كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني

عن الكتاب
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا﴾ ؛ قرأ السلمي : بالياءِ، ومعنى الآيةِ : إنْ تُصِبْكُمْ أيُّها المؤمنون حَسَنَةٌ بظهُوركُم على عدوِّكم وغَلَبَتِكُمْ لَهُمْ أو الغنيمةِ والخصَب تَسُؤْهُمْ تِلْكَ الحسنةُ ؛ أي تُحْزِنُهُمْ ؛ يعني اليهودَ، وإن تُصِبْكُمْ مِحْنَةٌ من جهةِ أعدَائكم ونَكْبَةٌ أو جَدْبٌ يُعْجَبُوا بها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ ؛ أي وإن تصبرُوا على أذى اليهود والمنافقين وتَتَّقُوا معصيةَ اللهِ وتَخافوا ربَّكم، ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ ؛ أي لا يضرُّكم احتيالُهم لإيقاعِكم في الهلاكِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ؛ أي أحاطَ عِلْمُهُ وقدرتُه بأعمالِكم وبأعمالِهم.
قرأ أبو عمرٍو وابنُ كثير :(لاَ يَضِرْكُمْ) بكسرِ الضَّاد والتخفيفِ، وهو جَزْمٌ على جواب الجزاء. وقرأ الضحَّاك :(لاَ يَضُرْكُمْ) بالضمِّ وجزمِ الراء ؛ مِن ضَارَ يُضَارُ يَضُورُ. وذكرَ القُرَّاءُ عنِ الكَسَائِيِّ : أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ الْعَالِيَةِ يَقُولُ : لاَ يَنْفَعُنِي وَلاَ يَضُورُنِي. وقرأ الباقونَ بضمِّ الضادِ وتشديد الرَّاء : من ضَرَّ يَضِرُّ ضَرّاً. وفي رفعِ (يَضُرُّكُمْ) وجهان ؛ أحدُهما : أنهُ أرادَ الجزمَ ؛ وأصلهُ (يَضْرُرْكُمْ) فأُدغمتِ الراءُ في الراءِ، ونُقلت ضمَّةُ الراء الأُولى إلى الضَّادِ، وضُمَّت الراءُ الأخيرةُ اتِّباعاً لأقرب الحركات إليها وهي الضَّادُ طلباً للمشاكَلَةِ، والوجهُ الثانِي : أنَّ (لاَ) بمعنى (لَيْسَ)، ويُضمر الفاءَ فيه ؛ تقديرهُ : وإنْ تَصْبرُوا فليسَ يَضُرُّكُمْ، وَالضَّيْرُ وَالضَّرُّ وَالضَّرَرُ بمعنىً واحدٍ ؛ قال اللهُ تعالى :﴿قَالُواْ لاَ ضَيْرَ﴾[الشعراء: ٥٠] وقال :﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ﴾[الاسراء: ٦٧]. وقَوْلُهُ تَعَالَى (إنَّ الله بمَا تعْمَلُونَ مُحِيطٌ) أي عالِمٌ. قرأ الحسنُ والأعمش بالتَّاء. وقرأ الباقون بالياءِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى