الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ العامل في " إذ " مضمرٌ تقديرهُ : واذكر إذ غدوت، فينتصِبُ انتصابَ المفعول به لا على الظرف. وجَوَّز بعضُهم أَن يكونَ معطوفاً على " فئتين " في قوله :﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾
[آل عمران: ١٣] أي : قد كان لكم آيةٌ في فئتين وفي إذ غَدَوْتَ، وهذا لا ينبغي أن يُعَرَّج عليه.
والغدوُّ : الخروجُ أولَ النهار يقال : غَدا يَغْدُو أي : خَرَجَ غُدْوَةً، ويُسْتعمل بمعنى صار عند بعضهم، فيكونُ ناقصاً يرفع الاسم وينصبُ الخبر، وعليه قولُه [ عليه ] السلام :" لو توكلتم على الله حَقَّ توكُّلهِ لرزقكم كما يَرزق الطيرَ تَغْدُو خِماصاً وتروُح بِطاناً ".
وقوله :﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ متعلق ب " غَدَوْتَ " وفي " من " وجهان، أظهرهما : أنها لابتداء الغاية أي : من بين أهلك، قال أبو البقاء :" وموضعُه نصب تقديره : فارقْتَ أهلك " وهذا الذي قاله ليس تفسير إعراب ولا تفسير معنى، فإن المعنى على غير ما ذكر. والثاني : أنها بمعنى مع أي : مع أهلك، وهذا لا يساعده لا لفظٌ ولا معنى.
قوله :﴿تُبَوِّىءُ﴾ الجملة يجوز أن تكون حالاً من فاعل " غدوت "، وهي حال مقدرة أي : قاصداً تَبْوِئَةَ المؤمنين، لأنَّ وقت الغدو ليس وقتاً للتَبْوِئة. ويحتمل أن تكون مقارنةً ؛ لأنَّ الزمان متسع.
وتُبَوِّىءُ أي : تُنَزِّلُ فهو يتعدى لمفعولين إلى أحدهما نفسه وإلى آخر بحرف الجر، وقد يُحْذف كهذه الآية. ومِنْ عدم الحذف قولُه تعالى :
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] وأصله من المَبَاءة وهي المَرْجِعُ. قال :
وما بَوَّأ الرحمنُ بَيْتَك منزلاًبشرقيِّ أجيادِ الصَّفا والمُحَرَّمِ
وقال آخر :
كم مِن أخٍ لي صَالحٍبَوَّأْتُه بيدَيَّ لَحْدا
وقد تقدَّم اشتقاق هذه اللفظة. وقيل :" اللام في قوله " لإِبراهيم " مزيدةٌ، فعلى هذا يكون متعدياً للاثنين بنفسه ".
ومقاعد جمع " مَقْعَد ". والمراد به هنا مكانُ القُعودِ. وقعد قد يكون بمعنى صار في المَثَل خاصة. وقال الزمخشري :" وقد اتُّسِع في قعد وقام حتى أُجْريا مُجرى صار ". قال الشيخ :" أمَّا إجراء " قَعَد " مُجْرى " صار " فقال بعض أصحابنا إنما جاء ذلك في لفظة واحدة شاذة في المثل في قولهم :" شَحَذَ شَفْرَته حتى قَعَدَتْ كأنها حَرْبة "، وكذلك نَقَد على الزمخشري تخريجَه قوله تعالى :﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً﴾ [الإسراء: ٢٢] بمعنى : فتصيرَ، لأنه لا يَطِّرِدُ إجراء قَعَد مُجْرى صار " قلت : وهذا الذي ذكره الزمخشري صحيح من كون " قعد " يكون بمعنى صارَ في غير ما أشار إليه هذا القائل، حكى أبو عمر الزاهد عن ابن الأعرابي أن العرب تقول :" قَعد فلان أميراً بعد أن كان مأموراً " أي صار.
ثم قال الشيخ :" وأمَّا إجراء " قام " مجرى " صار " فلا أعلم أحداً عَدَّها في أخوات " كان "، ولا جعلها بمعنى صار، إلا ابن هشام الخضرواي فإنه ذَكَر في قول الشاعر :
/على ما قام يَشْتِمُني لئيمٌكخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ في رماد
أنها من أفعال المقاربة قلت : وغيرُه من النحويين يجعلُها زائدةً، وهو شاذ أيضاً.
وقرأ العامة :" تُبَوِّىءُ " عَدَّوْه بالتضعيف. وعبد الله :" تُبْوِىءُ " بسكون الباء عَدَّاه بالهمزة، فهو مضارع أَبْوأَ كأكرم، وقرأ يحيى بن وثاب " تُبْوي " كقراءة عبد الله، إلا أنه سَهَّل الهمزة بإبدالها ياء فصار لفظه كلفظ " تُحْيي " كقولهم : تُقْري في تُقْرىء. وقرأ عبد الله :" للمؤمنين " بلام الجر كقوله :﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٢٦]. وتقدَّم أنَّ في هذه اللامِ قولين. والظاهرُ أنها مُعَدِّية ؛ لأنه قبل التضعيفِ والهمزةِ غيرُ متعدٍّ بنفسه. ويحتمل أن يكونَ قد ضَمَّنه هنا معنى " تُهَيِّىء "، و " ترتِّب ".
وقرأ الأشهب :" مقاعدَ القتالِ " بإضافتها للقتال. واللام في " للقتال " في قراءة الجمهور فيها وجهان، أظهرهما : أنها متعلقة ب " تُبَوِّىء " على أنها لام العلة، والثاني : أنها متعلقة بمحذوف لأنها صفة ل مقاعد أي : مقاعد كائنة ومهيئة للقتال، ولا يجوز تعلقها ب " مقاعد " وإن كانت مشتقةً، لأنها مكانٌ والأمكنة لا تعمل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى