جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :


﴿لَن يَضُرّوكُمْ إِلاّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلّوكُمُ الأدُبَارَ ثُمّ لاَ يُنصَرُونَ﴾
يعني بذلك جلّ ثناؤه : لن يضركم يا أهل الإيمان بالله ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم، وتكذيبهم نبيكم محمدا ﷺ شيئا إلا أذى، يعني بذلك ولكنهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه وعزير، ودعائهم إياكم إلى الضلالة، ولا يضرّونكم بذلك، وهذا من الاستثناء المنقطع، الذي هو مخالف معنى ما قبله، كما قيل ما اشتكى شيئا إلا خيرا، وهذه كلمة محكية عن العرب سماعا.
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿لَنْ يَضُرّوكمْ إلاّ أذًى﴾ يقول : لن يضرّوكم إلا أذى تسمعونه منهم.
حُدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿لَنْ يَضُرّوكُمْ إلاّ أذًى﴾ قال : أذى تسمعونه منهم.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿لَنْ يَضُرّوكُمْ إلاّ أذًى﴾ قال : إشراكهم في عُزَير وعيسى والصليب.
حدثني محمد بن سنان، قال : حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد، عن الحسن في قوله :﴿لَنْ يَضُرّوكُمْ إلاّ أذًى﴾. . . الآية، قال : تسمعون منهم كذبا على الله، يدعونكم إلى الضلالة.

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَإنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلّوكُمُ الأدْبارَ ثُمّ لا يُنْصَرُونَ﴾.


يعني بذلك جلّ ثناؤه : وإن يقاتلكم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، يهزموا عنكم، فيولوكم أدبارهم انهزاما، فقوله :﴿يُوَلّوكُمُ الأدْبارَ﴾ كناية عن انهزامهم، لأن المنهزم يحوّل ظهره إلى جهة الطالب هربا إلى ملجأ، وموئل يئل إليه منه، خوفا على نفسه، والطالب في أثره، فدبر المطلوب حينئذٍ يكون محاذي وجه الطالب الهازمة. ﴿ثُمّ لا يُنْصَرُونَ﴾ يعني : ثم لا ينصرهم الله أيها المؤمنون عليكم لكفرهم بالله ورسوله، وإيمانكم بما آتاكم نبيكم محمد ﷺ، لأن الله عزّ وجلّ قد ألقى الرعب في قلوب كائدكم أيها المؤمنون بنصركم. وهذا وعد من الله تعالى ذكره نبيه محمدا ﷺ وأهل الإيمان نصرهم على الكفرة من أهل الكتاب. وإنما رفع قوله :﴿ثُمّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وقد جزم قوله :﴿يُوَلّوكم الأدْبارَ﴾ على جواب الجزاء ائتنافا للكلام، لأن رءوس الآيات قبلها بالنون، فألحق هذه بها، قال :﴿وَلا يُؤذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ رفعا، وقد قال في موضع آخر :﴿لا يُقْضَى علَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ إذ لم يكن رأس آية.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى