كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ ؛ نزلتِ الآيةُ في الأنصار ؛ كانوا قد ظَاهَرُوا اليهودَ حتى صارَ كأنَّ بينَهم نَسَباً، وكانوا يواصلونَهم ويُعاطِفونَهم حتى كان الرجلُ من الأنصار يتزوَّج فيهم فيختارُهم على قومهِ، فلما جَاءَ اللهُ بمُحَمَّدٍ ﷺ والإسلامُ وآمَنَ الأنصارُ بغَضَهُمْ اليهودُ، وكان الأنصارُ يُخالطونَهم ويُشاورونَهم، كما كانوا يفعلونَ قبلَ الإسلام للرِّضاعة والمصاهرةِ التي كانت بينهم، فنهَى اللهُ الأنصارَ بهذه الآيةِ وما بعدَها.
ومعناهَا : لا تتَّخِذُوا دَخَلاً من غيرِكم يعني اليهودَ. وبطَانَةُ الرَّجُلِ : خَاصَّتُهُ وأهلُ سِرِّهِ الذينَ يَسْتَبْطِنُونَ أمْرَهُ، سُمُّوا بذلك على جهةِ التَّشَبُّهِ ببطانةِ الثَّوب التي تَلِي جِلْدَ الإنسان. وحرفُُ (مِنْ) في قوله :﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ لِلتَّبْييْنِ ؛ أي لا تتَّخذوا الذينَ هم أسافلُ وأراذلُ بطَانَةً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي لا يُبْقُونَ غايةً، ولا يتركُونَ الجهدَ في إلقائِكم في الفسادِ، يقالُ : مَا ألَوْتُ فِي الْحَاجَةِ جُهْداً ؛ أي ما قَصَّرْتُ، ونصبَ (خَبَالاً) على المفعول الثانِي ؛ لأنه يتعدَّى إلى مفعولين، وإن شئتَ على المصدر، وإن شئتَ بنَزع الخافضِ ؛ أي بالْخَبَالِ. وَالْخَبَالُ : الْفَسَادُ، ومثلهُ الْخَبَلُ أيضاً ؛ يقالُ : رَجُلٌ خَبَلُ الرَّأيِ ؛ فَاسِدُ الرَّأي ؛ والانْخِبَالُ : أي الْجُنُونُ. وقال مجاهدُ :(نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مُؤْمِنِيْنَ كَانُوا يُصَافِحُونَ الْمُنَافِقِيْنَ ويُخَالِطُوهُمْ ؛ فَنَهَاهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذلِكَ).
قوله عزّ وَجَلَّ :﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ ؛ أي تَمَنُّوا إثْمَكُمْ وَضُرَّكُمْ وَهَلاَكَكُمْ، والعَنَتُ في اللُّغة : الْمَشَقَّةُ، يقالُ : أكَمَةٌ عَنُوتٌ ؛ أي طويلةٌ شاقَّةُ المسلَكِ. وقرأ عبدُالله :(قَدْ بَدَأ الْبَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ) بالتذكير ؛ لتقدُّم الفعلِ ؛ ولأن معنى الْبَغْضَاءِ : الْبُغْضَ. قوله تعالى :﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ؛ أي قد ظَهَرَتِ العداوةُ من ألسنَتِهم بالشَّتم والطَّعنِ، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ؛ أي وما يُضْمِرُونَ في قلوبهم من القتلِ لو ظَفَّرُوا بكم أعْظَمُ مِمَّا أظهرُوا لكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ ؛ أي أخبرنَاكم بما أخْفَوا وأبْدَوا بالدلالاتِ والعلاَماتِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ الْعَدُوَّ مِنَ الْوَلِيِّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى