الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ﴾ : أينما شرطٌ وهي ظرفُ مكان و " ما " مزيدةٌ فيها، ف " ثُقفوا " في محلِّ جزمٍ بها، وجوابُ الشرط : إمَّا محذوفٌ أي : أينما ثُقِفوا غُلِبوا وذُلُّوا، دلَّ عليه قوله :﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، وإمَّا نفسُ " ضُرِبَتْ " عند مَنْ يُجيز تقديمَ جواب الشرطِ عليه، ف ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ لا محلَّ له على الأول ومحلُّه الجزمُ على الثاني.
قوله :﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ﴾ هذا الجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال، وهو استثناءٌ مفرغٌ من الأحوال العامة. قال الزمخشري :" وهو استثناءٌ من عامِّ أعمِّ الأحوال، والمعنى :" ضُرِبَتْ عليهم الذِّلَّةُ في عامة الأحوال إلاَّ في حال اعتصامهم بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس "، وعلى هذا فهو استثناءٌ متصلٌ وقال الزجاج والفراء :" هو استثناءٌ منقطعٌ ". فقدَّره الفراء :" إلاَّ أَنْ يَعْتصموا بحبل من الله "، فَحَذَف ما يتعلَّق به الجارُّ، كما قال حميد بن ثور الهلالي :
رَأَتْني بِحَبْلَيْها فَصَدَّتْ مخافةًوفي الحبلِ رَوْعاءُ الفؤادِ فَروقُ
أراد : أقلبت بحبلَيْها، فَحَذَفَ الفعلَ للدلالة عليه. ونظَّره ابن عطية بقوله تعالى :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] قال :" لأن باديَ الرأي يُعْطي أنَّ له أن يَقْتُلَ خطأ، وأنَّ الحبل من الله ومن الناس يُزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنما في الكلام محذوف/ يدركه فهمُ السامعِ الناظرِ في الأمر، وتقديرُه في آيتنا :" فلا نجاة من الموت إلا بحبلٍ " قال الشيخ :" وعلى ما قَدَّره لا يكونُ استثناء منقطعاً لأنه مستثنى من جملة مقدرة وهي قوله :" فلا نجاة من الموت " وهو متصل على هذا التقدير، فلا يكون استثناء منقطعاً من الأول ضرورةَ أنَّ الاستثناءَ الواحدَ لا يكونُ منقطعاً متصلاً، والاستثناءُ المنقطعُ كما تقرَّر في علمِ النحو على قسمين : منه ما يُمْكِنُ أَنْ يتسلَّط عليه العاملُ، ومنه ما لا يمكن في ذلك، ومنه هذه الآيةُ على تقديرِ الانقطاعِ، إذ التقديرُ : لكنَّ اعتصامَهم بحبلٍ من اللهِ وحبلٍ من الناس يُنْجِيهم من القتلِ والأسْر وسَبْيَ الذَّراري واستئصالِ أموالِهم، ويَدُلُّّ على أنه منقطعٌ : الإِخبارُ بذلك في قوله تعالى في سورة البقرة :﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] فلم يَسْتَثْنِ هناك ". وما بعدَ هذه الآيةِ قد تقدَّم إعرابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى