فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿هَا أَنتُمْ أُوْلاء﴾ جملة مصدرة بحرف التنبيه، أي : أنتم أولاء الخاطئون في موالاتهم، ثم بين خطأهم بتلك الموالاة بهذه الجملة التذييلية. فقال ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾، وقيل : إن قوله :﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ خبر ثان لقوله ﴿أنتم﴾، وقيل : إن أولاء موصول، و ﴿تحبونهم﴾ صلته أي : تحبونهم لما أظهروا لكم الإيمان، أو لما بينكم، وبينهم من القرابة :﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ لما قد استحكم في صدورهم من الغيظ والحسد. قوله :﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ﴾ أي : بجنس الكتاب جميعاً، ومحل الجملة النصب على الحال، أي : لا يحبونكم، والحال أنكم مؤمنون بكتب الله سبحانه التي من جملتها كتابهم، فما بالكم تحبونهم، وهم لا يؤمنون بكتابكم. وفيه توبيخ لهم شديد، لأن من بيده الحق أحق بالصلابة، والشدّة ممن هو على الباطل ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا﴾ نفاقاً وتقية ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ تأسفاً، وتحسراً، حيث عجزوا عن الانتقام منكم، والعرب تصف المغتاظ، والنادم بعضّ الأنامل، والبنان، ثم أمره الله سبحانه بأن يدعو عليهم، فقال :﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ وهو يتضمن استمرار غيظهم ما داموا في الحياة حتى يأتيهم الموت، وهم عليه، ثم قال :﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ فهو يعلم ما في صدوركم، وصدورهم، والمراد بذات الصدور : الخواطر القائمة بها، وهو كلام داخل تحت قوله :﴿قُلْ﴾ فهو من جملة المقول.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال : كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار، والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم، عن مباطنتهم لخوف الفتنة عليهم منهم ﴿يا أيها الذين آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً﴾ الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال : هم المنافقون. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ ؛ قال :" هم الخوارج " قال السيوطي، وسنده جيد. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله :﴿وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ﴾ أي : بكتابكم وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء، لهم منهم لكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مقاتل ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني : النصر على العدوّ، والرزق، والخير ﴿تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ﴾ يعني القتل، والهزيمة، والجهد

تفسير هذه الآية من كتب أخرى