المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
تقدم إعراب نظير هذه الآية وقراءتها في قوله تعالى آنفاً :﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦] والضمير في ﴿تحبونهم﴾ لمنافقي اليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله :﴿بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨] والضمير في هذه الآية اسم للجنس، أي تؤمنون بجميع الكتب وهم لا يؤمنون بقرآنكم، وإنما وقف الله تعالى المؤمنين بهذه الآية على هذه الأحوال الموجبة لبغض المؤمنين لمنافقي اليهود واطراحهم إياهم، فمن تلك الأحوال أنهم لا يحبون المؤمنين وأنهم يكفرون بكتابهم وأنهم ينافقون عليهم ويستخفون بهم ويغتاظون ويتربصون الدوائر عليهم، وقوله تعالى :﴿عضوا عليكم الأنامل﴾ عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ومنه قول أبي طالب(١) :[ الطويل ]
ومنه قول الآخر :[ الفرزدق ] :
وَقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَمَا كَانَ نَصْرُهَا. . . قُتَيْبَةَ إلاَّ عَضَّها بِالأَباهِمِ(٢)
وهذا العض هو بالأسنان، وهي هيئة في بدن الإنسان تتبع هيئة النفس الغائظة، كما أن عض اليد على اليد يتبع هيئة النفس النادمة فقط، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ونحوه، ويكتب هذا العض بالضاد، ويكتب عظ الزمان بالظاء المشالة وواحد «الأنامل » أنملة بضم الميم، ويقال بفتحها والضم أشهر، ولا نظير لهذا الاسم في بنائه إلا أشد، له نظائر في الجموع، وقوله ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن، كما كان المنافقون من العرب يفعلون، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي(٣) فلم يبق إلا أن قولهم :﴿آمنا﴾ معناه : صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة، وهذا منزع قد حفظ أن كثيراً من اليهود كان يذهب إليه، ويدل على هذا التأويل أن المعادل لقولهم ﴿آمنا﴾، «عض الأنامل من الغيظ »، وليس هو ما يقتضي الارتداد كما هو في قوله تعالى :﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم﴾(٤) بل هو ما يقتضي البغض وعدم المودة، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال : هم الإباضية(٥).
قال القاضي أبو محمد : وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم القيامة، وقوله تعالى :﴿قل موتوا بغيظكم﴾، قال فيه الطبري وكثير من المفسرين : هو دعاء عليهم.
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا يتجه أن يدعى عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة، قال قوم : بل أمر النبي ﷺ وأمته أن يواجهوهم بهذا.
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة، ويجري المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو :
وينظر إلى هذا المعنى في قوله، ﴿موتوا بغيظكم﴾ قوله تعالى :﴿فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع﴾(٧)، وقوله :﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾ وعيد يواجهون به على هذا التأويل الأخير في ﴿موتوا بغيظكم﴾ و «ذات الصدور » : ما تنطوي عليه، والإشارة هنا إلى المعتقدات ومن هذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : إنما هو ذو بطن بنت خارجة(٨)، ومنه قولهم : الذيب مغبوط بذي بطنه(٩)، وال «ذات » : لفظ مشترك في معان لا يدخل منها في هذه الآية إلا ما ذكرناه.
| . . . . . . . . . . . . . . . . . . . | يعضُّون غَيْظاً خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ |
وَقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَمَا كَانَ نَصْرُهَا. . . قُتَيْبَةَ إلاَّ عَضَّها بِالأَباهِمِ(٢)
وهذا العض هو بالأسنان، وهي هيئة في بدن الإنسان تتبع هيئة النفس الغائظة، كما أن عض اليد على اليد يتبع هيئة النفس النادمة فقط، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ونحوه، ويكتب هذا العض بالضاد، ويكتب عظ الزمان بالظاء المشالة وواحد «الأنامل » أنملة بضم الميم، ويقال بفتحها والضم أشهر، ولا نظير لهذا الاسم في بنائه إلا أشد، له نظائر في الجموع، وقوله ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن، كما كان المنافقون من العرب يفعلون، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي(٣) فلم يبق إلا أن قولهم :﴿آمنا﴾ معناه : صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة، وهذا منزع قد حفظ أن كثيراً من اليهود كان يذهب إليه، ويدل على هذا التأويل أن المعادل لقولهم ﴿آمنا﴾، «عض الأنامل من الغيظ »، وليس هو ما يقتضي الارتداد كما هو في قوله تعالى :﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم﴾(٤) بل هو ما يقتضي البغض وعدم المودة، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال : هم الإباضية(٥).
قال القاضي أبو محمد : وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم القيامة، وقوله تعالى :﴿قل موتوا بغيظكم﴾، قال فيه الطبري وكثير من المفسرين : هو دعاء عليهم.
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا يتجه أن يدعى عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة، قال قوم : بل أمر النبي ﷺ وأمته أن يواجهوهم بهذا.
قال القاضي أبو محمد : فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة، ويجري المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو :
| وننمي في أرومتنا | ونفقأ عين من حسدا(٦) |
١ - صدره: وقد حالفوا قوما علينا أظنة.
والبيت من قصيدة له يتعوذ فيها بحرم مكة. "سيرة ابن هشام ١/١٧٦".
٢ - البيت من قصيدة للفرزدق قالها في قتل قتيبة بن مسلم ويمدح سليمان عبد الملك ويهجو قيسا وجريرا. "شرح ديوان الفرزدق٢: ٨٥١" وقد أراد: بالأباهيم-لكنه حذف.
ومثل البيتين اللذين استشهد بهما ابن عطية قول الحارث بن ظالم المري:
وأقبل أقواما لئاما أذلة يعضون من غيظ رؤوس الأباهم
وقول الآخر:
إذا رأوني أطال الله غيظهم عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم.
٣ - ورد اسمه في السيرة (٢/٥٢٣): زيد بن اللصيت، قال ابن هشام: ويقال: ابن لصيب. وفي بعض النسخ: ابن الوسيط..
٤ - من الآية (١٤) من سورة البقرة..
٥ - الإباضية: قوم من الحرورية لهم هوى ينسبون إليه، وقيل: هم فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن إباض التميمي..
٦ - ورواية الأغاني ٩/٥٤. ط٣ للبيت هي:
وزمزم من أرومتنا ونفقا عين من حسدا
والبيت من قطعة قالها في الفخر، ويتغنى بها، وهي من جيد شعره. والأرومة: تضم الأصل، وفقأ العين: قلعها..
٧ - من الآية ١٥ من سورة الحج.
٨ - أخرجه مالك في الموطأ في ما لا يجوز من النحل. وذو بطن: أي: صاحبة بطن بمعنى: الكائنة في بطن حبيبة بنت خارجة، وكانت بنت خارجة زوجا لأبي بكر. والقصة بكاملها في "الاستيعاب" في ترجمة "خارجة بن زيد"..
٩ - قال أبو عبيد: "وذلك أنه لا يظن به أبدا الجوع، إنما يظن به البطنة لعدوه على الناس والماشية، ولعله يكون مجهودا من الجوع، وأنشد:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ويغبط ما في بطنه وهو جائع.
اللسان-مادة: (بطن)..
والبيت من قصيدة له يتعوذ فيها بحرم مكة. "سيرة ابن هشام ١/١٧٦".
٢ - البيت من قصيدة للفرزدق قالها في قتل قتيبة بن مسلم ويمدح سليمان عبد الملك ويهجو قيسا وجريرا. "شرح ديوان الفرزدق٢: ٨٥١" وقد أراد: بالأباهيم-لكنه حذف.
ومثل البيتين اللذين استشهد بهما ابن عطية قول الحارث بن ظالم المري:
وأقبل أقواما لئاما أذلة يعضون من غيظ رؤوس الأباهم
وقول الآخر:
إذا رأوني أطال الله غيظهم عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم.
٣ - ورد اسمه في السيرة (٢/٥٢٣): زيد بن اللصيت، قال ابن هشام: ويقال: ابن لصيب. وفي بعض النسخ: ابن الوسيط..
٤ - من الآية (١٤) من سورة البقرة..
٥ - الإباضية: قوم من الحرورية لهم هوى ينسبون إليه، وقيل: هم فرقة من الخوارج أصحاب عبد الله بن إباض التميمي..
٦ - ورواية الأغاني ٩/٥٤. ط٣ للبيت هي:
وزمزم من أرومتنا ونفقا عين من حسدا
والبيت من قطعة قالها في الفخر، ويتغنى بها، وهي من جيد شعره. والأرومة: تضم الأصل، وفقأ العين: قلعها..
٧ - من الآية ١٥ من سورة الحج.
٨ - أخرجه مالك في الموطأ في ما لا يجوز من النحل. وذو بطن: أي: صاحبة بطن بمعنى: الكائنة في بطن حبيبة بنت خارجة، وكانت بنت خارجة زوجا لأبي بكر. والقصة بكاملها في "الاستيعاب" في ترجمة "خارجة بن زيد"..
٩ - قال أبو عبيد: "وذلك أنه لا يظن به أبدا الجوع، إنما يظن به البطنة لعدوه على الناس والماشية، ولعله يكون مجهودا من الجوع، وأنشد:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ويغبط ما في بطنه وهو جائع.
اللسان-مادة: (بطن)..