غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿تبوّى المؤمنين﴾ بغير همز : أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف. ﴿منزلين﴾ بالتشديد وفتح الزاي : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف والفتح أيضاً. ﴿مسوّمين﴾ بكسر الواو : أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس. الباقون. بالفتح.
الوقوف :﴿للقتال﴾ ط ﴿عليم﴾ ه لأن " إذ " بدل من ﴿إذ غدوت﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿تبوىء﴾ ﴿أن تفشلا﴾ ( لا ) لأن الواو للحال ﴿وليهما﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه ﴿أذلة﴾ ج للفاء ﴿تشكرون﴾ ه ﴿منزلين﴾ ط لتمام القول ﴿بلى﴾ ( لا ) لاتحاد مع ما بعده ﴿مسوّمين﴾ ه ﴿قلوبكم به﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ( لا ) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿خائبين﴾ ه ﴿ظالمون﴾ ه ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.
التفسير : أنه سبحانه لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن لم يصبروا، أتبعه قوله :﴿وإذا غدوت من أهلك﴾ ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول ﷺ انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم. ووجه آخر في النظر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة. قال أبو مسلم : هذا كلام معطوف بالواو على قوله :﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾[آل عمران: ١٣] أي قد كان لكم مثل تلك الآية إذ غدا الرسول يبوئ المؤمنين. والجمهور على أنه منصوب بإضمار " اذكر ". وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر. وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب. وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد. وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم. " روي أن المشركين أن نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله ﷺ أصحابه ودعا ﷺ عبد الله بن أبيّ ولم يدعه قط قبلها فاستشاره. فقال عبد الله وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وقال بعضهم : يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء إلا كلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم. وقال ﷺ : إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، أو رأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة. فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال من المسلمين - قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد- : اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به ﷺ حتى دخل فلبس لأمته. فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا : بئسما صنعنا، نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه. فقالوا : اصنع يا رسول الله ما رأيت. فقال : لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة. قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله :﴿من أهلك﴾ " عن مجاهد والواحدي أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم السبت للنصف من شوّال. وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القداح إن رأى صدراً خارجاً قال : تأخر. وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل ﷺ ظهره وعسكره إلى أحد. وأمر ﷺ عبد الله بن جبير على الرماة وقال لهم : انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا. وقال ﷺ لأصحابه : اثبتوا في هذا المقام فإذا
عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام.
ثم إن رسول الله ﷺ لما خلاف، رأى عبد الله بن أبيّ شق عليه ذلك وقال : أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابه : إن محمداً ﷺ إنما يظفر بعدوّكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ذكر محمد ﷺ. فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال : يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا. وكان جملة عسكر الإسلام ألفاً - وقيل : تسعمائة وخمسين - فبقي نحو من سبعمائة. وكان المشركون ثلاثة آلاف فقوّاهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين. لكنهم لما رأوا انهزام القوم وكان الله تعالى بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول الله ﷺ ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوّهم لم يقوموا لهم. فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّوا على المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله ﷺ كما قال :﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ وشج وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ﷺ ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد. ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قتل. فأشرف أبو سفيان وقال : أفي القوم محمد ؟ فقال النبي ﷺ : لا تجيبوه. فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فقال : لا تجيبوه. قال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال : إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال : كذبت يا عدوّ الله. أبقى الله لك ما يخزيك. فقال أبو سفيان مرتجزا : أعلى هبل أعلى هبل. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. فقالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال ﷺ : أجيبوه. قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر والحرب سجال. فقال رسول الله ﷺ : أجيبوه. قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
ولنرجع إلى التفسير بوّأته منزلاً وبوّأت له منزلاً أنزلته فيه. ومقاعد أي مواطن ومواقف، وقد اتسع في " قعد " و " قام " حتى استعمل المقعد والمقام في المكان ومنه قوله تعالى :﴿في مقعد صدق﴾[القمر: ٥٥] وقوله :﴿قبل أن تقوم من مقامك﴾[النمل: ٣٩] أي من موضع حكمك. ويحتمل أنه ﷺ لما أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدوّ فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد ﴿والله سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بضمائركم ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: التأويل : أخبر عن النصر بعد الصبر بقوله :﴿وإذا غدوت﴾ وهو إشارة إلى جوهر السالك الصادق والسائر العاشق، وذلك أن يغدو في طلب الحق والرجوع إلى المبدأ من أصله أي صفات نفسه الحيوانية والبهيمية ﴿تبوىء المؤمنين﴾ أي صفاتك الروحانية مقاعد لقتال النفس والشيطان والدنيا ﴿والله سميع﴾ لدعائكم بالإخلاص لخلاص عن ورطة تيه الهوى ﴿عليم﴾ بصدق نياتكم في طلب الحق.
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿والله وليهما﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ الدنيا ﴿وأنتم أذلة﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي ﷺ يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا. وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله :﴿وأنزل جنوداً لم تروها﴾[التوبة: ٢٦] ﴿بلى إن تصبروا﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ليقطع طرفاً﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿أو يكبتهم﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.
القراءات :﴿تبوّى المؤمنين﴾ بغير همز : أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف. ﴿منزلين﴾ بالتشديد وفتح الزاي : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف والفتح أيضاً. ﴿مسوّمين﴾ بكسر الواو : أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس. الباقون. بالفتح.
الوقوف :﴿للقتال﴾ ط ﴿عليم﴾ ه لأن " إذ " بدل من ﴿إذ غدوت﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿تبوىء﴾ ﴿أن تفشلا﴾ ( لا ) لأن الواو للحال ﴿وليهما﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه ﴿أذلة﴾ ج للفاء ﴿تشكرون﴾ ه ﴿منزلين﴾ ط لتمام القول ﴿بلى﴾ ( لا ) لاتحاد مع ما بعده ﴿مسوّمين﴾ ه ﴿قلوبكم به﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ( لا ) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿خائبين﴾ ه ﴿ظالمون﴾ ه ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.
الوقوف :﴿للقتال﴾ ط ﴿عليم﴾ ه لأن " إذ " بدل من ﴿إذ غدوت﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿تبوىء﴾ ﴿أن تفشلا﴾ ( لا ) لأن الواو للحال ﴿وليهما﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه ﴿أذلة﴾ ج للفاء ﴿تشكرون﴾ ه ﴿منزلين﴾ ط لتمام القول ﴿بلى﴾ ( لا ) لاتحاد مع ما بعده ﴿مسوّمين﴾ ه ﴿قلوبكم به﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ( لا ) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿خائبين﴾ ه ﴿ظالمون﴾ ه ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.
التفسير : أنه سبحانه لما وعدهم النصر على الأعداء إن هم صبروا واتقوا وخلاف ذلك إن لم يصبروا، أتبعه قوله :﴿وإذا غدوت من أهلك﴾ ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ يعني أنهم يوم أحد كانوا كثيرين مستعدين للقتال، فلما خالفوا أمر الرسول ﷺ انهزموا، ويوم بدر كانوا قليلين غير مستعدين لكنهم أطاعوا أمر الرسول فغلبوا واستولوا على خصومهم. ووجه آخر في النظر وهو أن الانكسار يوم أحد إنما حصل بسبب تخلف عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، وذلك يدل على أنه لا يجوز اتخاذ المنافقين بطانة. قال أبو مسلم : هذا كلام معطوف بالواو على قوله :﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾[آل عمران: ١٣] أي قد كان لكم مثل تلك الآية إذ غدا الرسول يبوئ المؤمنين. والجمهور على أنه منصوب بإضمار " اذكر ". وعن الحسن أن هذا الغدو كان يوم بدر. وعن مجاهد أنه يوم الأحزاب. وأكثر العلماء بالمغازي على أن هذه الآية نزلت في واقعة أحد. وهو قول ابن عباس والسدي وابن إسحق والربيع والأصم وأبي مسلم. " روي أن المشركين أن نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فاستشار رسول الله ﷺ أصحابه ودعا ﷺ عبد الله بن أبيّ ولم يدعه قط قبلها فاستشاره. فقال عبد الله وأكثر الأنصار : يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدوّ قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا ؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وقال بعضهم : يا رسول الله اخرج بنا إلى هؤلاء إلا كلب لا يرون أنا قد جبنا عنهم. وقال ﷺ : إني رأيت في منامي بقراً مذبحة حولي فأوّلتها خيراً، أو رأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة. فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم، فقال رجال من المسلمين - قد فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد- : اخرج بنا إلى أعدائنا فلم يزالوا به ﷺ حتى دخل فلبس لأمته. فلما رأوه قد لبس لأمته ندموا وقالوا : بئسما صنعنا، نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه. فقالوا : اصنع يا رسول الله ما رأيت. فقال : لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل. فخرج يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة من المدينة. قالوا من منزل عائشة وهو المراد بقوله :﴿من أهلك﴾ " عن مجاهد والواحدي أنه مشى على رجليه إلى أحد وأصبح بالشعب منها يوم السبت للنصف من شوّال. وجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوّم بهم القداح إن رأى صدراً خارجاً قال : تأخر. وكان نزوله في جانب الوادي، وجعل ﷺ ظهره وعسكره إلى أحد. وأمر ﷺ عبد الله بن جبير على الرماة وقال لهم : انضحوا عنا بالنبل حتى لا يأتونا من ورائنا. وقال ﷺ لأصحابه : اثبتوا في هذا المقام فإذا
عاينوكم ولوكم الأدبار، فلا تطلبوا المدبرين ولا تخرجوا من هذا المقام.
ثم إن رسول الله ﷺ لما خلاف، رأى عبد الله بن أبيّ شق عليه ذلك وقال : أطاع الصبيان وعصاني ثم قال لأصحابه : إن محمداً ﷺ إنما يظفر بعدوّكم وقد وعد أصحابه أن أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا، فإذا رأيتم أعداءهم فانهزموا فيتبعونكم فيصير الأمر على خلاف ما ذكر محمد ﷺ. فلما التقى الفريقان انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال : يا قوم علام نقتل أولادنا وأنفسنا. وكان جملة عسكر الإسلام ألفاً - وقيل : تسعمائة وخمسين - فبقي نحو من سبعمائة. وكان المشركون ثلاثة آلاف فقوّاهم الله مع ذلك حتى هزموا المشركين. لكنهم لما رأوا انهزام القوم وكان الله تعالى بشرهم بذلك طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر، فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر الرسول الله ﷺ ولم يعلموا أن ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم لله ولرسوله، ومتى تركهم الله مع عدوّهم لم يقوموا لهم. فنزع الله الرعب من قلوب المشركين، فكرّوا على المسلمين وتفرق العسكر عن رسول الله ﷺ كما قال :﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم﴾ وشج وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته وشلت يد طلحة دونه ﷺ ولم يبق معه إلا أبو بكر وعلي والعباس وطلحة وسعد. ووقعت الصيحة في العسكر أن محمداً قتل. فأشرف أبو سفيان وقال : أفي القوم محمد ؟ فقال النبي ﷺ : لا تجيبوه. فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ فقال : لا تجيبوه. قال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ فقال : إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال : كذبت يا عدوّ الله. أبقى الله لك ما يخزيك. فقال أبو سفيان مرتجزا : أعلى هبل أعلى هبل. فقال النبي ﷺ : أجيبوه. فقالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال ﷺ : أجيبوه. قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر والحرب سجال. فقال رسول الله ﷺ : أجيبوه. قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
ولنرجع إلى التفسير بوّأته منزلاً وبوّأت له منزلاً أنزلته فيه. ومقاعد أي مواطن ومواقف، وقد اتسع في " قعد " و " قام " حتى استعمل المقعد والمقام في المكان ومنه قوله تعالى :﴿في مقعد صدق﴾[القمر: ٥٥] وقوله :﴿قبل أن تقوم من مقامك﴾[النمل: ٣٩] أي من موضع حكمك. ويحتمل أنه ﷺ لما أمرهم أن يثبتوا في تلك الأمكنة ولا ينتقلوا عنها شبهت بالمقاعد لذلك، ويحتمل أن المقاتلين قد يقعدون في الأمكنة المعينة إلى أن يلاقيهم العدوّ فيقوموا فلهذا سميت تلك المواضع مقاعد ﴿والله سميع﴾ لأقوالكم ﴿عليم﴾ بضمائركم ونياتكم فإنا بينا أنه كان في القوم موافق ومنافق
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾ يعني القلب وأوصافه والروح وأخلاقه ﴿والله وليهما﴾ ليخرجهما من ظلمات البشرية إلى نور الربوبية ﴿ولقد نصركم الله ببدر﴾ الدنيا ﴿وأنتم أذلة﴾ من غلبات شهوات النفس ﴿إذ تقول للمؤمنين﴾ فيه إشارة إلى أن نور النبي ﷺ يلهم أرواح المؤمنين على الدوام عند مقاتلة الشياطين ومجاهدة النفس ومكابدة الهوى في الركون إلى زخارف الدنيا. وثلاثة آلاف من الملائكة إشارة إلى الجنود الروحانية الملكوتية التي لا تدركها الحواس كقوله :﴿وأنزل جنوداً لم تروها﴾[التوبة: ٢٦] ﴿بلى إن تصبروا﴾ على مخالفة النفس وتثقوا بالله عما سواه يزدكم في الإمداد بالجنود ﴿ليقطع طرفاً﴾ ليقهر بعضاً من الصفات النفسانية التي هي منشأ الكفر بنصر الروح وصفاته ﴿أو يكبتهم﴾ أو يغلبهم ويظفر بهم ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ يعز بحكمته من يشاء على ما يشاء والله المستعان على ما تصفون.
القراءات :﴿تبوّى المؤمنين﴾ بغير همز : أبو عمرو غير شجاع وورش والأعشى وحمزة في الوقف. ﴿منزلين﴾ بالتشديد وفتح الزاي : ابن عامر. الباقون : بالتخفيف والفتح أيضاً. ﴿مسوّمين﴾ بكسر الواو : أبو عمرو وابن كثير وعاصم وسهل ورويس. الباقون. بالفتح.
الوقوف :﴿للقتال﴾ ط ﴿عليم﴾ ه لأن " إذ " بدل من ﴿إذ غدوت﴾ أو يتعلق بالوصفين أو بقوله ﴿تبوىء﴾ ﴿أن تفشلا﴾ ( لا ) لأن الواو للحال ﴿وليهما﴾ ط ﴿المؤمنون﴾ ه ﴿أذلة﴾ ج للفاء ﴿تشكرون﴾ ه ﴿منزلين﴾ ط لتمام القول ﴿بلى﴾ ( لا ) لاتحاد مع ما بعده ﴿مسوّمين﴾ ه ﴿قلوبكم به﴾ ط ﴿الحكيم﴾ ( لا ) لتعلق اللام بمعنى الفعل في النصر ﴿خائبين﴾ ه ﴿ظالمون﴾ ه ﴿وما في الأرض﴾ ط ﴿من يشاء﴾ ط ﴿رحيم﴾ ه.