البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
غدا الرجل : خرج غدوة.
والغدو يكون في أول النهار.
وفي استعمال غدا بمعنى صار، فيكون فعلاً ناقصاً خلاف.
﴿وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال﴾ قال المسور بن مخرمة : قلت لعبد الرحمن بن عوف : أيْ خال أخبرني عن قصتكم يوم أحد، فقال : اقرأ العشرين ومائة من آل عمران تجد :﴿وإذ غدوت من أهلك - إلى - ثم أنزل عليكم﴾ ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما نهاهم عن اتخاذ بطانةٍ مِن الكفار ووعدهم أنّهم إنْ صبروا واتقوا فلا يضرُّكم كيدهم.
ذكرهم بحالة اتفق فيها بعض طواعية، واتباع لبعض المنافقين، وهو ما جرى يوم أحد لعبد الله بن أبي بن سلول حين انخذل عن رسول الله ﷺ، واتبعه في الانخذال ثلاثمائة رجل من المنافقين وغيرهم من المؤمنين.
والجمهور على أن ذلك كان في غزوة أحد، وفيها نزلت هذه الآيات كلها، وهو قول : عبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والزهري، والسدي، وابن إسحاق.
وقال الحسن : كان هذا الغدو في غزوة الأحزاب.
وهو قول : مجاهد، ومقاتل، وهو ضعيف.
لأن يوم الأحزاب كان فيه ظفر المؤمنين، ولم يجر فيه شيء مما ذكر في هذه الآيات بل قصتاهما متباينتان.
وقال الحسن أيضاً : كان هذا الغدو يوم بدر.
وذكر المفسرون قصة غزوة أحد وهي مستوعبة في كتب السير، ونحن نذكر منها ما يتعلق بألفاظ الآية بعض تعلقٍ عند تفسيرها.
وظاهر قوله : وإذ غدوت، خروجه غدوة من عند أهله.
وفسر ذلك بخروجه من حجرة عائشة يوم الجمعة غدوة حين استشار الناس، فمِنْ مشير بالإقامة وعدم الخروج إلى القتال.
وأن المشركين إنْ جاؤوا قاتلوهم بالمدينة، وكان ذلك رأيه ﷺ.
ومن مشير بالخروج وهم : جماعة من صالحي المؤمنين فأتتهم وقعة بدر وتبوئة المؤمنين مقاعد للقتال، على هذا القول هو أن يقسمَ أفطار المدينة على قبائل الأنصار.
وقيل : غدوه هو نهوضه يوم الجمعة بعد الصلاة وتبوئته في وقت حضور القتال.
وسماه غدواً إذ كان قد عزم عليه غدوة.
وقيل : غدوه كان يوم السبت للقتال.
ولما لم تكن تلك الليلة موافقة للغدو وكأنه كان في أهله، والعامل في إذا ذكر.
وقيل : هو معطوف على قوله :﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾ أي وآية إذ غدوت، وهذا في غاية البعد.
ولولا أنه مسطور في الكتب ما ذكرته.
وكذلك قولُ مَنْ جعل من في معنى مع، أي : وإذ غدوت مع أهلك.
وهذه تخريجات يقولها وينقلها على سبيل التجويز من لا بصر له بلسان العرب.
ومعنى تبويّء تنزل، من المباءة وهي المرجع ومنه ﴿لنبوئنهم من الجنة غرفاً﴾ فليتبوأ مقعده من النار، وقال الشاعر :
كم صاحب لي صالحبوّأته بيديّ لحدا
وقال الأعشى :
وما بوّأ الرحمن بيتك منزلابشرقيّ أجياد الصفا والمحرم
ومقاعد : جمع مقعد، وهو هناك مكان القعود.
والمعنى : مواطن ومواقف.
وقد استعمل المقعد والمقام في معنى المكان.
ومنه :﴿في مقعد صدق﴾ ﴿قبل أن تقوم من مقامك﴾
وقال الزمخشري : وقد اتسع في قعد وقام حتى أجريا مجرى صار انتهى.
أمّا إجراء قعد مجرى صار فقال أصحابنا : إنما جاء في لفظة واحدة وهي شاذة لا تتعدى، وهي في قولهم : شحذ شفرته حتى قعدت كأنها حربة، أي صارت.
وقد نقد على الزمخشري تخريج قوله تعالى :﴿فتقعد ملوماً﴾ على أن معناه : فتصير، لأن ذلك عند النحويين لا يطرد.
وفي اليواقيت لأبي عمر الزاهد قال ابن الأعرابي : القعد الصيرورة، والعرب تقول : قعد فلان أميراً بعدما كان مأموراً أي صار.
وأمّا إجراء قام مجرى صار فلا أعلم أحداً عدّها في أخوات كان، ولا ذكر أنها تأتي بمعنى صار، ولا ذكر لها خبراً إلا أبا عبد الله بن هشام الحضراوي فإنه قال في قول الشاعر :
على ما قام يشتمني لئيمإنها من أفعال المقاربة
وقال ابن عطية : لفظة القعود أدل على الثبوت، ولا سيما أنّ الرماة إنما كانوا قعوداً، وكذلك كانت صفوف المسلمين أولاً، والمبارزة والسرعان يجولون.
وجمع المقاعد لأنه عيّن لهم مواقف يكونون فيها : كالميمنة والميسرة، والقلب، والشاقة.
وبيّن لكل فريق منهم موضعهم الذي يقفون فيه.
خرج ﷺ بعد صلاة الجمعة، وأصبح بالشعب يوم السبت للنصف من شوال، فمشى على رجليه، فجعل يصفّ أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح.
إنْ رأى صدراً خارجاً قال :« تأخر »، وكان نزوله في غدوة الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد.
وأمر عبد الله بنَ جبير على الرماة وقال لهم :« انصحوا عنا بالنبل » لا يأتونا من ورائنا «.
وتبوىء جملة حالية من ضمير المخاطب.
فقيل : هي حال مقدرة، أي خرجت قاصد التبوئة، لأن وقت الغدوّ لم يكن وقت التبوئة.
وقرأ الجمهور تبوىء من بوّأ.
وقرأ عبد الله : تبوِّىء من أبوأ، عداه الجمهور بالتضعيف، وعبد الله بالهمزة.
وقرأ يحيى بن وثاب : تبوى بوزن تحيا، عداه بالهمزة، وسهل لام الفعل بإبدال الهمزة ياء نحو : يقرى في يقرئ.
وقرأ عبد الله : للمؤمنين بلام الجر على معنى : ترتب وتهيىء.
ويظهر أنَّ الأصل تعديته لواحد بنفسه، وللآخر باللام لأن ثلاثيه لا يتعدى بنفسه، إنما يتعدى بحرف جر.
وقرأ الأشهب : مقاعد القتال على الإضافة، وانتصاب مقاعد على أنه مفعول ثان لتبوى.
ومَنْ قرأ للمؤمنين كان مفعولاً لتبوىء، وعداه باللام كما في قوله :﴿وإذ بوّأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ وقيل : اللام في لابراهيم زائدة، واللام في للقتال لام العلة تتعلق بتبوىء.
وقيل : في موضع الصفة لمقاعد.
وفي الآية دليل على أن الأئمة هم الذين يتولون أمر العساكر ويختارون لهم المواضع للحرب، وعلى الأجناد طاعتهم قاله : الماتريدي.
وهو ظاهر.
﴿والله سميع عليم﴾ أي سميع وقوالكم، عليم بنياتكم.
وجاءت هاتان الصفتان هنا لأنّ في ابتداء هذه الغزوة مشاورة ومجاوبة بأقوال مختلفة، وانطواء على نيات مضطربة حبسما تضمنته قصة غزوة أُحد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات ضروباً من الفصاحة والبديع :
من ذلك العام المراد به الخاص : في من أهلك، قال الجمهور : أراد به بيت عائشة.
فالاختصاص في : والله سميع عليم، وفي : فليتوكل المؤمنون، وفي : ما في السموات وما في الأرض، وفي : يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء خص نفسه بذلك كقوله :﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ ﴿نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم﴾ وفي ﴿العزيز الحكيم﴾ لأن العز من ثمرات النصر، والتدبير الحسن من ثمرات الحكمة.
والتشبيه : في ليقطع طرفاً، شبه من قتل منهم وتفرّق بالشيء المقتطع الذي تفرقت أجزاؤه وانخرم نظامه، وفي : ولتطمئن قلوبكم شبه زوال الخوف عن القلب وسكونه عن غليانه باطمئنان الرّجل الساكن الحركة.
وفي : فينقلبوا خائبين شبه رجوعهم بلا ظفر ولا غنيمة بمن أمل خيراً من رجل فأمّه، فأخفق أمله وقصده.
والطباق : في نصركم وأنتم أذلة، النصر إعزاز وهو ضد الذل.
وفي : يغفر ويعذب، الغفران ترك المؤاخذة والتعذيب المؤاخذة بالذنب.
والتجوز بإطلاق التثنية على الجمع في : أن يفشلا.
وبإقامة اللام مقام إلى في : ليس لك أي إليك، أو مقام على : أي ليس عليك.
والحذف والاعتراض في مواضع اقتضت ذلك والتجنيس المماثل في : أضعافاً مضاعفة.
وتسمية الشيء بما يؤول إليه في : لا تأكلوا سمَّى الأخذ أكلاً، لأنه يؤول إليه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى