فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
وقوله :﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ صفة أخرى لأمة : أي : يؤمنون بالله وكتبه ورسله، ورأس ذلك الإيمان بما جاء به محمد ﷺ وقوله :﴿وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر﴾ صفتان أيضاً لأمة : أي : أن هذا من شأنهم، وصفتهم. وظاهره يفيد أنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على العموم ؛ وقيل : المراد بالأمر بالمعروف هنا : أمرهم باتباع النبي ﷺ، والنهي عن المنكر : نهيهم عن مخالفته. وقوله :﴿ويسارعون فِي الخيرات﴾ من جملة الصفات أيضاً : أي يبادرون بها غير متثاقلين عن تأديتها لمعرفتهم بقدر ثوابها. وقوله ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين﴾ أي من جملتهم، وقيل :«مِن » بمعنى مع : أي : مع الصالحين، وهم الصحابة رضي الله عنهم، والظاهر أن المراد : كل صالح، والإشارة بقوله :﴿أولئك﴾ إلى الأمة الموصوفة بتلك الصفات.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، عن ابن عباس قال : لما أسلم عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد، وأسيد بن سعيد، ومن أسلم من يهود معهم، فآمنوا، وصدّقوا، ورغبوا في الإسلام، قالت أحبار يهود، وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد، وتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله ﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه :﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يقول : مهتدية قائمة على أمر الله لم تنزع عنه، ولم تتركه، كما تركه الآخرون، وضيعوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم قال :﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ عادلة. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله :﴿آناء الليل﴾ قال : جوف الليل. وأخرج ابن جرير، عن الربيع قال : ساعات الليل. وأخرج عبد بن حميد، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود في قوله :﴿لَيْسُوا سَوَاء﴾ قال : لا يستوي أهل الكتاب، وأمة محمد :﴿يَتْلُونَ آيات الله آنَاء الليل﴾ قال : صلاة العتمة هم : يصلونها، ومن سواهم من أهل الكتاب لا يصلونها. وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال السيوطي : بسند حسن، عن ابن مسعود قال :«أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ليلة، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال :" أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم " ولفظ ابن جرير، والطبراني فقال : إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب. قال : وأنزلت هذه الآية :﴿ليسوا سواء﴾. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن منصور قال : بلغني أنها نزلت هذه الآية :﴿يَتْلُونَ آيات الله آنَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ فيما بين المغرب، والعشاء.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة ﴿فَلَنْ تكفروه﴾ قال : لن يضلّ عنكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن ﴿فَلَنْ تكفروه﴾ قال : لن تظلموه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السديّ في الآية يقول :﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ﴾ أي : المشركون، ولا يتقبل منهم، كمثل هذا الزرع إذا زرعه القوم الظالمون، فأصابه ريح فيها صرّ، فأهلكته، فكذلك أنفقوا، فأهلكهم شركهم. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ قال : برد شديد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى