فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ أي : لن يضروكم بنوع من أنواع الضرر إلا بنوع الأذى، وهو الكذب، والتحريف، والبهت، ولا يقدرون على الضرر الذي هو الضرر في الحقيقة بالحرب، والنهب، ونحوهما، فالاستثناء مفرغ، وهذا وعد من الله لرسوله، وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم، وأنهم منصورون عليهم، وقيل : الاستثناء منقطع. والمعنى : لن يضروكم ألبتة لكي يؤذونكم، ثم بين سبحانه ما نفاه من الضرر بقوله :﴿وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُم الأدبار﴾ أي : ينهزمون ولا يقدرون على مقاومتكم فضلاً عن أن يضروكم.
وقوله :﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ عطف على الجملة الشرطية، أي : ثم لا يوجد لهم نصر، ولا يثبت لهم غلب في حال من الأحوال، بل شأنهم الخذلان ما داموا. وقد وجدنا ما وعدنا سبحانه حقاً، فإن اليهود لم تخفق لهم راية نصر، ولا اجتمع لهم جيش غلب بعد نزول هذه الآية، فهي من معجزات النبوة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأحمد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله :﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ قال : هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في الآية قال : قال عمر بن الخطاب : لو شاء الله لقال : أنتم فكنا كلنا، ولكن قال ﴿كنتم﴾ في خاصة أصحاب محمد، ومن صنعهم مثل صنعهم كانوا خير أمة أخرجت للناس، وفي لفظ عنه أنه قال : يكون لأولنا، ولا يكون لآخرنا. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية، ثم قال : يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة في الآية قال : نزلت في ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل. وأخرج البخاري، وغيره، عن أبي هريرة في الآية قال : خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وأحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، عن معاوية بن حيدة : أنه سمع النبي ﷺ يقول في الآية :«إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها» وروى من حديث معاذ، وأبي سعيد نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، ولا عذاب، وهذا من فوائد كونها خير الأمم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن :﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ قال : تسمعون منهم كذباً على الله يدعونكم إلى الضلالة. وأخرج أيضاً، عن ابن جريج قال : إشراكهم في عزير، وعيسى، والصليب. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن، وقتادة :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ قالا : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وروى ابن المنذر، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس :﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ من الله وَحَبْلٍ منَ الناس﴾ قال : بعهد من الله، وعهد من الناس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى