البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الصر : البرد الشديد المحرق.
وقيل : البارد بمعنى الصرصر كما قال :
لا تعدلن إناء بين تضر بهمنكباء ضرّ بأصحاب المحلات
وقالت ليلى الأخيلية :
ولم يغلب الخصم الألد ويملأالجفان سديفاً يوم منكباء صرصر
وقال ابن كيسان : هو صوت لهب النار، وهو اختيار الزجاج من الصرير.
وهو الصوت من قولهم : صرَّ الشيء، ومنه الريح الصرصر.
وقال الزجاج : والصرُّ صوت النار التي في الريح.
﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صرّ أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾ لمّا ذكر تعالى أنَّ ما فعله المؤمنون من الخير فإنهم لا يحرمون ثوابه، بل يجنون في الآخرة ثمرة ما غرسوه في الدنيا، أخذ في بيان نفقة الكافرين، فضرب لها مثلاً اقتضى بطلانها وذهابها مجاناً بغير عوض.
قال مجاهد : نزلت في نفقات الكفار وصدقاتهم.
وقال مقاتل : في نفقات سفلة اليهود على علمائهم.
وقيل : في نفقة المشركين يوم بدر.
وقيل : في نفقة المنافقين إذا خرجوا مع المسلمين لحرب المشركين.
قال الزمخشري : شبّه ما كانوا ينفقونه من أموالهم في المكارم والمفاخر وكسب الثناء وحسن الذكر بين الناس لا يبتغون به وجه الله بالزرع الذي حسَّه البرد فصار حطاماً.
وقيل : هو ما يتقربون به إلى الله مع كفرهم.
وقيل : ما أنفقوا في عداوة رسول الله ﷺ لأنهم لم يبلغوا بإنفاقه ما أنفقوه لأجله انتهى.
وقال ابن عطية : معناه المثال القائم في النفس من إنفاقهم الذي يعدونه قربة وحسبة وتحنثاً، ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباء منثوراً، وذهابه كالمثال القائم في النفس.
مَنْ زرع قوم نبت واخصرَّ وقوي الأمل فيه فهبت عليه ريح صرّ محرق فأهلكته انتهى.
والظاهر أن ما في قوله : مثل ما ينفقون موصولة، والعائد محذوف، أيْ ينفقونه.
والظاهر تشبيه ما ينفقونه بالريح، والمعنى : تشبيهه بالحرث.
فقيل : هو من التشبيه المركب لم يقابل فيه الإفراد بالإفراد، وقد مر نظيره في قوله تعالى :﴿مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً﴾ ولذلك قال ثعلب : بدأ بالريح، والمعنى على الحرث، وهو اختيار الزمخشري.
وقيل : وقع التشبيه بين شيئين وشيئين، وذكر أحد المشبهين وترك ذكر الآخر، ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي يوازن المذكور الأول وترك ذكر الآخر، ودل المذكوران على المتروكين.
وهذا اختيار ابن عطية.
قال : وهذه غاية البلاغة والإعجاز، ومثل ذلك قوله تعالى :﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق﴾ انتهى.
ويجوز أن يكون على حذف مضاف من الأول تقديره : مثل مهلك ما ينفقون.
أو من الثاني تقديره : كمثل مهلك ريح.
وقيل : يجوز أن تكون ما مصدرية، أي مثل إنفاقهم، فيكون قد شبه المعقول بالمحسوس، إذ شبه الإنفاق بالريح.
وظاهر قوله : ينفقون أنه من نفقة المال.
وقال السدي : معناه ينفقون من أقوالهم التي يبطنون ضدها.
ويضعف هذا أنّها في الكفار الذين يعلنون لا في المنافقين الذين يبطنون.
وقيل : متعلق الإنفاق هو أعمالهم من الكفر ونحوه، هي كالريح التي فيها صر أبطلت أعمالهم كل ما لهم من صلة رحم وتحنثٍ بعتق، كما يبطل الريح الزرع.
قال ابن عطية : وهذا قول حسن، لولا بعد الاستعارة في الإنفاق انتهى.
وقال الراغب : ومنهم من قال : ما ينفقون عبارة عن أعمالهم كلها، لكنه خص الإنفاق لكونه أظهروا أكثر انتهى.
وقرأ ابن هرمز والأعرج : تنفقون بالتاء على معنى قل لهم، وأفرد ريحاً لأنّها مختصة بالعذاب، كما أفردت في قوله :﴿بل هو ما استعجلتم به ريح﴾ ولئن أرسلنا ريحاً إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً كالريح العقيم.
كما أن الجمع مختص بالرحمة أن ﴿يرسل الرياح مبشرات﴾ ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ ﴿يرسل الرياح بشراً﴾ ولذلك روي :« اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً » وارتفاعُ صرّ على أنه فاعل بالمجرور قبله، إذْ قد اعتمد بكونه وقع صفة للريح.
فإنْ كان الصر البرد وهو قول : ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، أو صوت لهيب النار أو صوت الريح الشديدة.
فظاهر كون ذلك في الريح.
وإنْ كان الصرُّ صفةً للريح كالصرصر، فالمعنى فيها قرةُ صرٍّ كما تقول : برد بارد، وحذف الموصوف، وقامت الصفة مقامه.
أو تكون الظرفية مجازاً جعل الموصوف ظرفاً للصفة.
كما قال : وفي الرحمن كاف للضعفاء.
وقولهم : إن ضيعني فلان ففي الله كاف.
المعنى الرحمن كاف، والله كاف.
وهذا فيه بعد.
وقوله : أصابت حرث قوم في موضع الصفة لريح.
بدأ أولاً بالوصف بالمجرور، ثم بالوصف بالجملة.
وقوله : ظلموا أنفسهم جملة في موضع الصفة لقوم.
وظاهره أنهم ظلموا أنفسهم بمعاصيهم، فكان الإهلاك أشد إذ كان عقوبة لهم.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنّ مصائب الدنيا إنما هي بمعاصي العبد.
ويستنبط ذلك من غير ما آية في القرآن، فيستقيم على ذلك أن كل حرث تحرقه الريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه.
وقيل : ظلموا أنفسهم معناه زرعوا في غير أوان الزراعة، أي وضعوا أفعال الفلاحة غير موضعها من وقت أو هيئة عمل.
وخص هؤلاء بالذكر لأن الحرث فيما جرى هذا المجرى أوعب وأشد تمكناً، ونحا إلى هذا القول المهدوي.
﴿وما ظلمهم الله﴾ جوز الزمخشري وغيره أنْ يعودَ الضمير على المنفقين، أي : ما ظلمهم بأنْ لم تُقبل نفقاتهم.
وأنْ يعودَ على أصحاب الحرث أي : ما ظلمهم بإهلاك حرثهم، ولكن ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي.
وقال ابن عطية : الضمير في ظلمهم للكفار الذين تقدّم ضميرهم في ينفقون، وليس هو للقوم ذوي الحرث، لأنهم لم يذكروا ليردَّ عليهم، ولا لتبين ظلمهم.
وأيضاً قوله :﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.
يدل على فعل الحال في حاضرين انتهى.
وهو ترجيح حسن.
وقرئ شاذاً : ولكنَّ بالتشديد، واسمها أنفسهم، والخبر يظلمون.
والمعنى : يظلمونها هم.
وحسنٌ حذفُ هذا الضمير، وإنْ كان الحذف في مثله قليلاً كون ذلك فاصلة رأس آية، فلو صرَّح به لزال هذا المعنى.
ولا يجوز أنْ يعتقدَ أنَّ اسم لكن ضمير الشأن.
وحذف وأنفسهم مفعول بيظلمون، لأن حذف هذا الضمير يختص بالشعر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:قالوا : وتضمنت هذه الآيات ضروباً من البلاغة والفصاحة.
منها : الوصل والقطع في ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة﴾.
والتكرار : في أصحاب النار هم.
والعدول عن اسم الفاعل إلى غيره : في يتلون وما بعده، وفي يظلمون.
والاكتفاء بذكر بعض الشيء عن كله إذا كان فيه دلالة على الباقي في : يؤمنون بالله واليوم الآخر.
والمقابلة : في تأمرون وتنهون، وفي المعروف والمنكر.
ويجوز أن يكون طباقاً معنوياً، وفي حسنة وسيئة، وفي تسؤهم ويفرحوا.
والاختصاص : في عليم بالمتقين، وفي أموالهم ولا أولادهم، وفي كمثل ريح، وفي حرث قوم ظلموا أنفسهم، وفي بذات الصدور.
والتشبيه : في مثل ما ينقون، وفي بطانة، وفي عضوا عليكم الأنامل من الغيظ على أحد التأويلين، وفي تمسسكم حسنة وتصبكم سيئة.
شبه حصولهما بالمس والإصابة، وهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، والصحيح أن هذه استعارة.
وفي محيط شبه القدرة على الأشياء والعلم بها بالشيء المحدق بالشيء من جميع جهاته، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس.
والتجنيس المماثل : في ظلمهم ويظلمون، وفي تحبونهم ولا يحبونكم، وفي تؤمنون وآمنا، وفي من الغيظ وبغيظكم.
والالتفات : في وما تفعلوا من خير فلن تكفروه على قراءة من قرأ بالتاء، وفي ما تعملون محيط على أحد الوجهين.
وتسمية الشيء باسم محله : في من أفواههم عبر بها عن الألسنة لأنها محلها.
والحذف في مواضع.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى