إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿يا أيها الذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾ بطانةُ الرجل ووَليجتُه مَنْ يُعرِّفه أسرارَه ثقةً به، شُبِّه ببطانة الثوب كما شُبِّه بالشِّعار، قال عليه الصلاة والسلام :«الأنصارُ شِعار والناسُ دِثار » قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان رجال من المؤمنين يواصلون اليهودَ لما بينهم من القرابة والصداقةِ والمحالفة فأنزل الله تعالى هذه الآيةَ، وقال مجاهد : نزلتْ في قوم من المؤمنين كانوا يواصِلون المنافقين فنُهوا عن ذلك ويؤيده قوله تعالى :﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمنا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ [ آل عمران، الآية ١١٩ ] وهي صفةُ المنافق وإياً ما كان فالحكمُ عامٌ للكفرة كافةً ﴿من دُونِكُمْ﴾ أي من دون المسلمين وهو متعلقٌ بلا تتخذوا أو بمحذوف وقعَ صفةً لبِطانة أي كائنةً من دونكم مجاوزةً لكم. ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ جملةٌ مستأنفةٌ مبينةٌ لحالهم داعيةٌ إلى الاجتناب عنهم أو صفةُ بطانةً، يقال : أَلا في الأمر إذا أقصَرَ فيه ثم استُعمل مُعدًّى إلى مفعولين في قولهم : لا آلوكَ نُصحاً ولا آلوك جُهداً على تضمين معنى المنْعِ والنقصِ، والخَبالُ الفسادُ أي لا يُقْصِرون لكم في [ تمني ] الفسادِ ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي تمنَّوْا عَنَتَكم أي مشقتَكم وشدةَ ضررِكم وهو أيضاً استئنافٌ مؤكدٌ للنهي موجبٌ لزيادة الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه ﴿قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم﴾ استئنافٌ آخرُ مفيدٌ لمزيد الاجتنابِ عن المنهيِّ عنه أي قد ظهرت البغضاءُ في كلامهم لِما أنهم لا يتمالكون -مع مبالغتهم في ضبط أنفسِهم وتحاملِهم عليها- أن ينفلِتَ من ألسنتهم ما يُعلم به بغضُهم للمسلمين. وقرئ قد بدا البغضاءُ، والأفواهُ جمعُ فم وأصلُه فوهٌ فلامُه هاءٌ يدل على ذلك جمعُه على أفواه وتصغيرُه على فُوَيه والنسبةُ إليه فوهيٌّ ﴿وَمَا تُخْفي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما بدا لأن بُدُوَّه ليس عن رَويَّة واختيار ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ الدالةَ على وجوب الإخلاصِ في الدين وموالاةِ المؤمنين ومعاداةِ الكافرين ﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي إن كنتم من أهل العقلِ أو إن كنتم تعقِلون ما بُيِّن لكم من الآيات، والجوابُ محذوفٌ لدِلالة المذكورِ عليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى