بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ﴾ يعني خلّة وصداقة من غير أهل دينكم، وإنما سميت بطانةً لقربها من البدن ﴿مّن دُونِكُمْ﴾، أي من دون المؤمنين نزلت الآية في شأن جماعة من الأنصار، كانت بينهم وبين اليهود مواصلة وخاصية، وكانوا على ذلك بعد الإسلام، فنهاهم الله عزّ وجلّ عن ذلك. ويقال : كل من كان على خلاف مذهبه ودينه لا ينبغي له أن يحادثه، لأنه يقال في المثل :
عن المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَأَبْصِرْ قرينه. . . فَإِنَّ القَرِينَ بالمقارن يَقْتَدِي
وروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ أنه قال :« المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ » وروي عن ابن مسعود أنه قال : اعتبروا الناس بأخْدَانهم. ثم بيّن الله المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال تعالى :﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي فساداً، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم لا يتركون وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون جهدهم في المكر والخديعة ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ ما أَثِمْتُم بربكم. وقال الزّجاج : الخَبَالُ في اللغة ذِهَابُ الشيء، والعَنَتُ في الأصل المشقة. وقال القتبي : الخَبَال الفساد. وقال أيضاً :﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾، أي ما أعنتكم ؛ وهو ما نزل بكم من مكروه.
ثم قال :﴿قَدْ بَدَتِ البغضاء﴾ أي ظهرت العداوة والتكذيب لكم ﴿مِنْ أفواههم وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي والذي في صدورهم من العداوة أكثر مما أظهروا بأفواههم. ويقال :﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، أي قصدهم قتل محمد ﷺ، لأنهم كانوا يضمرون ذلك ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ يعني أخبرناكم بما أخفوا، وبما أبدوا بالدلالات والعلامات ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وتصدقون.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى