اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ قد تقدم نظيره.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" ها " للتنبيه، و " أنْتُمْ " مبتدأ و " أولاءِ " خبره، و " تُحِبُّونَهُمْ " في موضع نصب على الحال من اسم الإشارة.
ويجوز أن يكون " أولاء " بمعنى : الذي، و " تُحِبُّونَهُمْ " صلة له، والموصول مع الصلة خبر.
قال الفرَّاء :" أولاَءِ " خبر، و " يحبونهم " خبر بعد خبر.
ويجوز أن يكون " أولاء " في موضع نصب بفعل محذوف، فتكون المسألة من باب الاشتغال، نحو : أنا زيداً ضربته.
قوله :﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون استئناف إخبار، وأن يكون جملة حالية.
قال المُفَضَّل :" تحبّونهم " تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، و ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾، فإنهم يريدون بقاءكم على الكفر، وهو يوجب الهلاك.
وقيل :﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب ما بينكم وبينهم من القرابة، والرضاع، و المصاهرة، ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ لأجل الإسلام.
وقيل :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب إظهارهم لكم الإسلام ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ بسبب أن الكفر مستغرق في قلوبهم.
وقال أبُو العَالِيَةِ، ومُقَاتِلٌ : المحبة - هاهنا - بمعنى : المصافاة، أي : أنتم - أيها المؤمنون - تصافونهم، ولا يصافونكم ؛ لنفاقهم.
وقال الأصمّ :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بمعنى : أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات، والمحن، ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ بمعنى : أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمِحَن، ويتربصون بكم الدوائر.
وقيل :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب أنهم يُظهرون لكم محبة الرسول ﷺ وهم يبغضون الرسول، ومحب المبغوض مبغوض.
وقيل :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي : تخالطونهم، وتُفشون إليهم أسرارَكم في أمور دينكم ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي : لا يفعلون ذلك بكم.
قوله :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ يجوز أن تكون الألف واللام - في الكتاب - للجنس، والمعنى : بالكتب كلها، فاكتفى بالواحد.
وقيل : أفرد الكتاب ؛ لأنه مصدر، فيجوز أن يُسَمَّى به الجمع.
وقيل : إن المصدر لا يُجْمَع إلا على التأويل، فلهذا لم يَقُل : الكتب - بدلاً من الكتاب -، وإن كان لو قاله لجاز، توسعاً.
ويجوز أن يكون للعهد، والمراد به : كتاب مخصوص.
وهنا جملة محذوفة، يدل عليها السياق، والتقدير :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾، وهم لا يؤمنون بكتابكم، وحَسُنَ العطفُ، لما تقدم من أن ذكر أحد الضدين يُغْني عن ذِكْر الآخر، وتقدير الكلام : أنكم تؤمنون بكتبهم كلها، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم - مع ذلك - تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ؟.
وفيه توبيخ شديد بأنهم - في باطلهم - أصلب منكم في حقكم.
قوله :﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ومعناه : إذا خَلاَ بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين، حتى تبلغ الشدة إلى عَضِّ الأنامل، كما يفعل الإنسان - إذا اشتد غيظه، وعَظُم حُزنه - على فَوْت مطلوبه، ولمَّا كَثُر هذا الفعلُ من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب، وإن لم يكن هناك عض.
قوله :﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق ب " عَضُّوا "، وكذلك ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ و " مِنْ " فيه لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيفيد العِلِّيَّةَ - اي : من أجل الغيظ. -
وجوز أبو البقاء - في " عَلَيْكُمْ "، وفي ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ - أن يكونا حالين، فقال :" ويجوز أن يكون حالاً، أي : حنقين عليكم من الغيظ. و ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ متعلق ب " عَضُّوا " أيضاً، و " مِنْ " لابتداء الغاية، أي : من أجل الغيظ، ويجوز أن يكون حالاً، أي : مغتاظين ". انتهى.
وقوله : و " من " لابتداء الغاية - أي : من أجل الغيظ كلام متنافر ؛ لأن التي للابتداء لا تفسَّر بمعنى :" من أجل "، فإنه معنى العلة، والعلة والابتداء متغايران، وعلى الجملة، فالحالية - فيهما - لا يظهر معناها، وتقديره الحال ليس تقديراً صناعيًّا ؛ لأن التقدير الصناعي إنما يكون بالأكوان المطلقة.
والعَضّ : الأزم بالأسنان، وهو تحامُل الأسنان بعضها على بعض، يقال : عَضِضْتُ - بكسر العين في الماضي - أعَضُّ - بالفتح – عَضًّا، وعضِيضاً.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
. . . *** كَفَحْلِ الْهِجَانِ يَنْتَحِي لِلْعَضِيضِ(١)
ويعبر به عن الندم المفرط - ومنه :﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] - وإن لم يكن ثم عَضٌّ حقيقة.
قال أبو طالب :[ الطويل ]
جعل الباء زائدة في المفعول ؛ إذ الأصل : يعضون خلفنا الأنامل.
وقال آخر :[ المتقارب ]
وقال الحارث بن ظالم المري :[ الطويل ]
وقال آخر :[ البسيط ]
والعَضّ كله بالضاد، إلا في قولهم : عَظَّ الزمان - أي : اشتد - وعظت الحرب، فإنهما بالظاء - أخت الطاء-.
قال الشاعر :[ الطويل ]
قال شهاب الدين :" وقد رأيته بخط جماعة من الفضلاء : وعضُّ زمان – بالضاد ".
والعُضُّ - بضم الفاء - عَلَف من نوًى مرضوض وغيره، ومنه : بَعير عُضَاضِيّ - أي : سمين - كأنه منسوب إليه، وأعَضَّ القومُ - إذا أكلت إبلُهم ذلك، والعِضّ - بكسر الفاء - الرجل الداهية، كأنهم تصوروا عَضَّه وشدته.
وزمن عضوض - أي : جدب، والتَّعْضوض : نوع من التمر، سُمِّيَ بذلك لشدة مضغه وصعوبته.
والأنامل : جمع أنملة - وهي رؤوس الأصابع.
قال الرُّماني : واشتقاقها من النمل - هذا الحيوان المعروف - شبهت به لدقتها، وسرعة تصرفها وحركتها، ومنه قالوا للنمام :" نمل ومنمل " لذلك.
قال الشاعر :[ المتقارب ]
وفي ميمها الضم والفتح.
والغيظ : مصدر غاظه، يغيظه - أي : أغضبه -. وفسره الراغب(٨) بأنه أشد الغضب، قال : وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دَمِ قلبه. وإذا وصف به الله تعالى، فإنما يراد به الانتقام. والتغيظ : إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت، قال تعالى :﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢]، والجملة من قوله :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ معطوفة على ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾، ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة.
قال الزمخشري : والواو في ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ للحال، وانتصابها من ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي : لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم.
قال أبو حيان(٩) :" وهو حسن، إلا أن فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه، وهو أنه جعل الواو في ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ للحال، وانتصابها من ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ والمضارع المثبت - إذا وقع حالاً - لا تدخل عليه واو الحال، تقول : جاء زيد يضحك، ولا يجوز : ويضحك، فأما قولهم : قمت وأصُكُّ عينه، ففي غاية الشذوذ، وقد أوِّل على إضمار مبتدأ، أي : وأنا أصُكّ عينه، فتصير الجملة اسمية، ويحتمل هذا التأويل هنا : ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله، لكنَّ الأولَى ما ذكرنا من كونها للعطف ".
يعني : فإنه لا يُحْوِج إلى حَذْف، بخلاف تقديره مبتدأ، فإنه على خلاف الأصل.
قوله :﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال، أي : موتوا ملتبسين بغيظكم لا يزايلكم، وهو كناية عن كثرة الإسلام وفُشوِّه ؛ لأنه كلما ازداد الإيمان ازداد غيظهم، ويجوز أن تكون للسببية أي : بسبب غَيْظكم، وليس بالقويّ.
وقوله :﴿مُوتُواْ﴾ صورته أمر ومعناه الدعاء، فيكون دُعَاءً عليهم بأن يزداد غَيْظُهم، حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ : ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام، وعِزِّ أهْلِه، وما لهم في ذلك من الذُّلِّ، والخِزْي، والعار.
وقيل : معناه الخبر، أي : أن الأمر كذلك.
وقد قال بعضهم : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى : الدعاء ؛ لأنه لو كان أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة ؛ فإنَّ دعوته لا ترد، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآيةِ، [ وليس بخبر ] (١٠) ؛ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أخبره، ولم يؤمن أحدٌ بعدُ، وإذا انتفى هذان المعنيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ، والتهديد، كقوله تعالى :﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] و " إذَا لَمْ تَسْتَحْي فاصْنَعْ مَا شِئْتَ(١١) ".
وهذا - الذي قاله - ليس بشيء ؛ لأن مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء - إن قُصِد به الدعاء - ولا تحت الخبر، إن قُصِد به الإخبار.
قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، أخبر - تعالى - بذلك ؛ لأنهم كانوا يُخفون غيظَهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن يكون من جملة المقول، أي : قُلْ لهم : كذا، وكذا، فيكون في محل نصب بالقول، ومعنى قوله :﴿بِذَاتِ﴾ أي : بالمُضْمَرات، ذوات الصدور، ف " ذَات " - هنا - تأنيث " ذي " بمعنى صاحب ؛ فحُذِف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، أي : عَلِيمٌ بالمضمرات صاحبة الصدُور، و " ذو " جعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب النار، وأصحاب الجنة.
والمراد بذات الصدور : الخواطر القائمة بالقلب من الدواعي، والصوارف الموجودة فيه.
واختلفوا في الوقف على هذه اللفظة، هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء ؟.
فقال الأخفش، والفَرَّاءُ، وابن كيسان : الوقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف.
وقال الكسائي، والجَرْمِيّ : يوقف عليها بالهاء، لأنها تاء تأنيث، كهي في صاحبة، وموافقة الرسم أوْلَى ؛ فإنَّهُ قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا - هنا - بالتاء، وافقنا تلك اللغة، والرسم، بخلاف عكسه.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ :" ها " للتنبيه، و " أنْتُمْ " مبتدأ و " أولاءِ " خبره، و " تُحِبُّونَهُمْ " في موضع نصب على الحال من اسم الإشارة.
ويجوز أن يكون " أولاء " بمعنى : الذي، و " تُحِبُّونَهُمْ " صلة له، والموصول مع الصلة خبر.
قال الفرَّاء :" أولاَءِ " خبر، و " يحبونهم " خبر بعد خبر.
ويجوز أن يكون " أولاء " في موضع نصب بفعل محذوف، فتكون المسألة من باب الاشتغال، نحو : أنا زيداً ضربته.
قوله :﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ يحتمل أن يكون استئناف إخبار، وأن يكون جملة حالية.
فصل
قال المُفَضَّل :" تحبّونهم " تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، و ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾، فإنهم يريدون بقاءكم على الكفر، وهو يوجب الهلاك.
وقيل :﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب ما بينكم وبينهم من القرابة، والرضاع، و المصاهرة، ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ لأجل الإسلام.
وقيل :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب إظهارهم لكم الإسلام ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ بسبب أن الكفر مستغرق في قلوبهم.
وقال أبُو العَالِيَةِ، ومُقَاتِلٌ : المحبة - هاهنا - بمعنى : المصافاة، أي : أنتم - أيها المؤمنون - تصافونهم، ولا يصافونكم ؛ لنفاقهم.
وقال الأصمّ :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بمعنى : أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات، والمحن، ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ بمعنى : أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمِحَن، ويتربصون بكم الدوائر.
وقيل :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ بسبب أنهم يُظهرون لكم محبة الرسول ﷺ وهم يبغضون الرسول، ومحب المبغوض مبغوض.
وقيل :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي : تخالطونهم، وتُفشون إليهم أسرارَكم في أمور دينكم ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي : لا يفعلون ذلك بكم.
قوله :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ يجوز أن تكون الألف واللام - في الكتاب - للجنس، والمعنى : بالكتب كلها، فاكتفى بالواحد.
وقيل : أفرد الكتاب ؛ لأنه مصدر، فيجوز أن يُسَمَّى به الجمع.
وقيل : إن المصدر لا يُجْمَع إلا على التأويل، فلهذا لم يَقُل : الكتب - بدلاً من الكتاب -، وإن كان لو قاله لجاز، توسعاً.
ويجوز أن يكون للعهد، والمراد به : كتاب مخصوص.
وهنا جملة محذوفة، يدل عليها السياق، والتقدير :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾، وهم لا يؤمنون بكتابكم، وحَسُنَ العطفُ، لما تقدم من أن ذكر أحد الضدين يُغْني عن ذِكْر الآخر، وتقدير الكلام : أنكم تؤمنون بكتبهم كلها، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم - مع ذلك - تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم ؟.
وفيه توبيخ شديد بأنهم - في باطلهم - أصلب منكم في حقكم.
قوله :﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ومعناه : إذا خَلاَ بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين، حتى تبلغ الشدة إلى عَضِّ الأنامل، كما يفعل الإنسان - إذا اشتد غيظه، وعَظُم حُزنه - على فَوْت مطلوبه، ولمَّا كَثُر هذا الفعلُ من الغضبان صار ذلك كناية عن الغضب، وإن لم يكن هناك عض.
قوله :﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق ب " عَضُّوا "، وكذلك ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ و " مِنْ " فيه لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون بمعنى اللام، فيفيد العِلِّيَّةَ - اي : من أجل الغيظ. -
وجوز أبو البقاء - في " عَلَيْكُمْ "، وفي ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ - أن يكونا حالين، فقال :" ويجوز أن يكون حالاً، أي : حنقين عليكم من الغيظ. و ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ متعلق ب " عَضُّوا " أيضاً، و " مِنْ " لابتداء الغاية، أي : من أجل الغيظ، ويجوز أن يكون حالاً، أي : مغتاظين ". انتهى.
وقوله : و " من " لابتداء الغاية - أي : من أجل الغيظ كلام متنافر ؛ لأن التي للابتداء لا تفسَّر بمعنى :" من أجل "، فإنه معنى العلة، والعلة والابتداء متغايران، وعلى الجملة، فالحالية - فيهما - لا يظهر معناها، وتقديره الحال ليس تقديراً صناعيًّا ؛ لأن التقدير الصناعي إنما يكون بالأكوان المطلقة.
والعَضّ : الأزم بالأسنان، وهو تحامُل الأسنان بعضها على بعض، يقال : عَضِضْتُ - بكسر العين في الماضي - أعَضُّ - بالفتح – عَضًّا، وعضِيضاً.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
. . . *** كَفَحْلِ الْهِجَانِ يَنْتَحِي لِلْعَضِيضِ(١)
ويعبر به عن الندم المفرط - ومنه :﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧] - وإن لم يكن ثم عَضٌّ حقيقة.
قال أبو طالب :[ الطويل ]
| وَقَدْ صَالَحُوا قَوْماً عَلَينَا أشِحَّةً | يَعَضُّونَ غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأنَامِلِ(٢) |
وقال آخر :[ المتقارب ]
| قَدَ افْنَى أنَامِلَهُ أزْمُهُ | فَأضْحَى يَعَضُّ عَلَيَّ الْوَظِيفَا(٣) |
| وَأقْتُلُ أقْوَاماً لِئاماً أذِلَّةً | يَعُضُّونَ مِنْ غَيْظٍ رُءُوسَ الأبَاهِمِ(٤) |
| إذَا رَأوْنِي - أطَالَ اللهُ غَيْظَهُمُ | عَضُّوا مِنَ الْغَيظِ أطْرَافَ الأبَاهِيمِ(٥) |
قال الشاعر :[ الطويل ]
| وَعَظُّ زَمَانٍ - يَا بْنَ مَرْوَانَ لَمْ يَدَعْ | مِنَ الْمَالِ إلاَّ مُسْحَتاً أوْ مُجَلَّفُ(٦) |
والعُضُّ - بضم الفاء - عَلَف من نوًى مرضوض وغيره، ومنه : بَعير عُضَاضِيّ - أي : سمين - كأنه منسوب إليه، وأعَضَّ القومُ - إذا أكلت إبلُهم ذلك، والعِضّ - بكسر الفاء - الرجل الداهية، كأنهم تصوروا عَضَّه وشدته.
وزمن عضوض - أي : جدب، والتَّعْضوض : نوع من التمر، سُمِّيَ بذلك لشدة مضغه وصعوبته.
والأنامل : جمع أنملة - وهي رؤوس الأصابع.
قال الرُّماني : واشتقاقها من النمل - هذا الحيوان المعروف - شبهت به لدقتها، وسرعة تصرفها وحركتها، ومنه قالوا للنمام :" نمل ومنمل " لذلك.
قال الشاعر :[ المتقارب ]
| وَلَسْتُ بِذِي نَيْرَبٍ فِيهِمُ | وَلاَ مُنْمِشٍ فيهِمُ مُنْمِلِ(٧) |
والغيظ : مصدر غاظه، يغيظه - أي : أغضبه -. وفسره الراغب(٨) بأنه أشد الغضب، قال : وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دَمِ قلبه. وإذا وصف به الله تعالى، فإنما يراد به الانتقام. والتغيظ : إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت، قال تعالى :﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢]، والجملة من قوله :﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ معطوفة على ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾، ففيها ما فيها من الأوجه المعروفة.
قال الزمخشري : والواو في ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ للحال، وانتصابها من ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي : لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابكم كله، وهم - مع ذلك - يبغضونكم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بشيء من كتابكم.
قال أبو حيان(٩) :" وهو حسن، إلا أن فيه من الصناعة النحوية ما يخدشه، وهو أنه جعل الواو في ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ للحال، وانتصابها من ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ والمضارع المثبت - إذا وقع حالاً - لا تدخل عليه واو الحال، تقول : جاء زيد يضحك، ولا يجوز : ويضحك، فأما قولهم : قمت وأصُكُّ عينه، ففي غاية الشذوذ، وقد أوِّل على إضمار مبتدأ، أي : وأنا أصُكّ عينه، فتصير الجملة اسمية، ويحتمل هذا التأويل هنا : ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله، لكنَّ الأولَى ما ذكرنا من كونها للعطف ".
يعني : فإنه لا يُحْوِج إلى حَذْف، بخلاف تقديره مبتدأ، فإنه على خلاف الأصل.
قوله :﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ يجوز أن تكون الباء للحال، أي : موتوا ملتبسين بغيظكم لا يزايلكم، وهو كناية عن كثرة الإسلام وفُشوِّه ؛ لأنه كلما ازداد الإيمان ازداد غيظهم، ويجوز أن تكون للسببية أي : بسبب غَيْظكم، وليس بالقويّ.
وقوله :﴿مُوتُواْ﴾ صورته أمر ومعناه الدعاء، فيكون دُعَاءً عليهم بأن يزداد غَيْظُهم، حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ : ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام، وعِزِّ أهْلِه، وما لهم في ذلك من الذُّلِّ، والخِزْي، والعار.
وقيل : معناه الخبر، أي : أن الأمر كذلك.
وقد قال بعضهم : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى : الدعاء ؛ لأنه لو كان أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة ؛ فإنَّ دعوته لا ترد، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآيةِ، [ وليس بخبر ] (١٠) ؛ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أخبره، ولم يؤمن أحدٌ بعدُ، وإذا انتفى هذان المعنيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ، والتهديد، كقوله تعالى :﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] و " إذَا لَمْ تَسْتَحْي فاصْنَعْ مَا شِئْتَ(١١) ".
وهذا - الذي قاله - ليس بشيء ؛ لأن مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء - إن قُصِد به الدعاء - ولا تحت الخبر، إن قُصِد به الإخبار.
قوله :﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، أخبر - تعالى - بذلك ؛ لأنهم كانوا يُخفون غيظَهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن يكون من جملة المقول، أي : قُلْ لهم : كذا، وكذا، فيكون في محل نصب بالقول، ومعنى قوله :﴿بِذَاتِ﴾ أي : بالمُضْمَرات، ذوات الصدور، ف " ذَات " - هنا - تأنيث " ذي " بمعنى صاحب ؛ فحُذِف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، أي : عَلِيمٌ بالمضمرات صاحبة الصدُور، و " ذو " جعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب النار، وأصحاب الجنة.
والمراد بذات الصدور : الخواطر القائمة بالقلب من الدواعي، والصوارف الموجودة فيه.
واختلفوا في الوقف على هذه اللفظة، هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء ؟.
فقال الأخفش، والفَرَّاءُ، وابن كيسان : الوقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف.
وقال الكسائي، والجَرْمِيّ : يوقف عليها بالهاء، لأنها تاء تأنيث، كهي في صاحبة، وموافقة الرسم أوْلَى ؛ فإنَّهُ قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا - هنا - بالتاء، وافقنا تلك اللغة، والرسم، بخلاف عكسه.
١ هذا عجز بيت وصدره:
له قصريا عير وساقا نعامة ***...
ينظر ديوانه (٧٥) والدر المصون ٢/١٩٧..
٢ ينظر البيت في ديوانه ص ١٠١ والروض الأنف ٢/١٣ والسيرة النبوية ١/٢٧٢ والمقتضب ٤/٩٠ والدر المصون ٢/١٩٧..
٣ البيت لصخر الغي –ينظر ديوان الهذليين ٢/٧٣ وزاد المسير ٤/٣٤٨ وشرح أشعار الهذليين ١/٢٩٩ والدر المصون ٢/١٩٧..
٤ ينظر البيت في شواهد الكشاف ٤/١٩، والبحر المحيط ٢/٤٤ والدر المصون ١٩٧..
٥ البيت للفرزدق ينظر ديوانه ٢/٣٥٨ والبحر المحيط ٣/٤٤ والتاج ٨/٢٠٨ والقرطبي ٤/١٨٢ واللسان (بهم) والدر المصون ٢/١٩٧..
٦ تقدم..
٧ ينظر البيت في الدرر ٦/١٦٥، وشرح شواهد المغني ٢/٨٦٩، ولسان العرب (نمش)، ومغني اللبيب ٢/٤٧٧، وهمع الهوامع ٢/١٤٢، والدر المصون ٢/١٩٨..
٨ ينظر: المفردات ٢٨٢..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٣..
١٠ في أ: ولا يجوز أن يكون بمعنى الخبر..
١١ أخرجه البخاري (١٠/٥٢٣) كتاب الأدب باب إذا لم تستح فاصنع ما تشاء رقم (٦١٢٠) وأبو اود (٤/٢٥٢) رقم (٤٧٩٧) وابن ماجه (٢/١٤٠٠) كتاب الزهد باب الحياء (٤١٨٣) والبغوي في "شرح السنة" (١/٧٦)..
له قصريا عير وساقا نعامة ***...
ينظر ديوانه (٧٥) والدر المصون ٢/١٩٧..
٢ ينظر البيت في ديوانه ص ١٠١ والروض الأنف ٢/١٣ والسيرة النبوية ١/٢٧٢ والمقتضب ٤/٩٠ والدر المصون ٢/١٩٧..
٣ البيت لصخر الغي –ينظر ديوان الهذليين ٢/٧٣ وزاد المسير ٤/٣٤٨ وشرح أشعار الهذليين ١/٢٩٩ والدر المصون ٢/١٩٧..
٤ ينظر البيت في شواهد الكشاف ٤/١٩، والبحر المحيط ٢/٤٤ والدر المصون ١٩٧..
٥ البيت للفرزدق ينظر ديوانه ٢/٣٥٨ والبحر المحيط ٣/٤٤ والتاج ٨/٢٠٨ والقرطبي ٤/١٨٢ واللسان (بهم) والدر المصون ٢/١٩٧..
٦ تقدم..
٧ ينظر البيت في الدرر ٦/١٦٥، وشرح شواهد المغني ٢/٨٦٩، ولسان العرب (نمش)، ومغني اللبيب ٢/٤٧٧، وهمع الهوامع ٢/١٤٢، والدر المصون ٢/١٩٨..
٨ ينظر: المفردات ٢٨٢..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٤٣..
١٠ في أ: ولا يجوز أن يكون بمعنى الخبر..
١١ أخرجه البخاري (١٠/٥٢٣) كتاب الأدب باب إذا لم تستح فاصنع ما تشاء رقم (٦١٢٠) وأبو اود (٤/٢٥٢) رقم (٤٧٩٧) وابن ماجه (٢/١٤٠٠) كتاب الزهد باب الحياء (٤١٨٣) والبغوي في "شرح السنة" (١/٧٦)..