الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
بطانة الرجل وولجيته : خصيصه وصفيه الذي يفضي إليه بشقوره ثقة به شبه ببطانة الثوب كما يقال : فلان شعاري. وعن النبي ﷺ " الأنصارى شعار والناس دثار " ﴿مّن دُونِكُمْ﴾ من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون. ويجوز تعلقه بلا تتخذوا، وببطانة على الوصف، أي بطانة كائنة من دونكم مجاوزة لكم ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ يقال : ألا في الأمر يألو، إذا قصر فيه، ثم استعمل معدّى إلى مفعولين في قولهم : لا ألوك نصحاً، ولا ألوك جهداً، على التضمين. والمعنى : لا أمنعك نصحاً ولا أنقصكه. والخبال : الفساد ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ ودّوا عنتكم، على أنّ «ما » مصدرية. والعنت : شدّة الضرر والمشقة. وأصله انهياض العظم بعد جبره، أي تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشدّ الضرر وأبلغه ﴿قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم﴾ لأنهم لا يتمالكون مع ضبطهم أنفسهم وتحاملهم عليها أن ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين. وعن قتادة قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لإطلاع بعضهم بعضاً على ذلك وفي قراءة عبد الله «قد بدأ البغضاء » ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ما بين لكم فعملتم به.
فإن قلت : كيف موقع هذه الجمل ؟ قلت يجوز أن يكون ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ﴾ صفة للبطانة وكذلك ﴿قَدْ بَدَتِ البغضاء﴾ كأنه قيل : بطانة غير آليكم خبالاً بادية بغضاؤهم. وأما ﴿قَدْ بَيَّنَّا﴾ فكلام مبتدأ، وأحسن منه وأبلغ أن تكون مستأنفات كلها على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى