الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ أصل الحبل السبب الذي يوصل إلى البغية والحاجة، ولذلك سمّي الأمان حبلا، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف.
وقال الأعشى بن ثعلبة :
وإذا تجوزها حبال قبيلةأخذت من الأخرى إليك حبالها
واختلفوا في الحبل المعني بهذه الآية :
فقال ابن عباس : تمسكوا بدين الله.
وروى الشعبي عن ابن مسعود أنه قال في قوله :﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً﴾ قال الجماعة.
وقال ابن مسعود : يا أيها الذين آمنوا عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ممّا تحبون في الفرقة.
وقال مجاهد وعطاء : بالعهد.
قتادة والسدي والضحاك : هو القرآن، يدل عليه ما روى عن الحرث أنه قال :" دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت علياً كرم الله وجهه فقلت : ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث ؟ فقال : وقد فعلوا ؟ فقلت : نعم، فقال : أما أني سمعت رسول الله ﷺ يقول :" إنها ستكون فتنة " قال : قلت : فما الخروج منها يا رسول الله ؟ قال :" كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلاّ أن قالوا ﴿سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن: ١] من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور ".
وروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :" إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول ألم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة ".
وروى سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان قال :" دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له : لقد صحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه ؟ قال : نعم، وإنه خطبنا فقال :" إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة " ".
وروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله يقول :" يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله جل جلاله من السماء وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض ".
فقال مقاتل بن حيان :( بحبل الله ) أي بأمره وطاعته.
أبو العالية : بإخلاص التوحيد لله عزّ وجلّ.
ابن زيد : بالإسلام.
﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ كما تفرقت اليهود والنصارى.
وروى الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :" " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن امتي ستفترق على اثنى وسبعين فرقة كلها في النار إلاّ واحدة " فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة ؟ قال فقبض يده، وقال :" الجماعة " ثم قرأ ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ ".
وروى أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد : نحن حبل الله الذي قال الله :﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.
أخبرني محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد : أن رسول الله ﷺ قال :
" إن الله رضى لكم ثلاثاً وكره لكم ثلاثاً : رضى لكم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واسمعوا وأطيعوا لمن ولاّه الله أمركم، وكره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ".
وعن عبد الله بن بارق الحنفي عن سماك - يعني الحنفي - قال : قلت لابن عباس : قوم يظلموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا تمنعهم ؟ فقال : لا يا حنفي أعطهم صدقتهم وإن أتاك أهدل الشفتين منتفش المنخرين يعني زنجياً فأعطه، فنعم القلوص قلوص يأمن بها المرؤس عروسه ووطنه - يعني امرأته - وقربة اللبن يا حنفي الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله :﴿جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.
﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً﴾. قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار قال :" كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سميراً هو سمير بن زيد ابن مالك أحد بني عمرو بن عوف، قيل : حليفاً لملك بن عجلان، [ والآخر من ] الخزرج يقال له : حاطب بن أبحر من مزينة، فوقعت بين القبيلتين الحرب، فزعم العلماء بأيام العرب أن تلك الحرب والعداوة تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأها الله بالإسلام وألّف بينهم برسوله ﷺ وكان سبب الفتهم وارتفاع وحشتهم أن سويد بن صامت أخا بني عمرو بن عوف قدم مكة حاجاً أو معتمراً وكان سويد إنما تسميه قومه الكامل لجلادته وشعره ونسبه وشرفه وحكمته، فقدم سويد مكة وكان رسول الله ﷺ قد بُعث وأمر بالدعوة إلى الله عزّ وجلّ، فتصدّى له حين سمع به، فدعاه النبي ﷺ إلى الله عزّ وجلّ وإلى الإسلام.
فقال له سويد : فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله ﷺ " وما الذي معك ؟ " قال : مجلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله ﷺ " اعرضها عليَّ " فعرضها عليه فقال :" إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل، هذا قرآن أنزله الله عليَّ نوراً وهدى " فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعده عنه وقال : إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث وكان قومه يقولون : قُتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيش أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم أياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ أتاهم فجلس إليهم فقال :" هل لكم إلى خير ممّا جئتم له ؟ " قالوا : وما ذلك ؟ قال :" أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى [ الله أن يعبدوا الله و ] لا يشركوا بالله شيئاً وأنزل عليَّ الكتاب " ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.
فقال إياس بن معاذ وكان غلاماً حدثاً : أي قوم هذا والله خير ممّا جئتم به، فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال : دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت أياس وقام رسول الله ﷺ وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين بني الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقى فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطاً من الخزرج أراد الله بهم خيراً، وهم ستة نفر أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن ملك، وقطبة بن عارف، وعقبة ابن عامر، وجابر بن عبد الله.
فقال لهم رسول الله ﷺ " من أنتم ؟ "
قالوا : نفر من الخزرج، قال :" أمن موالي اليهود ؟ " قالوا : نعم، قال :" أفلا تجلسون حتى أكلمكم ؟ ".
قالوا : بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال : وكان ممّا صنع الله لهم به في الإسلام أن يهوداً كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا : إن نبيّنا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله، فقال بعضهم لبعض : يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا : إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم لك وستقدم عليهم فتدعوهم إلى حربهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا. فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الاسلام حتى فشاهم فيهم فلم تبق لهم دار من دور الأنصار إلاّ وفيها ذكر من رسول الله حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنا عشر رجلاً وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء ورافع بن مالك بن العجلاني الخزرجي وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو فهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان واسمه ملك وعويتم بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء على أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يزنوا إلى آخر الآية ثم قال :" إن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئاً من ذلك ] فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم ] ".
قال رسول الله ﷺ :" السخي الجهول أحبَّ إلى الله من العالم البخيل ".
عبد السلام بن عبد الله عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ﷺ :" السماح شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار ".
﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً﴾.
[ حدثنا ابن حميد قال : حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله المزني عن أبي عبد الرحمن بن عسيلة الضابحى
" عن عبادة بن الصامت قال : كنت فيمن حضر العقبة الأُولى وكنا اثنى عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشّيتم شيئاً من ذلك ].
فأخذتم [ بحدّه ] في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمْركم إلى الله إن شاء عذّبكم وإن شاء غفر لكم، قال : وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، فلمّا انصرف القوم بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان أول مقرئ بالمدينة، وكان منز

تفسير هذه الآية من كتب أخرى