك بالإسلام، وألف بينهم برسوله محمد ﷺ.
فذكّرهم جلّ ثناؤه إذ وعظهم عظيم ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضا وقتل بعضهم بعضا، وخوّف بعضهم من بعض، وما صاروا إليه بالإسلام واتباع الرسول ﷺ والإيمان به، وبما جاء به من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانا. وكان سببُ ذلك ما :
حدثنا به ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، قال : ثني ابن إسحاق، قال : حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ من قومه، قالوا : قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا. قال : وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه. قال : فتصدّى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإسلام، قال : فقال له سويد : فلعلّ الذي معك مثل الذي معي ! قال : فقال له رسول الله ﷺ :«وَما الّذِي مَعَكَ ؟ » قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان فقال له رسول الله ﷺ :«اعْرِضْها عَليّ ! » فعرضها عليه، فقال :«إنّ هَذَا الكَلامَ حَسَنٌ، مَعِي أفْضَلُ مِنْ هَذَا، قُرآنٌ أنْزَلَهُ اللّهُ عَلّي هُدًى وَنُورٌ ». قال : فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال : إن هذا القول حسن ثم انصرف عنه، وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، فإن كان قومه ليقولون : قد قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بُعاث.
حدث
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
٧٥٦١- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن قيس بن سعد، عن طاوس:" ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"، قال: على الإسلام، وعلى حُرْمة الإسلام. (١)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا. يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله.
* * *
وقد دللنا فيما مضى قبلُ على معنى"الاعتصام" (٢)
* * *
وأما"الحبل"، فإنه السبب الذي يوصَل به إلى البُغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان"حبلا"، لأنه سبب يُوصَل به إلى زوال الخوف، والنجاة من الجزَع والذّعر، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:
| وَإذَا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قَبِيلَةٍ | أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إلَيْكَ حِبَالَها (٣) |
(٢) انظر تفسير"الاعتصام" فيما سلف قريبا ص: ٦٢، ٦٣.
(٣) ديوانه: ٢٤، ومشكل القرآن: ٣٥٨، والمعاني الكبير: ١١٢٠، واللسان (حبل) وغيرها. من قصيدته في قيس بن معد يكرب، ومضت منها أبيات في ٤: ٢٣٨، ٣٢٧، وهذا البيت في ذكر ناقته، يقول قبله:
| فَتَرَكْتُها بَعْدَ المِرَاحِ رَذِيةً | وَأَمِنْتُ عِنْدَ رُكُوبِهَا إِعْجَالَها |
| فَتَنَاوَلتْ قَيْسًا بِحُرِّ بِلادِه | فأتَتْهُ بَعْدَ تَنُوفَةٍ فأَنَالَهَا |
وقد مضى قبل مثل هذا البيت الأخير ص: ٦٢، تعليق:
| ٢ إلَى المرءِ قيسٍ أُطِيلُ السُّرَى | وَآخذُ من كُلّ حَيٍّ عُصُمْ |
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٧٥٦٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود أنه قال في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعا"، قال: الجماعة.
٧٥٦٣- حدثنا المثني قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن العوّام، عن الشعبي، عن عبد الله في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: حبلُ الله، الجماعة.
* * *
وقال آخرون: عنى بذلك القرآنَ والعهدَ الذي عَهِدَ فيه.
*ذكر من قال ذلك:
٧٥٦٤- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:" واعتصموا بحبل الله جميعًا"، حبل الله المتين الذي أمر أن يُعتصم به: هذا القرآن.
٧٥٦٥- حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا" قال: بعهد الله وأمره.
٧٥٦٧ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد بن المفضل، عن أسباط، عن السدي:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، أما"حبل الله"، فكتاب الله.
٧٥٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"بحبل الله"، بعهد الله.
٧٥٦٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء:"بحبل الله"، قال: العهد.
٧٥٧٠- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله:"واعتصموا بحبل الله" قال: حبلُ الله: القرآن.
٧٥٧١- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: القرآن.
٧٥٧٢- حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كتاب الله، هو حبل الله الممدودُ من السماء إلى الأرض. (٢)
* * *
(٢) الحديث: ٧٥٧٢- عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي -بسكون الراء ثم زاي مفتوحة- أحد الأئمة: مضى توثيقه: ١٤٥٥.
عطية: هو ابن سعد بن جنادة -بضم الجيم- العوفي. وقد بينا في: ٣٠٥ أنه ضعيف.
وقد سقط من المخطوطة والمطبوعة هنا قوله [عن عطية]. وزدناه من نقل ابن كثير ٢: ٢٠٣، عن هذا الموضع من الطبري.
ثم الحديث -من حديث أبي سعيد- يدور في كل ما رأينا من طرقه على عطية العوفي، كما سيأتي:
فرواه أحمد في المسند: ١١٢٢٩، ١١٥٨٢ (ج٣ص ٢٦، ٥٩ حلبي)، عن ابن نمير، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، بنحوه، مرفوعًا مطولا.
ورواه أيضا: ١١١٢٠ (ج ٣ ص ١٤)، من طريق إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي، عن عطية.
ورواه أيضا: ١١١٤٨ (ج ٣ ص ١٧)، عن أبي النضر، عن محمد بن طلحة، عن الأعمش عن عطية العوفي.
وكذلك رواه الترمذي ٤: ٣٤٣، من طريق محمد بن فضيل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد -وعن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم، مرفوعًا، نحوه مطولا. فهو عنده عن أبي سعيد وعن زيد بن أرقم. ثم قال: "هذا حديث حسن غريب".
فأما حديث أبي سعيد، فقد بينا أنه ضعيف، من أجل عطية العوفي.
وأما حديث زيد بن أرقم، فإنه حديث صحيح. وهو قطعة من قصة مطولة، رواها أحمد في المسند ٤: ٣٦٦ - ٣٦٧ (حلبي). ورواها مسلم ٢: ٢٣٧ - ٢٣٨، مطولة ومختصرة.
وروى ابن حبان في صحيحه، رقم: ١٢٣ (بتحقيقنا) - قطعة منه، فيها أن"كتاب الله، هو حبل الله".
ثم نعود لحديث أبي سعيد:
فذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٩: ١٦٣، مطولا، بنحو رواية الترمذي. ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط. وفي إسناده رجال مختلف فيهم"!
ولست أدرى، لم ذكره في الزوائد، وهو في الترمذي؟ ثم لم ترك نسبته للمسند، وهو مروي فيه أربع مرات؟!
وذكره السيوطي ٢: ٦٠، مختصرًا كما هنا. ولم ينسبه إلا لابن أبي شيبة وابن جرير. ثم ذكر الرواية المطولة عن أبي سعيد. ونسبه لابن سعد، وأحمد، والطبراني.
*ذكر من قال ذلك:
٧٥٧٣- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعا"، يقول: اعتصموا بالإخلاص لله وحده.
٧٥٧٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"واعتصموا بحبل الله جميعًا"، قال: الحبل، الإسلام. وقرأ"ولا تفرقوا".
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"ولا تفرقوا"، ولا تتفرقوا عن دين الله وعهده الذي عهد إليكم في كتابه، من الائتلاف والاجتماع على طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والانتهاء إلى أمره. كما:-
٧٥٧٥- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:"ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم"، إنّ الله عز وجل قد كره لكم الفُرْقة، وقدّم إليكم فيها، وحذّركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمعَ والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضى الله لكم إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله.
٧٥٧٦- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبى العالية:"ولا تفرّقوا"، لا تعادَوْا عليه، يقول: على الإخلاص لله، وكونوا عليه إخوانًا. (١)
٧٥٧٧- حدثني المثني قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح: أن الأوزاعي حدثه، أنّ يزيد الرقاشي حدّثه أنه سمع أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسَبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة. قال: فقيل: يا رسول الله، وما هذه الواحدة؟ قال: فقبض يَدَه وقال: الجماعة،"واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا". (٢)
(٢) الحديث: ٧٥٧٧- يزيد الرقاشي: هو يزيد أبان، أبو عمرو، البصري القاص. وقد أشرنا في شرح: ٦٦٥٤، ٦٧٢٨ إلى أنه ضعيف. وقال البخاري في الكبير ٤ / ٢ / ٣٢٠: "كان شعبة يتكلم فيه"، وقال النسائي في الضعفاء: "متروك"، وقال ابن سعد ٧ / ٢ / ١٣: "كان ضعيفًا قدريًا".
