البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
﴿يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ تقدم تفسير مثل هذه الجمل.
﴿ويسارعون في الخيرات﴾ المسارعةُ في الخير ناشئة عن فرط الرغبة فيه، لأنّ مَنْ رغب في أمر بادر إليه وإلى القيام به، وآثر الفور على التراخي.
وجاء في الحديث :« اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك »
وصفهم تعالى بأنهم إذا دعوا إلى خير من نصر مظلوم، وإغاثة مكروب، وعبادة الله، بادروا إلى فعله.
والظاهر في يؤمنون أن يكون صفة أي تالية مؤمنة.
وجوزوا أنْ تكون الجملة مستأنفة، أو في موضع الحال من الضمير في يسجدون، وأن تكون بدلاً من السجود.
قيل : لأن السجود بمعنى الإيمان.
قال الزمخشري : وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان، لإشراكهم به عزيراً وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض، ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين، ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها انتهى كلامه.
وهو حسن.
ولمّا ذكر تعالى هذه الأمة وصفها بصفات ست : إحداها : أنها قائمة، أي مستقيمة على النهج القويم.
ولمّا كانت الاستقامة وصفاً ثابتاً لها لا يتغير جاء باسم الفاعل.
الثانية : الصلاة بالليل المعبر عنها بالتلاوة والسجود، وهي العبادة التي يظهر بها الخلو لمناجاة الله بالليل.
الثالثة : الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو الحامل على عبادة الله وذكر اليوم الآخر لأنّ فيه ظهور آثار عبادة الله من الجزاء الجزيل.
وتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء، إذ هم الذين أخبروا بكينونة هذا الجائز في العقل ووقوعه، فصار الإيمان به واجباً.
الرابعة : الأمر بالمعروف.
الخامسة : النهي عن المنكر، لما كملوا في أنفسهم سعوا في تكميل غيرهم بهذين الوصفين.
السادسة : المسارعة في الخيرات.
وهي صفة تشمل أفعالهم المختصة بهم، والأفعال المتعدية منهم إلى غيرهم.
وهذه الصفات الثلاثة ناشئة أيضاً عن الإيمان، فانظر إلى حسن سياق هذه الصفات حيث توسط الإيمان، وتقدمت عليه الصفة المختصة بالإنسان في ذاته وهي الصلاة بالليل، وتأخرت عنه الصفتان المتعدّيتان والصفة المشتركة، وكلها نتائج عن الإيمان.
﴿وأولئك من الصالحين﴾ هذه إشارة إلى من جمع هذه الصفات الست، أي وأولئك الموصوفون بتلك الأوصاف من الذين صلحت أحوالهم عند الله.
قال الزمخشري : ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين انتهى.
ويشبه قوله قول ابن عباس من أصحاب محمد ﷺ.
وفيما قاله الزمخشري بعد بل : الظاهر أنَّ في الوصف بالصلاح زيادة على الوصف بالإسلام، ولذلك سأل هذه الرتبة بعض الأنبياء فقال تعالى حكاية عن سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم :﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ وقال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام :﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وقال تعالى :﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين﴾ وقال تعالى بعد ذكر إسماعيل :{ وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين } وقال :﴿والشهداء والصالحين﴾ ومن للتبعيض.
وقال ابن عطية : ويحسن أن تكون لبيان الجنس انتهى.
ولم يتقدم شيء فيه إبهام فيبين جنسه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قالوا : وتضمنت هذه الآيات ضروباً من البلاغة والفصاحة.
منها : الوصل والقطع في ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة﴾.
والتكرار : في أصحاب النار هم.
والعدول عن اسم الفاعل إلى غيره : في يتلون وما بعده، وفي يظلمون.
والاكتفاء بذكر بعض الشيء عن كله إذا كان فيه دلالة على الباقي في : يؤمنون بالله واليوم الآخر.
والمقابلة : في تأمرون وتنهون، وفي المعروف والمنكر.
ويجوز أن يكون طباقاً معنوياً، وفي حسنة وسيئة، وفي تسؤهم ويفرحوا.
والاختصاص : في عليم بالمتقين، وفي أموالهم ولا أولادهم، وفي كمثل ريح، وفي حرث قوم ظلموا أنفسهم، وفي بذات الصدور.
والتشبيه : في مثل ما ينقون، وفي بطانة، وفي عضوا عليكم الأنامل من الغيظ على أحد التأويلين، وفي تمسسكم حسنة وتصبكم سيئة.
شبه حصولهما بالمس والإصابة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، والصحيح أن هذه استعارة.
وفي محيط شبه القدرة على الأشياء والعلم بها بالشيء المحدق بالشيء من جميع جهاته، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
والتجنيس المماثل : في ظلمهم ويظلمون، وفي تحبونهم ولا يحبونكم، وفي تؤمنون وآمنا، وفي من الغيظ وبغيظكم.
والالتفات : في وما تفعلوا من خير فلن تكفروه على قراءة من قرأ بالتاء، وفي ما تعملون محيط على أحد الوجهين.
وتسمية الشيء باسم محله : في من أفواههم عبر بها عن الألسنة لأنها محلها.
والحذف في مواضع.
﴿ويسارعون في الخيرات﴾ المسارعةُ في الخير ناشئة عن فرط الرغبة فيه، لأنّ مَنْ رغب في أمر بادر إليه وإلى القيام به، وآثر الفور على التراخي.
وجاء في الحديث :« اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك »
وصفهم تعالى بأنهم إذا دعوا إلى خير من نصر مظلوم، وإغاثة مكروب، وعبادة الله، بادروا إلى فعله.
والظاهر في يؤمنون أن يكون صفة أي تالية مؤمنة.
وجوزوا أنْ تكون الجملة مستأنفة، أو في موضع الحال من الضمير في يسجدون، وأن تكون بدلاً من السجود.
قيل : لأن السجود بمعنى الإيمان.
قال الزمخشري : وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان، لإشراكهم به عزيراً وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض، ومن الإيمان باليوم الآخر لأنهم يصفونه بخلاف صفته، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنهم كانوا مداهنين، ومن المسارعة في الخيرات لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها انتهى كلامه.
وهو حسن.
ولمّا ذكر تعالى هذه الأمة وصفها بصفات ست : إحداها : أنها قائمة، أي مستقيمة على النهج القويم.
ولمّا كانت الاستقامة وصفاً ثابتاً لها لا يتغير جاء باسم الفاعل.
الثانية : الصلاة بالليل المعبر عنها بالتلاوة والسجود، وهي العبادة التي يظهر بها الخلو لمناجاة الله بالليل.
الثالثة : الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو الحامل على عبادة الله وذكر اليوم الآخر لأنّ فيه ظهور آثار عبادة الله من الجزاء الجزيل.
وتضمن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالأنبياء، إذ هم الذين أخبروا بكينونة هذا الجائز في العقل ووقوعه، فصار الإيمان به واجباً.
الرابعة : الأمر بالمعروف.
الخامسة : النهي عن المنكر، لما كملوا في أنفسهم سعوا في تكميل غيرهم بهذين الوصفين.
السادسة : المسارعة في الخيرات.
وهي صفة تشمل أفعالهم المختصة بهم، والأفعال المتعدية منهم إلى غيرهم.
وهذه الصفات الثلاثة ناشئة أيضاً عن الإيمان، فانظر إلى حسن سياق هذه الصفات حيث توسط الإيمان، وتقدمت عليه الصفة المختصة بالإنسان في ذاته وهي الصلاة بالليل، وتأخرت عنه الصفتان المتعدّيتان والصفة المشتركة، وكلها نتائج عن الإيمان.
﴿وأولئك من الصالحين﴾ هذه إشارة إلى من جمع هذه الصفات الست، أي وأولئك الموصوفون بتلك الأوصاف من الذين صلحت أحوالهم عند الله.
قال الزمخشري : ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين انتهى.
ويشبه قوله قول ابن عباس من أصحاب محمد ﷺ.
وفيما قاله الزمخشري بعد بل : الظاهر أنَّ في الوصف بالصلاح زيادة على الوصف بالإسلام، ولذلك سأل هذه الرتبة بعض الأنبياء فقال تعالى حكاية عن سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم :﴿وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين﴾ وقال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام :﴿ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ وقال تعالى :﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً جعلنا صالحين﴾ وقال تعالى بعد ذكر إسماعيل :{ وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين.
وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين } وقال :﴿والشهداء والصالحين﴾ ومن للتبعيض.
وقال ابن عطية : ويحسن أن تكون لبيان الجنس انتهى.
ولم يتقدم شيء فيه إبهام فيبين جنسه.
منها : الوصل والقطع في ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة﴾.
والتكرار : في أصحاب النار هم.
والعدول عن اسم الفاعل إلى غيره : في يتلون وما بعده، وفي يظلمون.
والاكتفاء بذكر بعض الشيء عن كله إذا كان فيه دلالة على الباقي في : يؤمنون بالله واليوم الآخر.
والمقابلة : في تأمرون وتنهون، وفي المعروف والمنكر.
ويجوز أن يكون طباقاً معنوياً، وفي حسنة وسيئة، وفي تسؤهم ويفرحوا.
والاختصاص : في عليم بالمتقين، وفي أموالهم ولا أولادهم، وفي كمثل ريح، وفي حرث قوم ظلموا أنفسهم، وفي بذات الصدور.
والتشبيه : في مثل ما ينقون، وفي بطانة، وفي عضوا عليكم الأنامل من الغيظ على أحد التأويلين، وفي تمسسكم حسنة وتصبكم سيئة.
شبه حصولهما بالمس والإصابة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، والصحيح أن هذه استعارة.
وفي محيط شبه القدرة على الأشياء والعلم بها بالشيء المحدق بالشيء من جميع جهاته، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
والتجنيس المماثل : في ظلمهم ويظلمون، وفي تحبونهم ولا يحبونكم، وفي تؤمنون وآمنا، وفي من الغيظ وبغيظكم.
والالتفات : في وما تفعلوا من خير فلن تكفروه على قراءة من قرأ بالتاء، وفي ما تعملون محيط على أحد الوجهين.
وتسمية الشيء باسم محله : في من أفواههم عبر بها عن الألسنة لأنها محلها.
والحذف في مواضع.