-
( لن يضروكم إلا أذى) .. تسلية للخائفين..مهما تسلط عليكم الأعداء لن يضروكم إلا أذى. أي كذبهم وبُهْتَهُمْ، لَا أنه تكون لهم الْغَلَبَة.
— المبشر
-
تأملات قرآنية
سورة آل عمران
أية 111
— عقيل الشمري
-
مجالس في تدبر القرآن
تدبر آية 111 سورة آل عمران
— خالد السبت
-
آية (١١١) : (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)
* الفرق بين الضرر والأذى:
- الأذى هو الحدث الذي يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه، وتكون له آثار من بعد ذلك، فعندما يصفع الإنسان إنسانا آخر فالصفعة البسيطة تؤلم لكن ألمها يذهب مباشرة، لكن إذا كانت قوية وتسببت في كدمات وتورم فهذا هو الضرر.
- قد يكون الأذى بالكلمة كاستهزاء الفاسق بالمؤمن، هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن ولكنها تؤذي سمعه.
الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا المؤمنين إلا الأذى بالاستهزاء أو الغمز واللمز ، وهذا أقصى ما في استطاعتهم، وليس لهذا الأذى أثر.
* استخدام الفعل المضارع في الآية (يُقَاتِلُوكُمْ ) (يُوَلُّوكُمُ) تفيد الاستمرار لأن القتال ضد الدين مستمر.
* (يُقَاتِلُوكُمْ) فعل شرط مجزوم بحذف النون و (يُوَلُّوكُمُ) أصلها يولونكم وهي جواب شرط مجزوم أيضاً، وعندما يأتي العطف بعد ذلك، فالعادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله: (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ). إنها كسرة إِعْرَابِيّة تجعل الذهن العربي يلتفت إلى أن هناك أمرا جللًا، لأن المتكلم هو الله سبحانه. كيف جاءت " النون "؟
هنا نقف وقفة فَلننطق الآية ككلام البشر: إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصروا. وهذا القول يكون تأريخا لمعركة واحدة، لكن عندما يقاتل المؤمنون أهل الكفر والفسق من بعد ذلك ما الذي سوف يحدث ؟ الإجابة هي: (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) إن هذا القول الحكيم قضية ثابتة منفصلة، حكم من الله على أهل الفسق بأنهم لا يُنصرون أبدًا سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا، وليست معطوفة على الشرط، فعلة عدم النصر ليست القتال، ولكنها الكفر.
* قد يظن إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير هو (يولوكم الأدبار فلا ينصرون) لأن الذي يأتي بعد الـفاء يعطي أنهم لا ينتصرون عليكم في بداية عهدكم، وهذا ما تفيده الفاء لأنها للترتيب والتعقيب المباشر بدون تراخ. لكن الحق أورد حرف ثم وهو يفيد التراخي، وهذا يعني أنهم لا ينتصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يَرُدُّن بها على توليهم الأدبار. إنه حكم تأبيدي مستمر من الحق بأن أهل الفسق لن ينتصروا على أهل الإيمان، ولم بعد انتهاء المعركة القائمة الآن بينهم، إنها هزيمة بحكم نهائي.
* (ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ) أشد وقعا مما لو جاء (لاَ ينتصرون) لأن من الممكن ألاّ ينتصر أهل الكفر بذواتهم، ولكن الإيضاح يؤكد أنهم لا ينتصرون لا بذواتهم، ولا يُنصرون بغيرهم أيضًا.
— مختصر لمسات بيانية
-
آية (111):
* لماذا جاءت (يضرُّكم) بالرفع في آية سورة آل عمران (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120))؟(د.فاضل السامرائي)
أولاً من يقول أن (يضُرُّكم) مرفوعة؟ ومن يقول إنها حالة رفع؟ هذا الفعل مجزوم وللآية قراءتان متواترتان إحداها بالفتح (يضرَّكم) والثانية بالرفع (يضرُّكم). هذا الفعل مجزوم بالسكون حُرِّك لالتقاء الساكنين وكانت الحركة الضمّ للاتباع. وهذا الفعل (ضرّ) فعل ثلاثي مضعّف إذا جُزِم وكان مضموم العين في المضارع مثل عدّ يعُدّ وشدّ يشدّ إذا جُزم فعليه أربعة أحوال:
1. فكّ الإدغام مع الجزم (يضرر) مثل قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) الأنفال) و قوله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) البقرة) وهذا يسري على جميع المضعّفات في حالة الجزم إذا أُسند إلى ضمير مستتر أو اسم ظاهر.
2. الإدغام والفتح كأن نقول لن يضُرَّك كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة 54) بالفتح وهذا مجزوم لكن لمّا صار ادغام التقى ساكنان فعندما ادغمنا الأول يصير ساكناً والثاني ساكن فلا بد من الحركة وعندنا أوجه تحريك إما أن نحركه بالفتح لأنها أخفّ الحركات مثل (يرتَّد) مجزوم وعلامة جزمه السكون لكن حُرِّك لالتقاء الساكنين وحُرِّك بالفتح لأنها أخف الحركات.
3. الادغام مع الكسر كقولنا لا يُضِّر ومثل قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) الحشر).
4. الادغام مع الضمّ إذا كانت العين مضمومة مثل يضُر، يعُد، يمّد يصِحّ أن نقول لم يمّدَّ ولم يمِدّ ولم يمَدّ.
فالفعل إذن ليس مرفوعا ولكنه ًمجزوم وعلامة جزمه السكون وحُرِّك لالتقاء الساكنين وكانت الحركة الضمّ للاتباع هذا من ناحية التفضيل النحوي. لكن يبقى السؤال لماذا اختير في هذه القراءة الضم؟ مع أن الأكثر والأشيع هو الفتح لأن الفتحة أخف الحركات وهو ما عليه الكثير من القُرّاء ؟
قراءة حفص هي التي تقرأ بالضمّ. من المُسلّمات أن الضمّ أثقل الحركات والفتحة أخفّها عندما نقول يضُرَّكم بالفتح تعني كأنه ليس هناك ضرر أصلاً لكن إذا قلنا يضرُّكم بالضم فهي تعني أنه هناك أذى ولكن لا يضركم كما في قوله تعالى (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) آل عمران) ولذا قال تعالى في هذه الآية (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) إشارة إلى أن يضرُّكم بالرفع لا تعني مسح الضرر ولكن يبقى شيء من مخلّفاته التي لا ترقى إلى الضرر مما يؤذي النفس ولهذا جاءت الآية بعدها بالصبر. فحالة الرفع هنا حالة ثقيلة أما حالة الفتح فهي أخف منها فناسب حركة الإعراب الحالة التي تأتي فيها.
وقد يسأل سائل لماذا تختلف القراءات والآية نفسها وفيها قراءتان متواترتان بالرفع والفتح؟ قالوا هناك مواقف في الزمن ومواقف في الأشخاص والناس ليسوا على وتيرة واحدة فيلاقي بعضهم حالات أشد من حالات والزمن ليس واحداً فقد تكون حالة أثقل من حالة وقد يكون ما يلقاه شخص غير ما يلقاه شخص آخر فلذلك خالف وهي إشارة إلى الحالة الواقعية للحياة فلا تكون على وتيرة واحدة لذا جاءت في القراءات أحداها أثقل من الأخرى.
ومن هذا كله نقول أن (يضرُّكم) في الآية مجزومة لأنه فعل مضعّف عينه مضمومة وجاءت للاتّباع. ونلخّص ما قلناه في أحوال جزم الفعل الثلاثي المضعّف وكان مضموم العين ونقول أن كلها ممكنة سواء كان الفعل أمر أو فعل مجزوم إذا أُسند إلى ضمير مستتر أو اسم ظاهر حالات فك الادغام، الادغام مع الفتح أو الكسر كلها جائزة والإدغام مع الضمّ هذا الذي فيه الشرط فلو كان فعل الشرط ماضياً يمكن أن يكون مرفوعاً ويُعدّ ماضياً (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) آل عمران) ولو كان الفعل مضارعاً لا يحتمل الرفع.
— فاضل السامرائي
-
آية:١١١
*لماذا جاءت كلمة (تنصرون) غير مجزومة في الآية (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)) مع أنها معطوفة على مجزوم؟(الشيخ خالد الجندي)
يقاتلوكم ويولوكم فعلان مجزومان الأول هو فعل الشرط (وإن يقاتلوكم) والثاني جواب الشرط (يولوكم) ثم قال تعالى (ثم لا يُنصرون) بدون جزم مع وجود حرف العطف (ثم) وهذا ليس خطأ لغوياً في القرآن حاشا لله كما يدعي بعض المستشرقين الذين يجهلون اللغة العربية ولهؤلاء نقول أنه علينا أن نفهم القرآن أولاً قبل إعراب الجمل والكلمات لأن الإعراب تابع للفهم كما نجد في قوله تعالى (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) ونقول أن قوله تعالى (ثم لا تُنصرون) ليست معطوفة على ما قبلها ولكنها تفيد الاستئناف على التراخي وتعني أن أعداء الله تعالى لن يُنصروا على المؤمنين وليس عندهم نُصرة من الله تعالى حتى لو كان عندهم عدّة النصر فهو لا يُنصرون على الطلاق فلا يوجد عاصي يُنصر من عند الله تعالى فهي إذن جملة مستقلة لوحدها وليست معطوفة على ما قبلها. واستخدام الفعل المضارع في الآية (يقاتولكم، يولوكم) تفيد الاستمرار لأن القتال ضد الدين مستمر (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) والخطاب في الآية موجه للأمة المسلمة التي تقيم الشريعة وتعرف حدود الله تعالى.
*ما الفرق بين الضرر والأذى؟(الشيخ خالد الجندي)
قال تعالى في سورة آل عمران (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)) والكلام في الآية موجه للمؤمنين عن الفاسقين الذين كفروا برسول الله مع علمهم بصدقه وصدق رسالته ونبوته . الأذى هو نوع من أنواع الضرر والضرر نوعان ضرر قاصر وضرر متعدّي فلو شرب أحدهم خمراً يكون قد أضر نفسه فهذا ضرر قاصر اقتصر على الشخص نفسه أما أن يدخّن الإنسان بين الناس فهذا ضرر متعدي للغير وهو ضِرار كما جاء في الحديث الشريف "لا ضرر ولا ضِرار"
ينقسم الضرر من حيث التأثير إلى قسمين ضرر قاصر وضرر متعدي ومن حيث مفعوله ينقسم إلى قسمين أيضاً ضرر مؤقت وضرر بائن والضرر المؤقت هو الذي يستمر لفترة زمنية بسيطة أما الضرر البائن فهو الذي يستمر مفعوله لوقت طويل. والضرر المؤقت هو ما يسمى إيذاء أو أذى أما الضرر البائن فهو الضرر الحقيقي المقصود في اللغة. فلو كان الإيلام مؤقتاً يسمى إيذاء وإن كان دائماً يسمى ضرراً لأنه يدوم وقتاً أطول.
وقد استعمل القرآن الكريم كلمة أذى استعمالاً دقيقاً فقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) الأحزاب) النظرة تؤذي لأنها مؤقتة غير دائمة. ، وقال تعالى في سورة الأحزاب أيضاً (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)) فمجرد أذى الرسول يستوجب لعنة الله تعالى في الدنيا والآخرة ولهم عذاب مهين جزاء إيذائهم للرسول . وقال تعالى في سورة البقرة (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)) وفي سورة النساء (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102)) وفي آية سورة آل عمران (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)) فالآية تدل على أن ما يسمعه المؤمنون من الفاسقين هو ليس إلا أذى كلامياً فقط وليس ضرراً لأنهم مؤمنون متمسكون بإيمانهم والخطاب في الآية هو للمؤمنين أما غير المؤمنين فلن يكون ضرر الفاسقين أذى بالنسبة لهم.
— خالد الجندي
-
آية:(١١١)
* { يُقَاتِلُوكُمْ } فعل شرط محذوفه منه النون و { يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ } أصلها يولونكم الأدبار. وهي جواب شرط حذفت منه النون، وعندما يأتي العطف بعد ذلك، فهل يكون بالرفع أو الجزم؟ إن العادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله: { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } كيف جاءت " النون "؟ (الشيخ محمد متولي الشعراوي)
ما هو الضرر؟ وما هو الأذى؟ إن الأذى هو الحدث الذي يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه، وتكون له آثار من بعد ذلك، فعندما يصفع الإنسان إنسانا آخر صفعة بسيطة فالصفعة البسيطة تؤلم، وألمها يذهب مباشرة، لكن إذا كانت الصفعة قوية وتتسبب في كدمات وتورم فهذا هو الضرر. إذن فالأذى يؤلم ساعة يُباشر الفعل فقط، وقد يكون الأذى بالكلمة كالاستهزاء، فالفاسق قد يستهزئ بالذي آمن، فينطق بكلمة الكفر أو الفُجْر، هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن ولكنها تؤذي سمعه. إن الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا المؤمنين إلا الأذى، وهذا أقصى ما في استطاعتهم، وليس لهذا الأذى أثر.
إذن فقول الحق: { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } يعني أنهم لن يستطيعوا أن ينالوا منكم أبدا اللّهم إلا الاستهزاء أو الغمز واللمز، أو إشارة بحركة تؤذي شعور المؤمن، أو تمجد الكفر، وتعظمه أو ينطق كلمة عهر أو فجر لا يوافق عليها الدين، هذا أقصى ما يستطيعه أهل الفسق، وهم لا يملكون الضرر لأهل الإيمان. وبعد ذلك نرى أن واقع الأمر قد سار على هذا المنوال مع الدعوة المحمدية ومع جنود سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد أطلقها الله كلمة: { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } فصارت الكلمة قانونا. فقد وقعت الوقائع بين جند رسول الله وأهل الفسق، وثبت أن أهل الفسق لم يستطيعوا ضرر أهل الإيمان إلا أذى... القول الحق: { وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ }.
إن { يُقَاتِلُوكُمْ } فعل شرط محذوفه منه النون و { يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ } أصلها يولونكم الأدبار. وهي جواب شرط حذفت منه النون، وعندما يأتي العطف بعد ذلك، فهل يكون بالرفع أو الجزم؟ إن العادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي قوله: { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ }. إنها كسرة إِعْرَابِيّة تجعل الذهن العربي يلتفت إلى أن هناك أمرا جللا، لأن المتكلم هو الله سبحانه. كيف جاءت " النون "؟
هنا نقف وقفة فَلننطق الآية ككلام البشر: إن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصروا. وهذا القول يكون تأريخا لمعركة واحدة، لكن ما الذي سوف يحدث من بعد ذلك؟ ماذا يحدث عندما يقاتل المؤمنون أهل الكفر والفسق؟ وتكون الإجابة هي: { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } إن هذا القول الحكيم يحمل قضية بعيدة عن الشرط والجزاء، إنها حكم من الله على أهل الفسق بأنهم لا يُنصرون أبدا سواء أقاتلوا أن لم يقاتلوا إنها قضية ثابتة منفصلة، وليست معطوفة على الشرط، فعلة عدم النصر، ليست القتال، ولكنها الكفر.
وإذا دققنا الفهم في العبارة حروفا - بعد أن دققنا فيها الفهم جملا - لوجدنا معنى جديدا، فقد يظن إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير، هو " يولوكم الأدبار فلا ينصرون " لأن الذي يأتي بعد الـ " فاء " يعطي أنهم لا ينتصرون عليكم في بداية عهدكم، وهذا ما تفيده الفاء لأنها للترتيب والتعقيب. لكن الحق أورد حرف " ثم " وهو يفيد التراخي، وهذا يعني أنهم لا ينتصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة يَرُدُّن بها على توليهم الأدبار. إنه حكم تأبيدي، لأن " ثم " تأتي للتعقيب مع التراخي، والفاء تأتي للتعقيب المباشر بدون تراخ. لذلك فعندما نقرأ القرآن نجد وضع الفاء كالآتي:{ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ }[عبس: 21] لأن دخول القبر يكون بعد الموت مباشرة، وبعدها يقول الحق:{ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ }[عبس: 22] فإذا كان هناك تعقيب بعد مدّة زمنية فالحق يأتي بـ " ثم " , وإذا كان هناك تعقيب فوري بلا مدة يأتي الحق بـ " ف ".
والتعقيب في الآية التي نتناولها يأتي بعد " ثم " ، وكأن هذا حكم مستمر من الحق بأن أهل الفسق لن ينتصروا على أهل الإيمان، ولم بعد انتهاء المعركة القائمة الآن بينهم، إنها هزيمة بحكم نهائي، هذا هو القول الفصل: { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } وهو أشد وقعا مما لو جاء " لاَ ينتصرون " لماذا؟ لأن من الممكن ألاّ ينتصر أهل الكفر بذواتهم، ولكن الإيضاح يؤكد أنهم - أهل الكفر - لا ينتصرون لا بذواتهم، ولا يُنصرون بغيرهم أيضا.
— محمد متولي الشعراوي