والحديث رواه ابن ماجه: ٣٩٩٣، من طريق الوليد بن مسلم: "حدثنا أبو عمرو [هو الأوزاعي]، حدثنا قتادة، عن أنس. فذكره نحوه مرفوعًا، ولكن آخره عنده: "كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
وقال البوصيري في زوائده: "إسناده صحيح. رجاله ثقات". وهو كما قال.
فيكون الأوزاعي رواه عن شيخين، أحدهما ضعيف، والآخر ثقة. وأن الضعيف -يزيد الرقاشي- زاد الاستشهاد بالآية. ولا بأس بذلك، فالمعنى قريب.
وذكره السيوطي ٢: ٦٠، وزاد نسبته لابن أبي حاتم.
٧٥٧٩- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا المحاربي، عن ابن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قُطْبَة المدنيّ، عن عبد الله: أنه قال:"يا أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمرَ به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة، هو خيرٌ مما تستحبون في الفرقة". (٢)
٧٥٨٠- حدثنا عبد الحميد بن بيان السكريّ قال، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن ثابت بن قطبَة قال: سمعت ابن مسعود وهو يخطب وهو يقول: يا أيها الناس، ثم ذكر نحوه. (٣)
(٢) الأثر: ٧٥٧٩-"ثابت بن قطبة المدني الثقفي"، مترجم في الكبير ١ / ٢ / ١٦٨، والجرح ١ / ١ / ٤٥٧، قال البخاري: "سمع ابن مسعود، روى عنه أبو إسحاق، والشعبي" وزاد ابن أبي حاتم: "وزياد بن علاقة، وسالم بن أبي الجعد". وكان في المطبوعة في هذا الموضع وفي الأثرين التاليين"ثابت بن قطنة" بالنون من"قطنة"، وهو خطأ. وفي المخطوطة في هذا الأثر"فطنه" غير منقوطة، ونقطت الباء في الأثرين التاليين. وفي المخطوطة والمطبوعة: "المرى" في هذا الأثر وفي رقم: ٧٥٨١، والصواب"المدني" كما أثبته، وثابت ثقفي، لا مرى.
(٣) الأثر: ٧٥٨٠- في المطبوعة: "عبد الحميد بن بيان اليشكري"، وهو خطأ، والصواب المخطوطة. وقد سلف مثل هذا الخطأ في رقم: ٧٣٧٨، فانظر التعليق عليه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"واذكروا نعمة الله عليكم"، واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام.
واختلف أهل العربية في قوله:"إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم".
فقال بعض نحويي البصرة في ذلك: انقطع الكلام عند قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم"، ثم فسر بقوله:"فألف بين قلوبكم"، وأخبرَ بالذي كانوا فيه قبل التأليف، كما تقول:"أمسَكَ الحائط أن يميل".
وقال بعض نحويي الكوفة: قوله"إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم"، تابع قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم" غير منقطعة منها.
وتأويل ذلك: واذكروا، أيها المؤمنون، نعمة الله عليكم التي أنعمَ بها عليكم، حين كنتم أعداء في شرككم، (١) يقتل بعضكم بعضًا، عصبيةً في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله، فألف الله بالإسلام بين قلوبكم، فجعل بعضكم لبعض إخوانًا بعد إذ كنتم أعداءً تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه، كما:-
٧٥٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم"، كنتم تذابحون فيها، يأكل شديدكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فآخى به بينكم، وألَّف به بينكم. أما والله الذي لا إله إلا هو، إنّ الألفة لرحمة، وإن الفرقة لعذابٌ.
٧٥٨٣- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء"، يقتل بعضكم بعضًا، ويأكل شديدُكم ضعيفكم، حتى جاء الله بالإسلام، فألف به بينكم، وجمع جمعكم عليه، وجعلكم عليه إخوانًا.
* * *
قال أبو جعفر: فالنعمة التي أنعم الله على الأنصار التي أمرهم تعالى ذكره في هذه الآية أن يذكرُوها، هي ألفة الإسلام، واجتماع كلمتهم عليها = والعداوةُ التي كانت بينهم، التي قال الله عز وجل:"إذ كنتم أعداء" فإنها عداوة الحروب التي كانت بين الحيين من الأوس والخزرج في الجاهلية قبل الإسلام، يزعم العلماء بأيام العرب أنها تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة،. كما:-
* * *
فذكَّرهم جل ثناؤه إذ وعظهم، عظيمَ ما كانوا فيه في جاهليتهم من البلاء والشقاء بمعاداة بعضهم بعضًا وقتل بعضهم بعضًا، وخوف بعضهم من بعض، وما صارُوا إليه بالإسلام واتباع الرّسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان به وبما جاء به، من الائتلاف والاجتماع، وأمن بعضهم من بعض، ومصير بعضهم لبعض إخوانًا، وكأن سبب ذلك ما:-
٧٥٨٥- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة المدني، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدم سويد بن صامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا. قال: وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره ونسبه وشرفه. قال: فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام، قال: فقال له سويد: فلعل الذي مَعك مثل الذي معي! قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وما الذي معك؟ قال: مجلة لقمان -يعني: حكمة لقمان- فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اعرضْها عليّ" فعرضها عليه، فقال:"إن هذا لكلام حسنٌ، (٢) معي أفضل من هذا، قرآنٌ أنزله الله عليّ هدًى ونورٌ. قال: فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآنَ، ودعاه إلى الإسلام، فلم يُبعد منه، وقال: إن هذا لقولٌ حَسن! ثم
(٢) في المطبوعة: "إن هذا الكلام"، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة وسيرة ابن هشام.
٧٥٨٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق قال، حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، (٢) أحد بني عبد الأشهل: أن محمودَ بن لبيد، (٣) أحدَ بني عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحَيْسر أنس بن رافع مكة، (٤) ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، (٥) سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجلس إليهم فقال"هل لكم إلى خير مما جئتم له؟ " قالوا: وما ذاك؟ قال:"أنا رسولُ الله، بعثني إلى العباد أدعوهم إلى الله أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، (٦) وأنزل عليَّ الكتاب. ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدُثًا: (٧) أيْ قوم، هذا والله خير مما جئتم له! قال: فيأخذ أبو الحَيْسَر أنس بن رافعَ حفنةً من البطحاء، (٨) فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا! قال: فصمت إياس بن معاذ، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا
(٢) في المطبوعة: "الحسين بن عبد الرحمن... "، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة وسيرة ابن هشام، وهو مترجم في التهذيب.
(٣) في المطبوعة: "محمود بن أسد"، وهو خطأ، صوابه في المخطوطة، ولم يحسن الناشر قراءتها لخلوها من النقط، وصوابه أيضًا في ابن هشام. و"محمود بن لبيد الأشهلي" تابعي، واختلف في صحبته. مترجم في التهذيب.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "أبو الجيش أنس بن رافع"، وهو خطأ فاحش، صوابه من سيرة ابن هشام ٢: ٦٩، وسائر كتب التاريخ.
(٥) في المخطوطة والمطبوعة: "على قوم من الخزرج"، والصواب ما في سيرة ابن هشام. كما أثبت.
(٦) في المخطوطة: "أن يعبدون الله..." سهو من الناسخ، وفي ابن هشام"أدعوهم إلى أن يعبدوا الله".
(٧) غلام حدث (بفتح الحاء وضم الدال) : كثير الحديث حسن السياق له.
(٨) في المطبوعة: "فأخذ أبو الجيش"، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام.
=قال ابن حميد قال، سلمة قال، محمد بن إسحاق، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة؛ عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم:"من أنتم؟ " قالوا: نفر من الخزرج قال، أمن موالي يهود؟ (٣) قالوا: نعم قال: أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ قالوا: بلى!. قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرَض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنَع الله لهم به في الإسلام، (٤) أنّ يهود كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهلَ كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك، أصحابَ أوثان، (٥) وكانوا قد غزوهم ببلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء، قالوا لهم: إن نبيًّا الآن مبعوث قد أظلّ زمانه، نتبعه ونقتلكم معه قتلَ عاد وإرَم!. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفرَ ودعاهم إلى الله عز وجل، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي تَوَعَّدُكم به يهود، فلا يسبقُنَّكم إليه! (٦) فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صَدّقوه وقبلوا منه
(٢) في المطبوعة: "لهم خيرًا"، والصواب من المخطوطة وابن هشام.
(٣) "موالي يهود": أي من حلفائهم، والمولي: الحليف.
(٤) هذا هو النص الصحيح، لما أثبت ناشر سيرة ابن هشام، مخالفا أصول السيرة، وما جاء هنا.
(٥) في ابن هشام: "وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان"، وما في الطبري صواب أيضا.
(٦) في المطبوعة والمخطوطة: "ولا يسبقنكم" بالواو، وأثبت ما في سيرة ابن هشام.
٧٥٨٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن عكرمة: أنه لقىَ النبي ﷺ ستةُ نفرٍ من الأنصار فآمنوا به وصدّقوه، فأراد أن يذهبَ معهم، فقالوا: يا رسول الله، إن
(٢) بيعة النساء، هي البيعة المذكورة في [سورة الممتحنة: ١٢]، ونصها فيما رواه ابن إسحاق بإسناديه عن عبادة بن الصامت أنه قال (ابن هشام ٢: ٧٥، ٧٦) :"بايعنا رسول الله ﷺ لَيلَةَ العقبة الأولى على أن لا نُشْرك بالله شيئًا، ولا نَسْرِق، ولا نزني، ولا نقتُل أولادَنا، ولا نأتي ببُهْتانٍ نَفتريهِ من بين أيدينا وأرجُلنا، ولا نَعْصِيه في معروفٍ = فإِن وَفَيْتُم، فلكُمُ الجنَّة. وإن غَشِيتُم من ذلك شيئًا فأُخِذْتم بحدِّه في الدنيا، فهو كفَّارةٌ لكم. وإن سترتُم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله، إن شاءَ عذب وإن شاءَ غفر". وهذه بيعة لم يذكر فيها القتال والجهاد، مما كتبه الله على الرجال دون النساء، ولذلك سميت بيعة النساء، لأنها مطابقة لبيعتهن المذكورة في سورة الممتحنة.
(٣) الأثر: ٧٥٨٦- سيرة ابن هشام ٢: ٦٩ - ٧٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٧٥٨٥.
٧٥٨٨- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل، قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما:"إذ كنتم أعداء"، ففي حرب ابن سُمَير (١) ="فألف بين قلوبكم"، بالإسلام.
٧٥٨٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بنحوه = وزاد فيه: فلما كان من أمر عائشة ما كان، (٢) فتثاوَر = الحيَّان، فقال بعضهم لبعض: مَوْعدُكم الحَرَّة! فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآيةُ:"واذكروا نعمةَ الله عليكم إذْ كنتم أعداء فألَّف بين
(٢) يعني ما كان من حديث الإفك في أمر عائشة أم المؤمنين، وذلك أن رسول الله ﷺ لما خطب الناس فذكر لهم رجالا يؤذونه في أهله ويقولون عليهن غير الحق، وتولى كبر ذلك رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول في رجال من الخزرج. فقام أسيد بن حضير الأوسي فقال: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس نكفيكهم، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج، فمرنا بأمرك، فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم. فقام سعد بن عبادة الخزرجي، فقال: كذبت لعمر الله، لا تضرب أعناقهم! أما والله ما قلت هذه المقالة إلا لأنك عرفت أنهم من الخزرج، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا! فقال أسيد بن الحضير: كذبت لعمر الله: ولكنك منافق تجادل عن المنافقين! وتثاور الناس حتى كاد أن يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شر (تاريخ الطبري ٣: ٦٩).
هذا ولم أجد ذكر هذا الخبر في كتاب، ولم أجد في كتب أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في شأن عائشة رضي الله عنها، ولا ما كان يومئذ بين الأوس والخزرج. ولم يذكر ذلك أبو جعفر مصرحًا في هذا الموضع، ولا ذكر ذلك في تفسير سورة النور، حيث آيات حديث الإفك وبراءة عائشة أم المؤمنين.
* * *
"وسُمَير" الذي زعم السدي أن قوله"إذ كنتم أعداء" عنى به حربه، هو سُمير بن زيد بن مالك، (٢) أحد بني عمرو بن عوف الذي ذكره مالك بن العجلان في قوله:
إنَّ سُمَيْرًا أَرُى عَشِيرَتَهُ... قَدْ حَدِبُوا دُونَهُ وَقَدْ أنِفُوا (٣) إنْ يَكًنِ الظَّنُّ صَادِقِي بَبَنِي... النَّجَّارِ لَمْ يَطْعَمُوا الَّذِي عُلِفُوا (٤)
(٢) في الأغاني ٣: ٤٠"سمير بن يزيد بن مالك"، وذكر في ٣: ٢١ أنه أخو"درهم بن يزيد بن ضبيعة"، وقد رجحت في التعليق على طبقات فحول الشعراء لابن سلام: ٢٤٧ تعليق: ٦ أنه"درهم بن يزيد بن مالك" من بني ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمر بن عوف. وقد جاء في المطبوعتين"درهم بن زيد" كما جاء هنا في ذكر أخيه"سمير بن زيد".
(٣) جمهرة أشعار العرب: ١٢٢، والأغاني ٢٠، واللسان (سمر) وهذا البيت والذي يليه كتب في المطبوعة بالقاف"أبقوا" ثم"علقوا" وهما في المخطوطة غير منقوطتين، وأوقعهم في ذلك النقط ما جاء في اللسان (سمر)، "أبقوا" بالباء والقاف، وهو خطأ محض ينبغي تصحيحه. فقصيدة مالك فائية لا شك فيها. رواها صاحب جمهرة أشعار العرب بطولها، ورواها أبو الفرج، وروى معها نقائضها، لدرهم بن يزيد، ثم لقيس بن الخطيم، فيما بعد هذه الحرب بدهر، ورد حسان بن ثابت عليه ومناقضته له. وخبر هذا الشعر طويل، هو في الأغاني ٣: ١٨ - ٢٦، ثم ٣٩ - ٤٢. ثم انظر ما قاله الطبري بعد الأبيات.
وقوله: "حدبوا دونه"، يقال: "حدب عليه"، إذا تعطف عليه وحنا عليه. وقوله: "دونه"، عني أنهم عطفوا عليه وحاموا دونه ليمنعوه. وقوله: "أنفوا"، يقال: "أنف الرجل من الشيء يأنف أنفا"، إذا حمى وغضب، وأخذته الغيرة من أن يضام. وكان سمير هذا هو الذي قتل الرجل الثعلبي جار مالك بن العجلان -في خبر الحرب- فطالب مالك بني عمرو بن عوف أن يرسلوا إليه سميرًا ليقتله بجاره، أو يأخذ الدية كاملة، فأبى أولئك، وأبى مالك، وحدب بنو عمرو بن عوف على صاحبهم سمير، واستنفر مالك قبائل الخزرج، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره، فقال هذه الأبيات يحرض بني النجار على نصرته.
(٤) في رواية الجمهرة والأغاني: "صادقا"، وهما سواء. وفي شرح هذا البيت قال أبو الفرج في أغانيه: "علفوا الضيم: إذا أقروا به. أي ظني أنهم لا يقبلون الضيم"، وهذا مجاز قلما تظفر بتفسيره في كتب اللغة. وقد جاء مثل ذلك في هذا المعنى من قول سبيع بن زرارة، أو خالد بن نغسلة (الحماسة ١:
| ١٨٦). إِذَا كُنْتَ في قومٍ عِدًى لَسْتَ مِنْهُمُ | فَكُلْ مَا عُلِفْتُ من خبيثٍ وطيِّبِ |
| ٢٢٥). ولا تَطْعَمَنْ ما يَعْلِفٌونَك إنَّهُمْ | أَتَوْكَ عُلىْ قُرْبَاهُمْ بِالمُثَمَّلِ |
هذا وقد ترك ناشرو هذا التفسير هذين البيتين على حالهما من التصحيف. ثم جاء بعض المعلقين، فكتب ما لا قبل لذي عقل بقبوله، إلا على قول القائل: "فكل ما علفت"!
* * *
وأما قوله:"فأصبحتم بنعمته إخوانًا"، فإنه يعني: فأصبحتم بتأليف الله عز وجل بينكم بالإسلام وكلمة الحق، والتعاون على نصرة أهل الإيمان، والتآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانًا متصادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد، كما:-
٧٥٩٠- حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة،
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾
قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه"وكنتم على شفا حفرة من النار"، وكنّتم، يا معشر المؤمنين، من الأوس والخزرج، على حرف حُفرةٍ من النار. وإنما ذلك مثَلٌ لكفرهم الذي كانوا عليه قبل أن يهديهم الله للإسلام. يقول تعالى ذكره: وكنتم على طرَف جهنم بكفركم الذي كنتم عليه قبل أن يُنعم الله عليكم بالإسلام، فتصيروا بائتلافكم عليه إخوانًا، ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على ذلك من كفركم، فتكونوا من الخالدين فيها، فأنقذكم الله منها بالإيمان الذي هداكم له.
* * *
و"شفا الحفرة"، طرفها وَحرفها، مثل"شفا الركيَّة والبئر"؛ ومنه قول الراجز:
| نَحْنُ حَفَرنَا لِلْحَجيِجِ سَجْلَهْ | نَابِتَةٌ فَوْقَ شَفَاهَا بَقْلَةْ (١) |
| وَمَا النِّيلُ يَأْتِي بالسَّفِينِ يَكُفُّه | بأَجْوَدَ سَيْبًا من عَدِىّ بن نَوْفَل |
| وأنبطْتَ بين المَشْعَرَيْنِ سِقايةً | لِحُجَّاجِ بَيْتِ الله أفْضَلَ مَنْهَلِ |
| نَحْنُ وَهَبْنَا لِعَدِىٍّ سَجْلَهْ | في تُرْبةٍ ذَاتِ عَذَاةٍ سَهْلَهْ |
أي جرعة فجرعة. ولم يتيسر لي تحقيق ذلك الآن بأكثر من هذا
* * *
وقال:"فأنقذكم منها"، يعني فأنقذكم من الحفرة، فردّ الخبر إلى"الحفرة"، وقد ابتدأ الخبر عن"الشفا"، لأن"الشفا" من"الحفرة". فجاز ذلك، إذ كان الخبر عن"الشفا" على السبيل التي ذكرها في هذه الآية = خبرًا عن"الحفرة"، كما قال جرير بن عطية:
| رَأَتْ مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنَّي | كما أخَذ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ (١) |
| دَعِيني، إِنَّ شيبي قَدْ نَهَانِي | وَتَجْرِيبِى، وَشَيْبِى، واكتهالي |
| وَمَنْ يَبْقَى عَلَى غَرَضِ المَنَايا | وَأَيَّامٍ تَمُرُّ مَعَ اللَّيّالِي؟! |
| طُولُ اللَّيَالِي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي | طَوَيْنَ طولِي وَطَوَيْنَ عَرْضِي (٢) |
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل، قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
٧٥٩١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته"، كان هذا الحيّ من العرب أذلَّ الناس ذُلا وأشقاهُ عيشًا، (٤) وأبْيَنَه ضلالة، وأعراهُ
(٢) ديوان العجاج: ٨٠، سيبويه ١: ٢٦، كتاب المعمرين: ٨٧، الأغاني ١٨: ١٦٤، والبيان والتبيين ٤: ٦٠، والخزانة ٢: ١٦٨، العيني (هامش الخزانة) ٣: ٣٩٥، وشرح شواهد المغنى: ٢٩٨ وغيرها. وقد اختلفت في رواية الرجز اختلاف كثير. ورواية أبي محمد الأعرابي:
| أَصْبَحْتُ لا يَحْمِلُ بَعْضِي بَعْضِي | مُنَفَّهًا، أَرُوح مِثْلَ النِّقْضِ |
| ثُمَّ الْتَحَيْنَ عَنْ عِظامِي نحضي | أَقْعِدْنَنِي مِنْ بَعْدِ طُول نَهْضِي |
(٣) ٥: ٧٧، ٧٨.
(٤) قوله: "وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالة..." مع عودة الضمير إلى"الناس"، لأن ضمير المثنى والجمع بعد"أفعل" التفضيل، يجوز إفراده وتذكيره، انظر ما سلف من التعليق على الآثار رقم: ٥٩٦٨، ٦١٢٩، ٧٠٢٨، ٧٠٢٩.
٧٥٩٢- حدثني المثني قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قوله:"وكنتم على شفا حفرة من النار"، يقول: كنتم على الكفر بالله، ="فأنقذكم منها"، من ذلك، وهداكم إلى الإسلام.
٧٥٩٣- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها"، بمحمد ﷺ يقول: كنتم على طرَف النار، من مات منكم أوبِقَ في النار، (٤) فبعث الله محمدا ﷺ فاستنقذكم به من تلك الحفرة.
| بَيْنَ الرَّجَا والرَّجَا من جَنْبِ واصِيَةٍ | يَهْمَاءَ، خَابِطُهَا بالخوف مَكْعُومُ |
(٣) هكذا جاءت الجملتان في المخطوطة، ولست على ثقة من صوابهما، ولا أدري ما يعني بقوله: "دار الجهاد"، والذي نعرف أن الإسلام جاء فأحله للمجاهدين هو"الغنائم" غنائم الحرب والجهاد. فأخشى أن يكون في الكلام تحريف. وقوله: "ووضع لكم به من الرزق" كأنه يعني بقوله: "وضع" بسط، كما فسروه في حديث التوبة: "إن الله واضع يده لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب بالليل"، أي بسط، كما جاء في الرواية الأخرى: "إن الله باسط يده...".
(٤) أوبقه: أهلكه، وقوله: "أوبق" بالبناء للمجهول.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"كذلك"، كما بيَّن لكم ربكم في هذه الآيات، أيها المؤمنون من الأوس والخزرج، من غِلّ اليهود الذي يضمرونه لكم، (٢) وغشهم لكم، وأمره إياكم بما أمركم به فيها، ونهيه لكم عما نهاكم عنه، والحال التي كنتم عليها في جاهليتكم، والتي صرتم إليها في إسلامكم،= (٣) مُعَرِّفَكم في كل ذلك مواقع نعمة قِبَلكم، وصنائعه لديكم،= (٤) فكذلك يبين سائر حججه لكم في تنزيله وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. ="لعلكم تهتدون"، يعني: لتهتدوا إلى سبيل الرشاد وتسلكوها، فلا تضِلوا عنها. (٥)
* * *
(٢) في المطبوعة: "من علماء اليهود..."، وهو فاسد جدًا، والصواب في المخطوطة، ولكنه لم يحسن قراءتها"من عل" غير منقوطة. والغل (بكسر الغين) : الحقد الدفين.
(٣) سياق الجملة: كما بين لكم في هذه الآيات... من غل اليهود... ومن غشهم... ومن أمره... ومن نهيه... ومن الحال التي كنتم عليه..." معطوف بعضه على بعض.
(٤) في المطبوعة: "يعرفكم" بالياء في أوله، والصواب ما في المخطوطة، وهو منصوب الفاء، نصب على الحال.
(٥) عند هذا الموضع، انتهى الجزء الخامس من مخطوطتنا، وفي آخره ما نصه: "نَجَز الجزء الخامس من كتاب البيان، بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، أعان الله على ما بعده بمنه وكرمه، وخفىّ لطفه وسعة رحمته، إنه وَلِيّ ذلك والقادرُ عليه. يتلوه في السادس إنْ شاء الله تعالى: القول في تأويل قوله: "وَلْتَكُنْ منكُمْ أمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ويَأمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئكَ هُمُ المُفْلِحُون". * * *
وكان الفراغُ منه في شهر الله المحرّم غُرّة سنة خمس عشرة وسبعمئة، أحسن الله تَقَضِّيها وخاتمتها في خيرٍ وعافية، بمنّه وكرمه ولطفه - على يدِ العبد الفقير إلى رحمة مولاه، الغنيِّ به عمن سواه: علىّ بن محمد بن عباد (أو: عنان) بن عبد الصمد بن صالح الديدبلي (؟؟) الشافعي، غفر الله له ولوالديه، ولصاحب هذا الكتاب، ولمن قرأ فيه ودعا لهم بالتوبة والمغفرة ورضى الله تعالى والجنة، ولجميع المسلمين. وذلك بالقاهرة المحروسة، بحارة العطوفة. الحمد لله رب العالمين" ثم يتلوه الجزء السادس، وأوله:
"بسم الله الرحمن الرحيم ربّ أعِنْ"