فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هذه الأمة في الفضل على غيرها من الأمم، و «كان » قيل : هي التامة، أي : وجدتم، وخلقتم خير أمة، ومثله ما أنشده سيبويه :
وَجِيرانٍ لَنا كَانُوا كرام ***. . .
ومنه قوله تعالى ﴿كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩] وقوله :﴿واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]. وقال الأخفش : يريد أهل أمة : أي خير أهل دين، وأنشد :
وقيل : معناه : كنتم في اللوح المحفوظ، وقيل : كنتم منذ آمنتم. وفيه دليل على أن هذه الأمة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق، وأن هذه الخيرية مشتركة ما بين أول هذه الأمة، وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم، وإن كانت متفاضلة في ذات بينها. كما ورد في فضل الصحابة على غيرهم. قوله :﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أي : أظهرت لهم. وقوله :﴿تَأْمُرُونَ بالمعروف﴾ الخ كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك، واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر زال عنهم ذلك، ولهذا قال مجاهد : إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية، وهذا يقتضي أن يكون تأمرون، وما بعده في محل نصب على الحال أي : كنتم خير أمة حال كونكم آمرين ناهين مؤمنين بالله، وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه، ورسوله، وما شرعه لعباده، فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور. قوله :﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكتاب﴾ أي : اليهود إيماناً كإيمان المسلمين بالله، ورسله وكتبه :﴿لَكَانَ خَيْراً لهُمْ﴾ ولكنهم لم يفعلوا ذلك ؛ بل قالوا : نؤمن ببعض الكتاب، ونكفر ببعض، ثم بين حال أهل الكتاب بقوله :﴿منْهُمُ المؤمنون﴾ وهم الذين آمنوا برسول الله ﷺ منهم، فإنهم آمنوا بما أنزل عليه، وما أنزل من قبله :﴿وَأَكْثَرُهُم الفاسقون﴾ أي : الخارجون عن طريق الحق المتمردون في باطلهم المكذبون لرسول الله ﷺ ولما جاء به، فيكون هذا التفصيل على هذا كلاماً مستأنفاً جواباً، عن سؤال مقدر، كأنه قيل : هل منهم من آمن فاستحق ما وعده الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله :﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ قال : هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في الآية قال : قال عمر بن الخطاب : لو شاء الله لقال : أنتم فكنا كلنا، ولكن قال ﴿كنتم﴾ في خاصة أصحاب محمد، ومن صنعهم مثل صنعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس، وفي لفظ عنه أنه قال : يكون لأولنا، ولا يكون لآخرنا. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية، ثم قال : يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة في الآية قال : نزلت في ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. وأخرج البخاري، وغيره، عن أبي هريرة في الآية قال : خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن معاوية بن حيدة : أنه سمع النبي ﷺ يقول في الآية :«إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها» وروى من حديث معاذ، وأبي سعيد نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، ولا عذاب، وهذا من فوائد كونها خير الأمم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ قال : تسمعون منهم كذباً على الله يدعونكم إلى الضلالة. وأخرج أيضاً، عن ابن جريج قال : إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، وقتادة :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ قالا : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى ابن المنذر، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ من الله وَحَبْلٍ منَ الناس﴾ قال : بعهد من الله، وعهد من الناس.
وَجِيرانٍ لَنا كَانُوا كرام ***. . .
ومنه قوله تعالى ﴿كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩] وقوله :﴿واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]. وقال الأخفش : يريد أهل أمة : أي خير أهل دين، وأنشد :
| حلفتُ فلم أتْركْ لِنَفْسِك رِيبةً | وَهَلْ يْأثَمَنْ ذُو أمَّةٍ وَهُو طَائِعَ |
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن معاوية بن حيدة : أنه سمع النبي ﷺ يقول في الآية :«إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها» وروى من حديث معاذ، وأبي سعيد نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، ولا عذاب، وهذا من فوائد كونها خير الأمم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ قال : تسمعون منهم كذباً على الله يدعونكم إلى الضلالة. وأخرج أيضاً، عن ابن جريج قال : إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، وقتادة :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ قالا : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى ابن المنذر، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ من الله وَحَبْلٍ منَ الناس﴾ قال : بعهد من الله، وعهد من الناس.