جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدّواْ مَا عَنِتّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الآيات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
يعني بذلك تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله، وأقرّوا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم، ﴿لا تَتّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ يقول : لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دونكم، يقول : من دون أهل دينكم وملتكم، يعني من غير المؤمنين. وإنما جعل البطانة مثلاً لخليل الرجل فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه لحلوله منه في اطلاعه على أسراره، وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه، محلّ ما ولي جسده من ثيابه، فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغشّ والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذّرهم بذلك منهم عن مخالّتهم، فقال تعالى ذكره :﴿لا يَألُونَكُم خَبالاّ﴾ يعني لا يستطيعُونَكُمْ شرّا، من أَلَوْتُ آلُو ألُوّا، يقال : ما ألا فلان كذا، أي ما استطاع، كما قال الشاعر :
| جَهْراءُ لا تأْلُو إذا هِيَ أظْهَرَتْ | بَصَرا وَلا مِنْ عَيْلَةٍ تُغْنِيني |
وإنما يعني جلّ ذكره بقوله :﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ البطانة التي نهى المؤمنين عن اتخاذها من دونهم، فقال : إن هذه البطانة لا تترككم طاقتها خبالاً : أي لا تدع جهدها فيما أورثكم الخبال. وأصل الخبال والخبال : الفساد، ثم يستعمل في معان كثيرة، يدلّ على ذلك الخبر عن النبيّ ﷺ :«مَنْ أُصِيبَ بَخْبلٍ أو جِرَاحٍ ».
وأما قوله :﴿وَدّوا ما عَنِتّمْ﴾ فإنه يعني : ودّوا عنتكم، يقول : يتمنون لكم العنت والشرّ في دينكم وما يسوءكم ولا يسرّكم. وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال : قال محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال : كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم، فنهاهم عن مباطنتهم تخوّف الفتنة عليهم منهم :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ إلى قوله :﴿وَتُؤمِنُونَ بالكِتابِ كُلّه﴾.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عزّ وجلّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خبَالاً﴾ في المنافقين من أهل المدينة، نهى الله عزّ وجلّ المؤمنين أن يتولوهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَألُونَكُمْ خَبالاً وَدّوا ما عَنِتمْ﴾ نهى الله عزّ وجلّ المؤمنين أن يس تدخلوا المنافقين أو يؤاخوهم، أي يتولوهم من دون المؤمنين.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ هم المنافقون.
حدثت عن عمار. قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُم لا يأْلونَكُمْ خَبالاً﴾ يقول : لا تستدخلوا المنافقين، تتولوهم دون المؤمنين.
حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا العوام بن حوشب، عن الأزهر بن راشد، عن أنس بن مالك، قال : قال رسول الله ﷺ :«لا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ أهْلِ الشّرْكِ، وَلا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيّا » قال : فلم ندر ما ذلك حتى أتوا الحسن فسألوه، فقال : نعم، أما قوله :«لا تَنْقُشُوا في خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيّا »، فإنه يقول : لا تنقشوا في خواتيمكم «محمد »¹ وأما قوله :«ولا تستضيئوا بَنارِ أهْل الشّرْكِ »، فإنه يعني به المشركين، يقول : لا تستشيروهم في شيء من أموركم. قال : قال الحسن : وتصديق ذلك في كتاب الله، ثم تلا هذه الاَية :﴿يا أيها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾.
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد بن المفضل، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أما البطانة : فهم المنافقون.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. . . الاَية، قال : لا يستدخل المؤمن المنافق دون أخيه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنوا لا تَتّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾. . . الاَية، قال : هؤلاء المنافقون، وقرأ قوله :﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ﴾. . . الاَية.
واختلفوا في تأويل قوله ﴿وَدّوا ما عَنِتّمْ﴾ فقال بعضهم معناه : ودّوا ما ضللتم عن دينكم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن الحسين، قال : حدثنا أحمد، قال : حدثنا أسباط، عن السديّ :﴿وَدّوا ما عَنِتّمْ﴾ يقول : ما ضللتم.
وقال آخرون بما :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج :﴿وَدّوا ما عَنِتّمْ﴾ يقول في دينكم، يعني : أنهم يودّون أن تعنتوا في دينكم.
فإن قال لنا قائل : وكيف قيل :﴿وَدّوا ما عَنِتّمْ﴾ فجاء بالخبر عن البطانة بلفظ الماضي في محل الحال والقطع بعد تمام الخبر، والحالات التي لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها ؟ قيل : ليس الأمر في ذلك على ما ظننت من أن قوله :﴿وَدّوا ما عَنِتّمّ﴾ حال من البطانة، وإنما هو خبر عنهم ثان، منقطع عن الأوّل غير متصل به. وإنما تأويل الكلام : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا صفتهم كذا. فالخبر عن الصفة الثانية غير متصل بالصفة الأولى، وإن كانتا جميعا من صفة شخص واحد.
وقد زعم بعض أهل العربية أن قوله :﴿وَدّوا ما عَنِتّمْ﴾ من صلة البطانة، وقد وصلت بقوله :﴿لا يَألُونَكُمْ خَبالاً﴾ فلا وجه لصلة أخرى بعد تمام البطانة بصلته، ولكن القول في ذلك كما بينا قبل من أن قوله :﴿وَدّوا ما عَنِتّمْ﴾ خبر مبتدأ عن البطانة غير الخبر الأوّل، وغير حال من البطانة ولا قطع منها.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه : قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم بأفواههم، يعني بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم إقامتهم على كفرهم، وعدواتهم من خالف ما هم عليه مقيمون من الضلالة، فذلك من أوكد الأسباب من معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين، العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك، فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين ومقامهم عليه أبين الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة.
وقد قال بعضهم : معنى قوله :﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ﴾ قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيمان إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر بإطلاع بعضهم بعضا على ذلك.
وزعم قائلو هذه المقالة أن الذين عنوا بهذه الاَية : أهل النفاق، دون من كان مصرّحا بالكفر من اليهود وأهل الشرك. ذكر من قال ذلك.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ﴾ يقول : قد بدت البغضاء من أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غِشّهم للإسلام وأهله وبغضهم إياهم.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ﴾ يقول : من أفواه المنافقين.
وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة قول لا معنى له، وذلك أن الله تعالى ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة ممن قد عرفوه بالغشّ للإسلام وأهله، والبغضاء إما بأدلة ظاهرة دالة على أن ذلك من صفتهم، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة والشنآن والمناصبة لهم. فأما من لم يثبتوه معرفة أنه الذي نهاهم الله عزّ وجلّ عن مخالته ومباطنته، فغير جائز أن يكونوا نهوا عن مخالته ومصادقته إلا بعد تعريفهم إياهم، إما بأعيانهم وأسمائهم، وإما بصفات قد عرفوهم بها. وإذ كان ذلك كذلك، وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار، غير مدرك به المؤمنون معرفة ما هم عليه لهم مع إظهارهم الإيمان بألسنتهم لهم والتودّد إليهم، كان بينا أن الذي نهى الله المؤمنون عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم على ما وصفهم الله عزّ وجلّ به، فعرفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون ممن كان له ذمة وعهد من رسول الله ﷺ وأصحابه من أهل الكتاب، لأنهم لو كانوا المنافقين لكان الأمر فيهم على ما قد بينا، ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحرب، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهر المؤمنين من أهل الكتاب أيام رسول الله ﷺ، ممن كان له من رسول الله ﷺ عهد وعقد من يهود بني إسرائيل. والبغضاء : مصدر، وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود :«قد بدا البغضاء من أفواههم »، على وجه التذكير، وإنما جاز ذلك بالتذكير ولفظه لفظ المؤنث، لأن المصادر تأنيثها ليس بالتأنيث اللازم، فيجوز تذكير ما خرج منها على لفظ المؤنث وتأنيثه، كما قال عزّ وجلّ :﴿وأخَذَ الّذِينَ ظَلَمُوا الصّيْحَةُ﴾ وكما قال :﴿فقدْ جاءَكُمْ بَيّنَةٌ مِنْ رَبّكُمْ﴾ وفي موضع آخر :﴿وأخَذَتِ الّذِينَ ظَلَمُوا الصّيْحَةُ﴾ ﴿وَجاءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مِنْ رَبّكُمْ﴾. وقال :﴿مِنْ أفْوَاهِهِمْ﴾ وإنما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم، لأن المعنيّ به الكلام الذي ظهر للمؤمنين منهم من أفواههم، فقال : قد بدت البغضاء من أفواههم بألسنتهم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أكْبَرُ﴾.
يعني تعالى ذكره بذ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا بما جاءهم به نبيهم من عند ربهم ="لا تتخذوا بطانة من دونكم"، يقول: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم ="من دونكم" يقول: من دون أهل دينكم وملَّتكم، يعني من غير المؤمنين.
* * *
وإنما جعل"البطانة" مثلا لخليل الرجل، فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه، لحلوله منه -في اطِّلاعه على أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه- محلَّ ما وَلِيَ جَسده من ثيابه.
* * *
فنهى الله المؤمنين به أن يتخذوا من الكفار به أخلاء وأصفياء، ثم عرّفهم ما هم عليه لهم منطوون من الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، فحذرهم بذلك منهم ومن
(٢) سياق الجملة: "فلم يكن... له ظالما"، وما بينهما فصل للبيان متعلق بقوله: "ظالما" ولكنه مقدم عليه.
| جَهْرَاءُ لا تَأْلُو، إذَا هِيَ أَظْهَرَتْ، | بَصَرًا، وَلا مِنْ عَيْلَةٍ تُغْنِيني (٣) |
* * *
وإنما يعني جل ذكره بقوله:"لا يألونكم خبالا"، البطانةَ التي نهى المؤمنين
(٢) هو أبو العيال الهذلي.
(٣) ديوان الهذليين ٢: ٢٦٣، الحيوان ٣: ٥٣٥، المعاني الكبير: ٦٩٠، اللسان (ألا) (جهر). من شعر جيد في مقارضات بينه وبين بدر بن عامر الهذلي، قال بدر بن عامر أبياتًا، حين بلغه أن ابن أخ لأبي العيال، أنه ضلع مع خصمائه، فانتفى من ذلك وزعم أنه ليس ممن يأتي سوءًا إلى أخيه أبي العيال، فكذبه أبو العيال، فبادر بدر يرده. وكله شعر حسن في معناه. فشبه أبو العيال شعر بدر فيه وفي الثناء عليه بالشاة فقال له:
| أَقْسَمْتَ لا تَنْسَى شَبابَ قَصِيدَةٍ | أبدًا!! فَمَا هذا الَّذِي يُنْسِينِي؟ |
| فَلَسَوْفَ تَنْسَاهَا وَتَعْلَمُ أَنَّها | تَبَعٌ لآبِيَةِ العِصَابِ زَبُونِ |
| وَمَنَحْتَني فَرَضِيتُ زِىَّ مَنِيحَتي | فَإِذَا بِهَا، وَأَبِيكَ، طَيْفُ جُنُونِ |
والجهراء: هي التي لا تبصر في الشمس، وهو ضعف في البصر. ويقال:"عال يعيل عيلا وعيلة" افتقر. يقول: أهديت لي شعرًا وثناء وقولا فرضيته، ثم إذا لا شيء إلا قول وكلام، إذا انكشف الأمر وظهر، عمى هذا الشعر وانطفأ، وإذا جد الجد، لم يغن قولك شيئًا، بل كنت كما قلت لك آنفًا:
| فَلَقَد رَمَْقُتك فِي المجَالِسِ كلِّهَا | فَإِذَا، وأنتَ تُعِينُ من يَبْغِيني" |
* * *
وأصل"الخبْل" و"الخبال"، الفساد، ثم يستعمل في معان كثيرة، يدل على ذلك الخبرُ عن النبي صلى الله عليه وسلم:
٧٦٧٩-"من أصيب بخبْل = أو جرَاح". (٢)
* * *
وأما قوله:"ودوا ما عنِتُّم"، فإنه يعني: ودوا عنتكم، يقول: يتمنون لكم العنَت والشر في دينكم وما يسوءكم ولا يسرُّكم. (٣)
* * *
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من المسلمين كانوا يخالطوهم حلفائهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودَّة بالأسباب التي كانت بينهم في جاهليتهم قبل الإسلام، فنهاهم الله عن ذلك وأن يستنصحوهم في شيء من أمورهم.
*ذكر من قال ذلك:
(٢) الأثر: ٧٦٧٩- رواه أبو جعفر غير مسند؛ ورواه أحمد في مسنده ٤: ٣١، والبيهقي في السنن ٨: ٥٣، ورواية أحمد من طريق شيخه"محمد بن سلمة الحراني، عن ابن إسحاق = ويزيد بن هرون قال أنبأنا محمد بن إسحاق = عن الحارث بن فضيل، عن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء -قال يزيد: السلمي- عن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ -وقال يزيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول-: من أصيب بدم أو خبل =الخبل: الجراح= فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العقل، أو يعفو، فإن أراد رابعة فخذوا على يده، فإن فعل شيئا من ذلك ثم عدا بعد فقتل، فله النار خالدا فيها مخلدا".
يعني بالدم: قتل النفس -وبالخبل أو الجراح: قطع العضو. وقد تركت ما في الطبري على حاله: "أو جراح" وبينت بالترقيم أنها كأنها رواية أخرى في قوله: "خبل"، شك من الراوي. ولكن سياق الخبر يرجح عندي أنها: "أي: جراح"، لأنه قد جاء في الحديث نفسه تفسير"الخبل" بالجراح.
(٣) انظر تفسير"العنت" فيما سلف ٤: ٣٥٨ - ٣٦١.
٧٦٨١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا"، في المنافقين من أهل المدينة. نهى الله عز وجل المؤمنين أن يتولَّوهم.
٧٦٨٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم"، نهى الله عز وجل المؤمنين أن يس تدخلوا المنافقين، (٣) أو يؤاخوهم، أو يتولوهم من دون المؤمنين. (٤)
٧٦٨٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله:"لا تتخذوا بطانة من دونكم"، هم المنافقون.
٧٦٨٤- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن
(٢) الأثر: ٧٦٨٠- سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، وهو تابع الأثرين السالفين رقم: ٧٦٤٤، ٧٦٤٥.
(٣) قوله: "يستدخلوا" أي يتخذوهم أخلاء. استدخله: اتخذه دخيلا، مثل قولهم استصحبه: اتخذه صاحبًا، والدخيل والمداخل: الذي يداخل الرجل في أموره كلها. وهذا البناء"استدخله" مما أغفلته كتب اللغة، وهو عربي معرق كما ترى.
(٤) في المطبوعة: "أي يتولوهم"، وفي المخطوطة: "أن يتولوهم"، والصواب ما أثبت.
٧٦٨٥- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا العوام بن حوشب، عن الأزهر بن راشد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تستضيئوا بنار أهل الشرك، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا قال: فلم ندر ما ذلك، حتى أتوا الحسن فسألوه، فقال: نعم، أما قوله:"لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا"، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم"محمد"، وأما قوله:"ولا تستضيئوا بنار أهل الشرك"، فإنه يعني به المشركين، يقول: لا تستشيروهم في شيء من أموركم. قال: قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله، ثم تلا هذه الآية:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم". (٢).
(٢) الحديث: ٧٦٨٥- الأزهر بن راشد البصري: ثقة. ترجمه البخاري في الكبير ١ / ١ / ٤٥٥، وابن أبي حاتم ١ / ١ / ٣١٣ - فلم يذكر فيه جرحا.
وهناك راو آخر، اسمه"الأزهر بن راشد الكاهلي"، وهو كوفي، وهو غير البصري، ومتأخر عنه. وترجمه البخاري وابن أبي حاتم أيضا. فإن البصري يروى عنه"العوام بن حوشب" المتوفي سنة ١٤٨، والكوفي الكاهلي يروى عنه"مروان بن معاوية الفزاري" المتوفي سنة ١٩٣. ومروان بن معاوية من شيوخ أحمد. والعوام بن حوشب من شيوخ شيوخه. فشتان هذا وهذا.
ومع هذا الفرق الواضح أخطأ الحافظ المزي، فذكر في التهذيب الكبير أن أبا حاتم قال في البصري: "مجهول". وتبعه الحافظ في تهذيب التهذيب، والذهبي في الميزان. وزاد الأمر تخليطًا، فذكر أنه ضعفه ابن معين.
وابن معين وأبو حاتم إنما قالا ذلك في الكاهلي الكوفي. فروى ابن أبي حاتم في ترجمة"الكاهلي" ١ / ١ / ٣١٣، رقم: ١١٨٠، عن ابن معين، قال: "أزهر بن راشد، الذي روى عنه مروان بن معاوية: ضعيف". ثم قال: "سألت أبي عن أزهر بن راشد؟ فقال: هو مجهول".
ولم يحقق الحافظ ابن حجر، واشتبه عليه الكلام في الترجمتين، فقال في ترجمة"الكاهلي" -بعد ترجمة"البصري"-: "أخشى أن يكونا واحدًا! لكن فرق بينهما ابن معين". والفرق بينهما كالشمس.
والحديث رواه أحمد في المسند: ١١٩٧٨ (ج ٣ ص ٩٩ حلبي)، عن هشيم، بهذا الإسناد - دون كلام الحسن، وهو البصري.
ورواه البخاري كذلك في الكبير ١ / ١ / ٤٥٥ - دون كلام الحسن، عن مسدد، عن هشيم، به. ثم فسر البخاري بعضه، فقال: "قال أبو عبد الله [هو البخاري نفسه] : عربيًا، يعني"محمد رسول الله". يقول: لا تكتبوا مثل خاتم النبي: "محمد رسول الله".
ورواه أبو يعلى مطولا -مثل رواية الطبري أو أطول قليلا- وفيه كلام الحسن. رواه عن إسحاق بن إسرائيل، عن هشيم، بهذا الإسناد. نقله عنه ابن كثير ٢: ٢٢٧، ثم قال: "هكذا رواه الحافظ أبو يعلى رحمه الله. وقد رواه النسائي، عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، به. ورواه الإمام أحمد، عن هشيم، بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصري. وهذا التفسير فيه نظر"- إلى آخر ما قال. ولم أجده في سنن النسائي، فلعله في السنن الكبرى.
وذكره السيوطي ٢: ٦٦، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب. ولم ينسبه للنسائي، ولا لتاريخ البخاري.
٧٦٨٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم" الآية، قال: لا يستدخل المؤمن المنافق دون أخيه. (١)
٧٦٨٨- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم" الآية، قال: هؤلاء المنافقون. وقرأ قوله:"قد بدت البغضاء من أفواههم" الآية.
* * *
قال أبو جعفر: واختلفوا في تأويل قوله:"ودّوا ما عنِتُّم".
فقال بعضهم معناه: ودوا ما ضللتم عن دينكم. (٢)
*ذكر من قال ذلك:
٧٦٨٩- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"ودوا ما عنتم"، يقول: ما ضللتم.
* * *
وقال آخرون بما:-
(٢) انظر تفسير"العنت" فيما سلف ص٤: ٣٥٨ - ٣٦١.
* * *
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:"ودوا ما عنتم"، فجاء بالخبر عن"البطانة"، بلفظ الماضي في محل الحال، والقطع بعد تمام الخبر، والحالات لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها؟ (١).
قيل: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت من أنّ قوله:"ودوا ما عنتم" حال من"البطانة"، وإنما هو خبر عنهم ثان منقطعٌ عن الأول غير متصل به. وإنما تأويل الكلام: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا، صفتهم كذا. فالخبر عن الصفة الثانية غير متصل بالصفة الأولى، وإن كانتا جميعًا من صفة شخص واحد.
* * *
وقد زعم بعض أهل العربية أن قوله:"ودوا ما عنتم"، من صلة البطانة، وقد وصلت بقوله:"لا يألونكم خبالا"، فلا وجه لصلة أخرى بعد تمام"البطانة" بصلته. (٢) ولكن القول في ذلك كما بينا قبل، من أن قوله:"ودوا ما عنتم"، خبر مبتدأ عن"البطانة"، غير الخبر الأول، وغير حال من البطانة ولا قطع منها. (٣).
* * *
(٢) انظر تفسير"الصلة" فيما سلف ٥: ٢٩٩، تعليق: ٥، وهو نعت النكرة.
(٣) انظر"القطع" فيما سلف ٦: ٢٧٠، تعليق: ٣، وسائر فهارس المصطلحات.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم أيها المؤمنون، أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم ="من أفواههم"، يعني بألسنتهم. والذي بدا لهم منهم بألسنتهم، (١) إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم عليه مقيمونَ من الضلالة. فذلك من أوكد الأسباب في معاداتهم أهل الإيمان، لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التي لا زوال لها إلا بانتقال أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما، وذلك انتقال من هدى إلا ضلالة كانت عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك. فكان في إبدائهم ذلك للمؤمنين، ومقامهم عليه، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه من البغضاء والعداوة.
* * *
وقد قال بعضهم: معنى قوله:"قد بدت البغضاء من أفواههم"، قد بدت بغضاؤهم لأهل الإيمان، إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر، بإطلاع بعضهم بعضًا على ذلك. وزعم قائلو هذه المقالة أنّ الذين عنوا بهذه الآية أهل النفاق، دون من كان مصرحًا بالكفر من اليهود وأهل الشرك.
* ذكر من قال ذلك:
٧٦٩١- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد عن قتادة، قوله:"قد بدت البغضاء من أفواههم"، يقول: قد بدت البغضاء من أفواهُ المنافقين إلى إخوانهم من الكفار، من غشهم للإسلام وأهله، وبغضهم إياهم.
٧٦٩٢- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"قد بدت البغضاء من أفواههم"، يقول: من أفواه المنافقين.
* * *
وهذا القول الذي ذكرناه عن قتادة، قول لا معنى له. وذلك أن الله تعالى
وإذْ كان ذلك كذلك = وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما في قلوبهم من بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار، غير مدرِك به المؤمنون معرفةَ ما هم عليه لهم، مع إظهارهم الإيمانَ بألسنتهم لهم والتودد إليهم = كان بيِّنًا أن الذي نهى الله المؤمنون عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم بألسنتهم، على ما وصفهم الله عز وجل به، فعرَفهم المؤمنون بالصفة التي نعتهم الله بها، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون، ممن كان له ذمةٌ وعهدٌ من رسول الله ﷺ وأصحابه من أهل الكتاب. لأنهم لو كانوا المنافقين، لكان الأمر فيهم على ما قد بينا. ولو كانوا الكفار ممن قد ناصب المؤمنين الحربَ، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون المؤمنين، مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهُر المؤمنين من أهل الكتاب أيامَ رسول الله ﷺ ممن كان له من رسول الله ﷺ عهد وعقدٌ من يهود بني إسرائيل.
* * *
و"البغضاء"، مصدر. وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود: (" قَدْ بَدَا البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ")، على وجه التذكير. وإنما جاز ذلك بالتذكير ولفظه لفظ المؤنث، لأن المصادر تأنيثها ليس بالتأنيث اللازم، فيجوز تذكيرُ ما خرج منها
* * *
وقال:"من أفواههم"، وإنما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم، لأن المعنيّ به الكلام الذي ظهر للمؤمنين منهم من أفواههم، فقال:"قد بدت البغضاء من أفواههم" بألسنتهم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: والذي تخفي صدورهم = يعني: صدور هؤلاء الذين نهاهم عن اتخاذهم بطانة، فتخفيه عنكم، أيها المؤمنون ="أكبر"، يقول: أكبر مما قد بدا لكم بألسنتهم من أفواههم من البغضاء وأعظم. كما:-
٧٦٩٣- حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"وما تخفي صدورهم أكبر"، يقول: وما تخفي صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.
٧٦٩٤- حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله:"وما تخفي صدورهم أكبر" يقول: ما تكن صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه:"قد بينا لكم" أيها المؤمنون ="الآيات"، يعني بـ"الآيات" العبر. قد بينا لكم من أمر هؤلاء اليهود الذين نهيناكم أن تتخذوهم بطانة من دون المؤمنين، ما تعتبرون وتتعظون به من أمرهم ="إن كنتم تعقلون"، يعني: إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقع نفع ذلك منكم، ومبلغ عائدته عليكم.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ها أنتم، أيها المؤمنون، الذين تحبونهم، يقول: تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش (١) = "وتؤمنون بالكتاب كله".
* * *
ومعنى "الكتاب" في هذا الموضع معنى الجمع، كما يقال:"كثر الدرهم في أيدي الناس"، بمعنى الدراهم.
فكذلك قوله:"وتؤمنون بالكتاب كله"، إنما معناه: بالكتب كلها،
يقول تعالى ذكره: فأنتم = إذ كنتم، أيها المؤمنون، تؤمنون بالكتب كلها، وتعلمون أنّ الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم كفار بذلك كله، بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه = (١) أولى بعداوتكم إياهم وبغضائهم وغشهم، منهم بعداوتكم وبغضائكم، مع جحودهم بعضَ الكتب وتكذيبهم ببعضها. كما:-
٧٦٩٥- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"تؤمنون بالكتاب كله"، أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحقّ بالبغضاء لهم، منهم لكم. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وقال:"ها أنتم أولاء" ولم يقل:"هؤلاء أنتم"، (٣) ففرق بين"ها و"أولاء" بكناية اسم المخاطبين، لأن العرب كذلك تفعل في"هذا" إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان الذي يحتاج إلى تمام الخبر، (٤) وذلك مثل
(٢) الأثر: ٧٦٩٥- سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، وهو من تمام الآثار السالفة التي آخرها: ٧٦٨٠.
(٣) في المخطوطة: "ولم يقل: هذا أنتم"، والصواب ما في المطبوعة، فهو حق السياق.
(٤) التقريب" من اصطلاح الكوفيين، وقد فسره السيوطي في همع الهوامع ١: ١١٣، فقال [ذهب الكوفيون إلى أن"هذا" و"هذه"، إذا أريد بها التقريب كانا من أخوات"كان"، في احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب، نحو: "كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادمًا؟ "، "وكيف أخاف البرد، وهذه الشمس طالعة؟ "، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء الإشارة لا ثاني له في الوجود، نحو: "هذا ابن صياد أسقى الناس"، فيعربون"هذا" تقريبًا، والمرفوع اسم التقريب، والمنصوب خبر التقريب. لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم، وعن الشمس بالطلوع، وأتى باسم الإشارة تقريبا للقدوم والطلوع. ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران؟ وأيضًا، فالخليفة والشمس معلومان، فلا يحتاج إلى تبيينهما بالإشارة إليهما. وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة يخبر عنه بالمنصوب، لأنك لو أسقطت الإشارة لم يختل المعنى، كما لو أسقطت"كان" من: "كان زيد قائما"].
* * *
وقوله:"تحبونهم" خَبَرٌ للتقريب. (٧)
* * *
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين - أعني المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم، وقساوة قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان، كما:-
(٢) في المخطوطة: "بين التنبيه وأولاء". والذي في المطبوعة أجود وأمضى على السياق، وهو تغيير مستحسن. والظاهر أن الخطأ قديم في نسخ الطبري، بل لعله من فعل أبي جعفر نفسه، وكأنه لما نقل هذا الكلام، وهو كلام الفراء، اختصر أوله فقال: "لأن العرب كذلك تفعل في هذا"، واقتصر عليها، مع أن الفراء ذكر"هذا، وهذان، وهؤلاء". هذا مع اشتغال ذهنه بنص الآية نفسها، فدخل عليه السهو فيما كتب. هذا ما أرجحه والله ولي التوفيق.
(٣) انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: ١٤٩ تعليق: ٤.
(٤) في المطبوعة والمخطوطة: "وإن كان... " بالواو، وإثباتها فساد في الكلام شديد لأنه يعني أنهم ينصبون: "قائما"، إن كان"هذا" بمعنى التقريب. والجملة الآتية مؤيدة لذلك.
(٥) انظر معنى"التقريب" فيما سلف ص: ١٤٩ تعليق: ٤.
(٦) في المطبوعة: "وبينه وبين ما إذا كان بمعنى الاسم الصحيح"، زاد من زاد"وبين ما" ظنا منه أن ذلك أقوم في الدلالة على المعنى من عبارة أبي جعفر التي ثبتها من المخطوطة. وقد أساه غاية الإساءة!
(٧) يعني بقوله: "خبر للتقريب"، أي هو في موضع نصب خبرًا للتقريب، كما أسلفت بيان ذلك من كلام السيوطي في ص ١٤٩، تعليق: ٤.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقوله :﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي : من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل : هم خاصّة أهله الذين يطلعون على داخل أمره.
وقد روى البخاري، والنسائي، وغيرهما، من حديث جماعة، منهم : يونس، ويحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وابن أبي عتيق - عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد ؛ أن رسول الله ﷺ قال :" مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِي وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إلا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ : بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخيرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَم اللهُ " (١).
وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام، عن الزهري، عن أبي سلمة [ عن أبي هريرة مرفوعا بنحوه(٢) فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة ](٣) عنهما. وأخرجه النسائي عن الزهري
أيضا(٤) وعلقه البخاري في صحيحه فقال : وقال عبيد الله بن أبي جعفر، عن صَفْوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره. فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة(٥) والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو أيوب محمد(٦) بن الوَزَّان، حدثنا عيسى بن يونس، عن أبي حَيّان التيمي عن أبي الزِّنْباع، عن ابن أبي الدِّهْقانة قال : قيل لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه : إن هاهنا غُلاما من أهل الحِيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبا ؟ فقال : قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين(٧).
ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذَّمَّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين واطِّلاع على دَوَاخل أمُورهم التي يُخْشَى أن يُفْشوها إلى الأعداء من أهل الحرب ؛ ولهذا قال تعالى :﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾.
وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هُشَيم، حدثنا العَوَّام، عن الأزهر بن راشد قال : كانوا يأتون أنَسًا، فإذا حَدَّثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتَوا الحسن - يعني البصري - فيفسره(٨) لهم. قال : فحدَّث ذات يوم عن النبي ﷺ أنه قال :" لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ، ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا(٩) فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له : إن أنسا حَدّثنا أن رسول الله(١٠) ﷺ قال :" لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ(١١) ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا(١٢) فقال الحسن : أما قوله :" ولا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا(١٣) : محمد ﷺ. وأما قوله :" لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ " يقول : لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن : تصديق ذلك في كتاب الله :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾.
هكذا رواه الحافظ أبو يعلى، رحمه الله، وقد(١٤) رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم. ورواه الإمام أحمد، عن هُشَيم بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصري(١٥).
وهذا التفسير فيه نظر، ومعناه ظاهر :" لا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيّا(١٦) أي : بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ، فإنه كان نَقْشُه محمد رسول الله ؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن يَنْقُشَ أحد على نقشه. وأما الاستضاءة بنار المشركين، فمعناه : لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون(١٧) معهم في بلادهم، بل تَبَاعَدُوا منهم وهَاجروا من بلادهم ؛ ولهذا روى أبو داود [ رحمه الله ](١٨) لا تَتَرَاءَى نَاراهُمَا " وفي الحديث الآخر :" مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ أَوْ سَكَنَ مَعَهُ، فَهُوَ مِثْلُهُ " ؛ فحَمْلُ الحديث على ما قاله الحسن، رحمه الله، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، والله أعلم.
ثم قال تعالى :﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي : قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل ؛ ولهذا قال :﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
٢ في أ: "نحوه"..
٣ زيادة من جـ..
٤ النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٧٥٦) من طريق معاوية بن سلام عن الزهري به..
٥ صحيح البخاري برقم (٧١٩٨) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٧٥٧)..
٦ في أ، و: "بن محمد"..
٧ تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٥٠) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/٦٥٨) من طريق أبي حيان التيمي به ورواه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (٢/٣٠٠)..
٨ في جـ: "ليفسره"..
٩ في ر: "غريبا"..
١٠ في أ، و: "إن أنسا حدثنا بحديث ما ندري ما هو قال: وما حدثكم أنس، قالوا: حدثنا أن رسول الله"..
١١ في أ: "المشركين"..
١٢ في ر: "غريبا"..
١٣ في ر: "غريبا"..
١٤ في أ: "قد"..
١٥ رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٣٧٥) والطبري في تفسيره (٧/١٤٢) من طريق هشيم بسياق أبي يعلى به، ورواه أحمد في مسنده (٣/٩٩) والنسائي في السنن (٨/١٧٦) من غير ذكر تفسير الحسن البصري..
١٦ في ر: "غريبا"..
١٧ في أ، و: "تكونوا"..
١٨ زيادة من أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾
يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِ الْمُنَافِقِينَ بِطَانَةً، أَيْ: يُطْلعونهم عَلَى سَرَائِرِهِمْ وَمَا يُضْمِرُونَهُ لِأَعْدَائِهِمْ، وَالْمُنَافِقُونَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتِهِمْ لَا يَأْلُونَ الْمُؤْمِنِينَ خَبَالا أَيْ: يَسْعَوْنَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَبِمَا يَسْتَطِيعُونَهُ مِنَ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ، وَيَوَدُّونَ مَا يُعْنتُ الْمُؤْمِنِينَ وَيُخْرِجُهُمْ ويَشُقّ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أَيْ: مِنْ غَيْرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ: هُمْ خَاصَّةُ أَهْلِهِ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلَى دَاخِلِ أَمْرِهِ.
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: يُونُسُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عَتِيقٍ -عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِي وَلا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخيرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَم اللهُ " (٣).
وَقَدْ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ [عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ (٤) فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ] (٥) عنهما. وأخرجه النسائي عن الزهري
(٢) في جـ، ر، أ: "والجليلد".
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٦١١، ٧١٩٨) والنسائي في الكبرى برقم (٨٧٥٥).
(٤) في أ: "نحوه".
(٥) زيادة من جـ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ مُحَمَّدُ (٣) بْنُ الوَزَّان، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي حَيّان التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنْباع، عَنِ ابْنِ أَبِي الدِّهْقانة قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنْ هَاهُنَا غُلاما مِنْ أَهْلِ الحِيرة، حَافِظٌ كَاتِبٌ، فَلَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا؟ فَقَالَ: قَدِ اتَّخَذْتُ إِذًا بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ (٤).
فَفِي هَذَا الْأَثَرِ مَعَ هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الذَّمَّة لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمْ فِي الْكِتَابَةِ، الَّتِي فِيهَا اسْتِطَالَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ واطِّلاع عَلَى دَوَاخل أمُورهم الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشوها إِلَى الْأَعْدَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْرَائِيلَ، حَدَّثَنَا هُشَيم، حَدَّثَنَا العَوَّام، عَنِ الْأَزْهَرِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ: كَانُوا يَأْتُونَ أنَسًا، فَإِذَا حَدَّثهم بِحَدِيثٍ لَا يَدْرُونَ مَا هُوَ، أتَوا الْحَسَنَ -يَعْنِي الْبَصْرِيَّ-فَيُفَسِّرُهُ (٥) لَهُمْ. قَالَ: فحدَّث ذَاتَ يَوْمٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قال: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا (٦) فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ، فَأَتَوُا الْحَسَنَ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَنَسًا حَدّثنا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (٧) ﷺ قال: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ (٨) وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا (٩) فَقَالَ الْحَسَنُ: أَمَّا قَوْلُهُ: "وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيا (١٠) : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وأما قوله: "لا تَسْتَضِيؤوا بِنَارِ الشِّركِ" يَقُولُ: لَا تَسْتَشِيرُوا الْمُشْرِكِينَ فِي أُمُورِكُمْ. ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ: تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾.
هَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ (١١) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى، عَنْ هُشَيْمٍ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ هُشَيم بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ تَفْسِيرِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ (١٢).
وَهَذَا التَّفْسِيرُ فِيهِ نَظَرٌ، وَمَعْنَاهُ ظَاهِرٌ: "لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبيّا (١٣) أَيْ: بِخَطٍّ عَرَبِيٍّ، لِئَلَّا يُشَابِهَ نَقْشَ خَاتَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ كَانَ نَقْشُه مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا جاء في الحديث الصحيح أنه
(٢) صحيح البخاري برقم (٧١٩٨) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٧٥٧).
(٣) في أ، و: "بن محمد".
(٤) تفسير ابن أبي حاتم (٢/٥٥٠) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/٦٥٨) من طريق أبي حيان التيمي به ورواه عبد بن حميد في تفسيره كما في الدر (٢/٣٠٠).
(٥) في جـ: "ليفسره".
(٦) في ر: "غريبا".
(٧) في أ، و: "إن أنسا حدثنا بحديث ما ندري ما هو قال: وما حدثكم أنس، قالوا: حدثنا أن رسول الله".
(٨) في أ: "المشركين".
(٩) في ر: "غريبا".
(١٠) في ر: "غريبا".
(١١) في أ: "قد".
(١٢) رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٣٧٥) والطبري في تفسيره (٧/١٤٢) من طريق هشيم بسياق أبي يعلى به، ورواه أحمد في مسنده (٣/٩٩) والنسائي في السنن (٨/١٧٦) من غير ذكر تفسير الحسن البصري.
(١٣) في ر: "غريبا".
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أَيْ: قَدْ لَاحَ عَلَى صَفَحات وُجُوهِهِمْ، وَفَلَتَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ، مَعَ مَا هُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَيْهِ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْبَغْضَاءِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَا لَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى لَبِيبٍ عَاقِلٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أَيْ: أَنْتُمْ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ-تُحِبُّونَ الْمُنَافِقِينَ مِمَّا يُظْهِرُونَ لَكُمْ مِنَ الْإِيمَانِ، فَتُحِبُّونَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ لَا يُحِبُّونَكُمْ، لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا (٣) ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أَيْ: لَيْسَ عِنْدَكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ شَكٌّ وَلَا رَيْب، وَهُمْ عِنْدَهُمُ الشَّكُّ والرِّيَب والحِيرة.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمة أَوْ سَعِيدِ بْنِ جبير، عن ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أَيْ: بِكِتَابِكُمْ وَكِتَابِهِمْ، وَبِمَا مَضَى مِنَ الْكُتُبِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ، مِنْهُمْ لَكُمْ. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وَالْأَنَامِلُ: أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ، قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
| أوَدُّ (٤) كَمَا مَا بَلّ حَلْقِيَ ريقَتى | وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أنْمُلي العَشْرا (٥) |
وَهَذَا شَأْنُ الْمُنَافِقِينَ يُظْهِرون لِلْمُؤْمِنِينَ الإيمانَ وَالْمَوَدَّةَ، وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وَذَلِكَ أَشَدُّ الْغَيْظِ وَالْحَنَقِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: مَهْمَا كُنْتُمْ تَحْسُدُونَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَغِيظُكُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مُتمّ نِعْمَتَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ومُكَملٌ دِينَهُ، ومُعْلٍ كلمتَه وَمُظْهِرٌ دينَه، فَمُوتُوا أَنْتُمْ بِغَيْظِكُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أَيْ: هُوَ عَلِيمٌ بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمَائِرُكُمْ، وتُكنُّه سَرَائرُكُم مِنَ الْبَغْضَاءِ وَالْحَسَدِ وَالْغِلِّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُرِيَكُمْ خِلَافَ مَا تُؤَمِّلُونَ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ فِي النَّارِ الَّتِي أَنْتُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، فَلَا خُرُوجَ لَكُمْ مِنْهَا.
ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وَهَذِهِ الْحَالُ دَالَّةٌ (٦) عَلَى شِدَّةِ
(٢) زيادة من أ.
(٣) في جـ، ر، أ، و: "لا ظاهرا ولا باطنا".
(٤) في أ: "أريد".
(٥) البيت في تفسير الطبري (٤/٤٣).
(٦) في جـ، ر، أ، و: "وهذا الحال دال".
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾ مما يسمع منهم فلهذا ﴿لا يألونكم خبالا﴾ أي : لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين ﴿قد بينا لكم الآيات﴾ أي : التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية ﴿لعلكم تعقلون﴾ فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾ مما يسمع منهم فلهذا ﴿لا يألونكم خبالا﴾ أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين ﴿قد بينا لكم الآيات﴾ أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية ﴿لعلكم تعقلون﴾ فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه.
قال الله مهيجا للمؤمنين على الحذر من هؤلاء المنافقين من أهل الكتاب، ومبينا شدة عداوتهم ﴿هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله﴾ -[١٤٥]- أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بكتابكم، بل إذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل﴾ وهي أطراف الأصابع من شدة غيظهم عليكم ﴿قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور﴾ وهذا فيه بشارة للمؤمنين أن هؤلاء الذين قصدوا ضرركم لا يضرون إلا أنفسهم، وإن غيظهم لا يقدرون على تنفيذه، بل لا يزالون معذبين به حتى يموتوا فيتنقلوا من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة.
﴿إن تمسسكم حسنة﴾ كالنصر على الأعداء وحصول الفتح والغنائم ﴿تسؤهم﴾ أي: تغمهم وتحزنهم ﴿وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط﴾ فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر - وهي الصبر والتقوى- لم يضركم مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٤ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا
- لَا يُقَصِّرُونَ فِي إِفْسَادِ حَالِكُمْ.
- وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ
- أَحَبُّوا مَشَقَّتَكُمُ الشَّدِيدَةَ.
إعراب الآية ١١٨ من سورة آل عمران
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ قال الضحاك «١» : هم الكفار والمنافقون. قال أبو جعفر: فيه قولان أحدهما مِنْ دُونِكُمْ من سواكم. قال الفراء «٢» : وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ [الأنبياء: ٨٢] أي سوى ذلك، والقول الآخر:
لا تتّخذوا بطانة من دونكم في الستر وحسن المذهب وهذا يدلّ على أنه يجب على أهل السّنّة مجانبة أهل الأهواء وترك مخالطتهم لأنهم لا يتقون في التلبيس عليهم قال الله جلّ وعزّ: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ إلى آخر الآية.
[سورة آل عمران (٣) : آية ١١٩]
ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩)ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ زعم الفراء «٣» أنّ العرب إذا جاءت باسم مكنّى فأرادت التقريب فرقت بين «ها» وبين الاسم المشار إليه بالاسم المكنّى يقول الرجل للرجل: أين أنت؟ فيقول: ها أنا ذا، ولا يجوز هذا عنده إلّا في التقريب والمضمر. وقال أبو إسحاق: هو جائز في المضمر والمظهر إلّا أنه في المضمر أكثر. قال أبو عمرو بن العلاء: ها أنتم الأصل فيه أاأنتم بهمزتين بينهما ألف كما قال ذو الرمّة: [الطويل] ٨٣-
أاأنت أم أمّ سالم «٤»
ثم ثقل فأبدلوا من الهمزة هاء. ها أَنْتُمْ رفع بالابتداء. وأُولاءِ الخبر تُحِبُّونَهُمْ في موضع نصب على الحال وكسرت أولاء لالتقاء الساكنين ويجوز أن يكون أولاء بمعنى الذين وتحبّونهم صلة. وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ عطف والكتاب بمعنى الكتب.
(٢) انظر معاني الفراء ٢/ ٢٠٩.
(٣) انظر معاني الفراء ١/ ٢٣١.
(٤) تمام البيت:
| فيا ظبية الوعساء بين جلاجل | وبين النّقا ءاأنت أم أم سالم |
سبب نزول الآية ١١٨ من سورة آل عمران
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يُصَافونَ المنافقين، ويواصلون رجالاً من اليهود، لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحِلْف والجِوَار والرّضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مُبَاطَنَتِهِمْ خوفَ الفتنة منهم عليهم.
الموضوعات القرآنية للآية ١١٨ من سورة آل عمران
٨ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٢٣ قولًاقال مقاتل بن سليمان: ﴿وما تخفي صدورهم﴾ يعني: ما تُسِرُّ قلوبهم مِن الغِشُّ ﴿أكبر﴾ مِمّا [بَدا] بألسنتهم، ﴿قد بينا لكم الآيات﴾ يقول: ففي هذا بيان لكم منهم، ﴿إن كنتم تعقلون﴾١
عن الحسن البصري -من طريق المبارك- في قوله: ﴿لا يألونكم خبالا﴾، قال: هم المنافقون١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق شيبان- قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾، قال: نهى اللهُ تعالى المؤمنين أن يَسْتَدْخِلوا المنافقين، وأن يُؤاخوهم، وأن يتولوهم دون المؤمنين١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾، قال: أمّا البِطانة فهم المنافقون١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿لا تتخذوا بطانة﴾، يقول: لا تستدخلوا المنافقين؛ فتولوهم دون المؤمنين١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة﴾ يعني: اليهود ﴿من دونكم﴾ يعني: مِن دون المؤمنين١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-: أنّهم المنافقون١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية، قال: لا يَسْتَدْخِلُ المؤمنُ المنافقَ دون أخيه١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- قوله: ﴿لا يألونكم خبالا﴾، يقول: يُضِلُّونكم كما ضَلُّوا، فنهاهم أن يَسْتَدْخِلُوا المنافقين دون المؤمنين، أو يتخذوهم أولياء١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لا يألونكم خبالا﴾، يعني: غَيًّا١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿ودوا ما عنتم﴾، يقول: ما ضللتم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ودوا ما عنتم﴾، يعني: ما أثِمْتُم لدينكم في دينكم١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- ﴿ودوا ما عنتم﴾، يقول: ودَّ المنافقون ما عَنِتَ المؤمنون في دينهم١
عن عبد الملك ابن جُرَيْج -من طريق حجاج- ﴿ودوا ما عنتم﴾، يقول: في دينكم، يعني: أنهم يَوَدُّون أن تَعْنَتُوا في دينكم١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾، يقول: مِن أفواه المنافقين إلى إخوانهم من الكفار؛ مِن غِشِّهم للإسلام وأهلِه، وبُغضِهم إيّاهم١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾، يقول: مِن أفواه المنافقين١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿قد بدت البغضاء﴾ يعني: ظهرت البغضاء ﴿من أفواههم﴾ يعني: قد ظهرت العداوة بألسنتهم١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾، يقول: ما تُكِنُّ صدورُهم أكبرُ مِمّا قد أبْدَوْا بألسنتهم١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾، يقول: ما تُكِنُّ صدورُهم أكبرُ مِمّا قد أبْدَوْا بألسنتهم١
عن حميد بن مهران المالكي الخيّاط، قال: سألتُ أبا غالبٍ عن قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية. قال: حدَّثني أبو أُمامة، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «هم الخوارج»١
عن أبي دِهْقانَة، قال: قيل لعمر بن الخطاب: إنّ هاهنا غلامًا مِن أهل الحِيرة حافِظًا كاتِبًا؛ فلَوِ اتَّخَذْتَه كاتِبًا. قال: قد اتخذتُ إذن بِطانةً مِن دون المؤمنين١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾، قال: هم المنافقون١
عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: «لا تَنقُشوا في خواتيمكم عربِيًّا، ولا تستضيئوا بنار المشركين». فذكروا ذلك للحسن، فقال: نعم، لا تنقشوا في خواتيمكم محمدًا، ولا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم. قال الحسن: وتصديق ذلك من كتاب الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾١٢
نزول الآية
٦ أقوالعن عبد الله بن عباس -من طريق ابن إسحاق بسنده- قال: كان رجال مِن المسلمين يُواصِلون رجالًا مِن يهود؛ لِما كان بينهم مِن الجِوار والحِلْفِ في الجاهلية؛ فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مُباطَنَتِهم تَخَوُّفَ الفتنةِ عليهم منهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية١
عن محمد بن أبي محمد -من طريق ابن إسحاق-، مثله١
عن محمد بن إسحاق -من طريق زياد-، مثله١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجيح- في الآية، قال: نزلت في المنافقين مِن أهل المدينة، نهى المؤمنين أن يتولوهم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يعني: المنافقين؛ عبد الله بن أُبي، ومالك بن دَخْشَمٍ الأنصاري وأصحابه، دعاهم اليهود إلى دينهم، منهم: أصْبَغ ورافع ابْنَيْ حَرْمَلَة، وهما رؤوس اليهود، فزَيَّنوا لهما تركَ الإسلام، حتى أرادوا أن يُظهِروا الكفر؛ فأنزل الله عز وجل يُحَذِّرُهما ولاية اليهود: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة﴾١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ الآية، قال: هؤلاء المنافقون. وقرأ قوله: ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ الآية١
وقفات تدبرية في الآية ١١٨ من سورة آل عمران
٢٠ وقفةً في هذه الآية
-
يدهش المرء من غيظ ذوي النفاق،وحدة ألسنتهم على أهل اﻹيمان حتى يقول في نفسه أهذا ظاهر غيظهم؟فماذا يقول إذا قرأ قول الله(وما تخفي صدورهم أكبر)!
— سعود الشريم
-
لخصوم الحق ألسنة حداد يسلقون بها الناصحين الصادقين،وما ذاك إلا بعض ما يحملونه من بغض لا كله(قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر)!
— سعود الشريم
-
(قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر) اللسان (مغراف) الصدر
— عقيل الشمري
-
"وما تخفي صدورهم أكبر" لو استطاع المنافق أن يحول لسانه الذي يلعنك به .. وقلمه الذي يشتمك به .. إلى سكين يطعنك به لفعل
— علي الفيفي
-
﴿ قد بدت البغضاء من أفواهه وما تخفي صدورهم أكبر ﴾ يستخفون ببغضهم.. فيفضحهم الله بفلتات ألسنتهم .
— نايف الفيصل
-
"قد بدت البغضاء من أفواههم" حريصون غير مقصرين في إيصال الضرر بكم وقد بدت البغضاء من كلامهم وما تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة أكبر مما ظهر.
— ابو حمزة الكناني
-
لا تطلب النصيحة ولا تستشر إلا المؤمنين الصادقين،{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا }.
— فوائد القرآن
-
يستخفي المنافقون ببغضهم وكيدهم للمؤمنين، فتفضحهم عثرات ألسنتهم، وما ظهر من مكرهم، وليس كالتقوى والصبر دافعًا لأذاهم: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) آل عمران: ١٢٠
— عبدالله السكاكر
-
﴿قد بدت البغضاء من أفواههم ﴾ وكان يظهر من فلتات ألسنتهم ما يكشف عن خبث طويتهم [زبدة التفسير]
— محاسن التاويل
-
{ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } لا تقلق فقط مما أظهروه ، استعد للأكبر الذي يخططون له في الخفاء .
— محاسن التاويل
-
تطبيقات تدبرية سورة آل عمران أية 118
— عبدالحي يوسف
-
مجالس في تدبر القرآن تدبر آية 118 سورة آل عمران
— خالد السبت
و٨ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
ترجمات معاني الآية ١١٨ من سورة آل عمران
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(118) O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا