المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون إليهم، وقوله :﴿من دونكم﴾ يعني من دون المؤمنين، ولفظة «دون » تقتضي فيما أضيف إليه أنه معدوم من القصة التي فيها الكلام، فشبه الأخلاء بما يلي بطن الإنسان من ثوبه، ومن هذا المعنى قول النبي ﷺ : ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله(١)، وقوله :﴿لا يألونكم خبالاً﴾ معناه لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم، تقول : ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت ومنه قول زهير :
جرى بعدهم قوم لكي يلحقوهم. . . فلم يلحقوا ولم يليموا ولم يألوا(٢)
أي لم يقصروا، والخبل والخبال : الفساد، وقال ابن عباس : كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالاً من اليهود للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، وقال أيضاً ابن عباس وقتادة والربيع والسدي : نزلت في المنافقين : نهى الله المؤمنين عنهم، وروى أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال :«لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً »(٣) فسره الحسن بن أبي الحسن، فقال أراد عليه السلام، لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم ( محمداً ).
قال القاضي : ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستنامة إليهم، وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذميماً فكتب إليه عمر يعنفه، وتلا عليه هذه الآية، وقيل لعمر : إن هاهنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك ؟ فقال : إذاً أتخذ بطانة من دون المؤمنين، و ﴿ما﴾ في قوله، ﴿ما عنتّم﴾ مصدرية، فالمعنى :﴿ودوا﴾ عنتكم، و «العنت » : المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت : أي شاقة، وقوله تعالى :﴿ذلك لمن خشي العنت﴾(٤) معناه المشقة إما في الزنا وإما في ملك الإرب قال السدي : معناه «ودوا » ما ضللتم، وقال ابن جريج : المعنى «ودوا » أن تعنتوا في دينكم ويقال عنت الرجل يعنت بكسر النون في الماضي، وقوله تعالى :﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ يعني بالأقوال، فهم فوق المتستر الذي تبدوالبغضاء في عينيه وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى شدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، ويشبه هذا الذي قلناه ما في الحديث أن رسول الله ﷺ نهى أن يتشحى الرجل في عرض أخيه(٥)، معناه : أن يفتح فاه به يقال شحّى الحمار فاه بالنهيق وشحّى اللجام في الفرس، والنهي في أن يأخذ أحد عرض أخيه همساً راتب(٦)، فذكر التشحي إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط وقوله :﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾ إعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم، وفي قراءة عبد الله بن مسعود :«قد بدا البغضاء » بتذكير الفعل، لما كانت ﴿البغضاء﴾ بمعنى البغض، ثم قال تعالى للمؤمنين، ﴿قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾ تحذيراً وتنبيهاً، وقد علم تعالى أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول : إن كنت رجلاً فافعل كذا وكذا.
١ - أخرجه البخاري، والنسائي، وغيرهما عن أبي سعيد الخدري "تفسير ابن كثير١/٣٩٨..
٢ - ورواية البيت في ديوانه: ١١٤
سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يفعلوا ولم يلاموا ولم يألوا
يقول: تقدم هؤلاء في المجد والشرف، وسعى على آثارهم قوم آخرون لكي يدركوهم وينالوا منزلتهم فلم ينالوا ذلك. ولم يليموا: أي لم ياتوا ما يلامون عليه، يقال: ألام الرجل إذا أتى ما يلام عليه، وما تركت في عملي لومة، أي: ما ألام عليه. "ديوان زهير ١١٤. ط. دار الكتاب".
.

٣ - أخرجه أبو يعلى، والنسائي، والإمام أحمد، وابن جرير. "تفسير ابن كثير ١/٣٩٨".
٤ - من الآية ٢٥ من سورة النساء..
٥ - الحديث المشار إليه لم نعثر عليه بهذا اللفظ في المراجع التي بين أيدينا، والأحاديث في الغيبة والنميمة كثيرة، ذكر المفسرون معظمها عند قوله في سورة الحجرات: [ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرتموه]..
٦ - راتب: ثابت، وهو خبر "النهي"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى