فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
البطانة : مصدر يسمى به الواحد، والجمع، وبطانة الرجل : خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله البطن الذي هو : خلاف الظهر، وبطن فلان بفلان يبطن بطوناً، وبطانة : إذا كان خاصاً به، ومنه قول الشاعر :
وهم خُلْصائي كلهم وَبِطَانَتيوهم عَيْبَتي مِنْ دُونِ كلّ قَريبِ
قوله :﴿من دُونِكُمْ﴾ أي : من سواكم، قاله الفراء : أي : من دون المسلمين، وهم الكفار، أي : بطانة كائنة من دونكم، ويجوز أن يتعلق بقوله :﴿لاَ تَتَّخِذُوا﴾. وقوله :﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ في محل نصب صفة لبطانة، يقال لا ألوك جهداً : أي : لا أقصر. قال امرؤ القيس :
وَمَا المرء مَا دَامت حشَاشَةُ نفْسِهبِمُدْركِ أطْرافِ الخُطَوبِ وَلا آلِ
والمراد : لا يقصرون فيما فيه الفساد عليكم، وإنما عدّي إلى مفعولين لكونه مضمناً معنى المنع، أي : لا يمنعونكم خبالاً، والخبال، والخبل : الفساد في الأفعال، والأبدان، والعقول. قال أوس :
أبَنِي لُبُنَي لَستُم بيَدٍإلا يداً مَخبولَةَ العَضد
أي : فاسدة العضد. قوله :﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ «ما » مصدرية، أي : ودّوا عنتكم، والعنت المشقة، وشدة الضرر، والجملة مستأنفة مؤكدة للنهي. قوله :﴿قَدْ بَدَتِ البغضاء﴾ هي : شدة البغض، كالضراء لشدة الضر. والأفواه جمع فم. والمعنى : أنها قد ظهرت البغضاء في كلامهم ؛ لأنهم لما خامرهم من شدة البغض، والحسد أظهرت ألسنتهم ما في صدورهم، فتركوا التقية، وصرحوا بالتكذيب. أما اليهود، فالأمر في ذلك واضح. وأما المنافقون، فكان يظهر من فلتات ألسنتهم ما يكشف عن خبث طويتهم. وهذه الجملة مستأنفة لبيان حالهم ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ لأن فلتات اللسان أقل مما تجنه الصدور، بل تلك الفلتات بالنسبة إلى ما في الصدور قليلة جداً. ثم إنه سبحانه امتنّ عليهم ببيان الآيات الدالة على وجوب الإخلاص إن كانوا من أهل العقول المدركة لذلك البيان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار، والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم، عن مباطنتهم لخوف الفتنة عليهم منهم ﴿يا أيها الذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال : هم المنافقون. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ ؛ قال :" هم الخوارج " قال السيوطي، وسنده جيد. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ﴾ أي : بكتابكم وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء، لهم منهم لكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني : النصر على العدوّ، والرزق، والخير ﴿تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ﴾ يعني القتل، والهزيمة، والجهد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى