معالم التنزيل — البغوي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال﴾. قال الحسن : هو يوم بدر، وقال مقاتل : يوم الأحزاب، وقال سائر المفسرين : هو يوم أحد، وقال مجاهد والكلبي والواقدي : غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة رضي الله عنها يمشي على رجليه إلى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح. قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما : إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله ﷺ بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول -ولم يدعه قط قبلها-فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله ﷺ هذا الرأي. وقال بعض أصحابه : يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، وقال رسول الله ﷺ :" أني رأيت في منامي بقراً مذبوحة فأولتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولتها هزيمةً، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة - وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة- فيقاتلوا في الأزقة. فقال رجال من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد، اخرج بنا إلى أعدائنا، فلم يزالوا برسول الله ﷺ من حبهم للقاء القوم، حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا، وقالوا : بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه ! فقاموا واعتذروا إليه وقالوا : اصنع ما رأيت، فقال النبي ﷺ لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل، وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس، فراح رسول الله ﷺ يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار، فصلى عليه رسول الله ﷺ ثم خرج إليهم، فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة فكان من حرب أحد ما كان فذلك قوله تعالى( وإذ غدوت من أهلك ) أي واذكر إذا غدوت من اهلك تبوىء : تنزل المؤمنين مقاعد للقتال : أي مواطن ومواضع للقتال، يقال بوأت القوم إذا وطنتهم، وتبوؤوا هم إذا تواطئوا قال الله تعالى( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ) وقال ( أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا ) وقيل تتخذ معسكراً.
قوله تعالى :﴿والله سميع عليم﴾.
قوله تعالى :﴿والله سميع عليم﴾.